أداب الشيخ و آداب المريد – المتصوفة

التجربة الصوفية عند الإمام أبي حامد محمد الغزالي
الفصل الثالث
المحور الأول : بين أداب الشيخ والمريد
أ-أداب الشيخ
حسب الغزالي على الشيخ أن لا يستعمل المريد أو أحد من التلاميذاته بطريقة استغلالية وأن يعمل على الاستفادة منهم بدافع أنه شيخهم وعليه كذلك أن يحذر من كون المريدين والمسترشدين الذين يبعثهم الله إليه ، بدافع امتحان وابتلاء من الله تعالى له كما عليه أن يعلم مريده مما علمه الله وأن يكلمهم كلام الناصح المشفق وعلى طريقة الوالد لولده بما ينفعه في دينه ودنياه وكل مريد ساقه الله إلى الشيخ عليه أن يرجع الله في معناه ويكثر الملجأ إليه أن يتولاه فيه وفي القول معه.

كما على الشيخ أن لا يتكلم مع المريد بالكلمة إلا وقلبه ناظر إلى الله ومستعين به في الهداية للصواب من القول وعليه أيضا أن يعطي الكلمة الطيبة الصالحة لذلك المريد وذلك لكون الكلمة تقع في سمع المريد كالحبة التي تقع في الأرض. وقد ذكرنا ان الحبة الفاسدة تهلك وتضيع الأرض ، وكما ان فساد حبة الكلام بالهوى وفكرة من الهوى تكدر بحرا من العلم وبما أن الشيخ يعتبر بمثابة ترجمان القلب يكون قلبه ترجمان الحق عند العبد وبهذا يكون الشيخ ينظر إلى وجه الله في حق مريده ويكون مؤديا للأمانة فيه ثم يبقى للشيخ أن يعتبر حال المريد ويتفرس فيه بنور الإيمان وقوة العلم والمعرفة ما يتأتى منه ومن صلاحيته واستعداده فهناك من المريدين من يصلح للتعبد المحض وطريق الإبراز ومنهم كذلك من يكون مستعدا صالحا للقرب وسلوك طريق المقربين المرادين بمعاملة القلوب والمعاملات السنية وأن الشيخ يعرف مريده وما يصلح له فيأتيه على قدر ذكائه وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يكلم الناس على قدر عقولهم ويأمر كل شخص بما يصلح له. فمنهم من كان يامره بالانفاق ومنهم من كان يأمره بالإمساك ومنهم من أمره بالكسب ومنهم من قرره على ترك الكسب كأصحاب الجنة .

كما من أداب الشيخ أن لا يجعزه أحد أثناء خلوته وذلك لأنه في هذه الفترة لا يسعه فيه معاناة الخلق وذلك من أجل أن يفيض خلوته فائدة خلوية وهذا طبقا لكون كل شيخ إلا ويحتاج لوقت معين ينقطع عن المخالفة مع الخلق والكلام معهم فالرسول صلى الله عليه وسلم مع كمال حاله كان يحتاج له قيام الليل وصلوات يصليها ويداوم عليها وأوقات يخلو فيها ، فما يستفي الشيخ عن الاستمداد من الله والتضرع بين يديه سبحانه وتعالى بقلبه فيكون له في كل كلمة إلى الله الرجوع وكل حركة بين يدي الله خضوع .
ومن آداب الشيخ كذلك مع المريدين النزول إلى حالهم ومحاولة معرفة مشاكلهم والرفق بهم ومحاولة البسط معهم كما عليه أيضا أن يحسن خلقه مع أهل الإرادة والطلب والنزول من حقه فيما يجب من التبجيل والتعظيم لمصلحة المشايخ وكذلك أن يستعمل التواضع الذي يكسب احترام من طرف الجميع.
وعليه أيضا العطف على الأصحاب وقضاء حقوقهم في الصحة والمرض وان لا يترك حقوقهم اعتمادا على إرادتهم وصدقهم وأن يساعدهم على التغلب على هواء أنفسهم إن أحسن بعضعم وان يرفق عليه وفي هذا بالنسبة لشيخ خيرا كثيرا .

علاقة الشيخ والمريدقال ابو سعيد بن الأعرابي ” كان شاب يعرف بأبراهيم الصائغ وكان لأبيه نعمة ، فانقطع إلى الصوفية وصحب أبا أحمد القلانسي فربما كان يقع بيد أبي أحمد شيئا من الدراهم فكان يشتري له الرقاق والشواء والحلواه ويؤثره عليه ويقول ، هذا خرج من الدنيا وقد تعود النعمة فيجب أن نرفق ونؤثره على غيره  (1)
ومن أداب الشيخ كذلك التنزه على مال المريد والقيام بخدمته والعمل على الارتفاق من جانبه بوجه من الوجوه لذلك فإن الله تعالى يجعل نفعه وإرشاده خالصا لوجه الله تعالى  فما يعطيه الشيخ للمريد يعتبر من أحسن الصدقات وقد قال تعالى ” إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا ” . (2)
ومن الأمور التي يجب على الشيخ أن يراقبها على مريده إن كان عليه مكروها أو علم من حاله اعوجاجا أو أحس منه بدعوى أو رأى انه بداخله شيئ عجب أن لا يقول له بمكروهه وإنما يتكلم مع الجماعة ويشير إلى المكروه الذي يلعم ويظهر عن وجه المذمة مجملا وبهذا تكون الفائدة عامة.
وعلى العموم فأخلاق المشايخ مهذبة وذلك لكونهم يقتدون بالرسول صلى الله عليه وسلم وهم يعتبرون من أحق الناس بإحياء سنته في كل ما أمر ونذب وأنكر وأوجب.

ويمكن ان نخلص أداب الشيخ مع المريد في الاتي:
نبدأ بحفظ أسرارهم فيما يكاشفون به وذلك لكون سر المريد لا يخرج عن وجه وشيخه وان لا يحقر الشيخ في نفس المريد ما يشغله على ذكر الله وعلى الشيخ ان يعرف ان شأن المريد طلب المنعم لا النعمة وذلك من اجل أن يضل سره مكنوزا عند نفسه وعند شيخه ولا يغشى سره وذلك لكون إباح الأسرار من الضيق الصدور وضيق الصدر موجب لإذاعة الشر وهذه الصفة نجدها عند النساء وكذلك الرجال الذين يتميزون بضعف عقولهم وبهذا فالشيوخ لا يفشحون الأسرار وذلك لكونهم يتميزون برزانة عقولهم وحكمتهم .

ب-أداب المريد
عندما نتحدث عن أداب المريد مع الشيخ فإننا نتحدث عن جانب الأداب ولناس اقتداء  بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال تعالى ” يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم” (3)  وروى أبو الدرداء فقال ” كنت امشي امام أبي بكر فقال لي الرسول صلى الله عليه وسلم ” تمشي من هو خير منك في الدنيا والآخرة ” (4) وقيل نزلت في أقوام كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شك الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء خاضوا فيه وتقدموا بالقول والفتوى فنهوا عن ذلك  . (5)
وبهذا يتبين لنا بأن أداب المريد مع الشيخ في المجلس ينبغي أن يتسم بالاحترام وأن يلزم المريد السكوت ولا يقول شيئا بحضرته إلا بأخذ الإذن من شيخه ووجد من الشيخ فسحة في ذلك ونهي بهذا المدد مثال “الرجل الذي  قاعد على ساحل بحر ينتظر رزقا يساق إليه ”  (6)
ومن حسن أداب المريد مع شيخه أن يتميز بالصمت والخمود حتى يبادئه الشيخ بما له فيه من الصلاح قولا وفعلا لأن الشيخ يعلم بأن طلبته يتطلعون إلى كلامه ويمشون على منهج فكره لهذا يعمل الشيخ على تنقية كلامه من شواب الهوى ويسأل الله أن يعينه لكن يكون كلامه بالحق من الحق (7) للحق  فالشيخ بالنسبة للمريد أمين الإلهام (8) ونأخذ بكلام الشيخ بمثال ” البدر الذي يقع في الأرض “.فإذا كان البدر فاسدا لا ينبث  . (9)

لهذا كان يعمل الشيخ على تنقية كلامه من شواب النفس لهذا نحن نركز على المريد من أجل التركيز على كلام شيخه وذلك مصداقا لقوله تعالى ” لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ” (10)  أي لا تطلبوا منزلة وراء منزلته وإن كان يدل هذا على شيء فإنما يدل على حسن الآداب وأعزها
كما لا ينبغ على المريد أن يجمد نفسه على طلب منزلة فوق منزلة شيخه بل عليه أن يحب لشيخه كل منزلة عالية وأن يتمنى له درجة عالية من العلم وبهذا يظهر حسن الإرادة فإرادة المريد للشيخ تعطيه فوق ما يتمنى لنفسه وتمكنه من الإقامة بآداب الإرادة .

ومن الآيات التي جعل بها الله سبحانه وتعالى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يحترمنه في كل شيء إذ قال تعالى :” لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ”  (11)  وهذه الآية نزلة في حق ثابت بن قيس بن شماس وتبين عدم رفع أصوات أو فساد الخلق أمام من هو أكبر منك مرتبة وعلم فهكذا ينبغي أن يكون المريد مع الشيخ
كما عليه أن لا ينبسط برفع صوته امامه أو حتى كثرة الضحك أو الكلام إلا إذا أبسطه الشيخ فرفع الصوت يحجب الوقار وهذا الأخير إذا سكت القلب عقل اللسان كيفية الخطاب .
وقد تصل درجة احترام المريد لشيخه إلى عدم النضر في وجهه لدرجة تصل عند المريد إلى عدم إشباع النظر فيه .
ومن الأفعال التي على المريد القيام بها في اتجاه احترام شيخه هو عدم الدخول على الشيخ لحجز أو ملجسه إلا بالإذن وعدم استعجال شيخه والصبر إلى ان يخرج الشيخ من موضعه أي من خلوته .
وينبغي على المريد إن أشكل عليه شيئا من حال الشيخ وضاق قلبه أن يتذكر قصة موسى مع الخضر عليهما السلام كيف كان الخضر يفعل أشياء ينكرها موسى وإذا أخبره الخضر يسرها يرجع موسى عن إنكاره . (12)
فالأشياء التي ينكرها المريد لا يكون إلا لقلة علمه بحقيقتها بينما الشيخ فكل شيء يكون لديه عذره بلسان العلم وكذلك الحكمة والذكاء العقلي الذي يكون يتميز بها عن مريده فقد قال أبو هريرة قال الرسول صلى الله عليه وسلم :” اتركوني ما تركتكم وإذا حدثتكم فخذوا عني فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ” . (13)
ومن الآداب كذلك أن لا يبسط المريد سجادته مع وجود الشيخ إلا لوقت الصلاة فإن المريد من شأنه التبتل للخدمة وفي السجادة إيماء إلى الاستراحة والتعزز وأن لا يتحرك في السماع مع وجود الشيخ إلا أن يخرج عن حد التمييز وأن لا ينكر على الشيخ شيئا من حاله ومواهب الحق عنده وما يظهر له من كرامة وإجابة ويكشف للشيخ من حاله ما يعلم الله تعالى منه وما يستحي من كشفه بذكره وإيماء وتعريضا .

فإن المريد متى انطوى ضميره على شيء لا يكشفه للشيخ تصريحا أو تعريضا يصير على باطنه منه عقدة في الطريق وبالقول مع الشيخ تنحل العقدة وتزول وأن لا يدخل المريد في صحبة الشيخ إلا بعد علمه بأن الشيخ قيم بتأديبه وتهديب وأنه أقوم بالتأديب من غيره ومتى كان عند المريد تطلع إلى شيخ آخر لا تصفو صحبته ولا ينفذ القول فيه ولا يستعد باطنه لسراية حال الشيخ إليه، فإن المريد كلما أيقن تفرد الشيخ بالمشيخة عرف فضله وقويت محبته والمحبة والتألف هو الواسطة بين المريد والشيخ وعلى قدر قوة المحبة تكون سراية الحال لان المحبة علامة التعارف . والتعارف علامة الجنسية ، والجنسية جالبة المريد حال الشيخ أو بعض حاله .

فقد قال : أبي أمامه الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :” من علم عبد أية من كتاب الله فهو مولاه ينبغي له أن لا يخذ له ولا يستأثر عليه فمن فعل ذلك فقد فصم عروة من عرى الإسلام ” (14) ومن أداب المريد على شيخه كذلك أن يراعي خطوات الشيخ في جزئيتها وكلياتها وان لا يستحقر كراهة الشيخ ليسير حركاته معتمدا على حسن خلق الشيخ وكمال حلمه ومداراته .
وأن لا يستغل بوقائعه وكشفه دون مراجعة الشيخ وذلك لكون شيخه يكون له علم واسع اكثر من المريد ويكون علمه مفتوح إلى الله الأكبر فإن كانت واقعة المريد تأخذ في طريق الله ولا تغضبه فإن الشيخ يباركه على فعله وكذلك من أداب المريد مع شيخه فيما يخص أمور الدنيا والدين لا يستعجل شيخه فيها .وأن لا تناقش شيخه فيها حتى يعلم أن الشيخ مستعد له ولسماع كلامه وحتى يكون قول الشيخ متفرغ وذلك لكون القول مع الشيخ فيه أداب وقد نبه الحق سبحانه وتعالى على ذلك فيما أمر به أصحابه مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مخاطبته فقال ” يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول صلى الله عليه وسلم فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ”  (15)
وهناك حديث لنبي صلى الله عليه وسلم حول حسن معاملة العلماء لانها تعتبر بمثابة توفيق وهداية وإهمال ذلك خذلان وحقوق حيث قال عبادة بن الصامت قال :” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :” ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ”  (16)
وبهذا نعرف حقيقة طاعة المريد لشيخه وأن احترامه من احترام وطاعة الله .
__________________________
(1)  – الإمام أبو حامد الغزالي كتاب ” إحياء علوم الدين “الجزء الخامس الحديث خلف الجامع الأزهر ( المكتبة التجارية الكبرى ) ص  205 بدون تاريخ
(2)   -سورة الإنسان الاية 9
(3)   -سورة الحجرات الأية 1.
(4)   – الإمام أبو حامد الغزالي كتاب إحياء علوم الدين ، الجزء الخامس دار الحديث خلف الجامع ” الأزهر المكتبة التجارية الكبرى) ص 199 بدون تاريخ.
(5)  – نفس المرجع ص 199 بدون تاريخ
(6)   – الإمام أبو حامد الغزالي كتاب ” إحياء علوم الدين “الجزء الخامس الحديث خلف الجامع الأزهر ( المكتبة التجارية الكبرى ) ص 199
(7)   -نفس المرجع ص 199
(8)   -نفس المرجع ص 199
(9)   -نفس المرجع ص 199
(10)   – سورة الحجرات الأية 1
(11)  –  سورة الحجرات الأية 2
(12)  – الإمام أبو حامد الغزالي كتاب ” إحياء علوم الدين “الجزء الخامس الحديث خلف الجامع الأزهر ( المكتبة التجارية الكبرى ) ص 201
(13)   -نفس المرجع ص 202
(14)   – الإمام أبو حامد الغزالي كتاب ” إحياء علوم الدين “الجزء الخامس الحديث خلف الجامع الأزهر ( المكتبة التجارية الكبرى ) ص 202 بدون تاريخ
(15)   – سورة المجادلة الآية 12
(16)   – الإمام أبو حامد الغزالي كتاب ” إحياء علوم الدين “الجزء الخامس الحديث خلف الجامع الأزهر ( المكتبة التجارية الكبرى ) ص 203 بدون تاريخ



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *