الجرائم الإقتصادية : تجارة المخدرات
الفصل التمهيدي
المبحث الأول: الأحكام العامة للجريمة الاقتصادية

المطلب الثاني: مفهوم الجريمة الاقتصادية في النظام الرأسمالي.
إن المصلحة المحمية في ظل النظام الرأسمالي هي المصلحة الخاصة إيمانا منه بأن الفرد يعد أساس النشاط الاقتصادي و الاجتماعي، لأجل دلك ينبغي أن يطلق له العنان في ممارسة هدا النشاط، و في المقابل تتحدد وظيفة الدولة في القيام بحماية حقوق أفرادها، و في مطلعها حق الملكية، دلك الحق المقدس في هدا النظام نظرا للأهمية التي يكتسبها بداخله، ومن ثم فإن الدولة تبقى بعيدة عن كل تدخل في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية، وإذا اقتضى الأمر تدخل من جانب الدولة فإنها لا يمكنها أن تتدخل إلا في أضيق الحدود. فالأفراد لهم كامل الحرية في ممارسة النشاط الاقتصادي.
فهناك طائفة من المصالح الاقتصادية التي تشكل موضوع الحماية الجنائية في النظام الرأسمالي والتي ليس لها مقابل في النظام الاشتراكي، من دلك حماية العلاقات الاقتصادية المبنية على المنافسة الحرة، حيث نلاحظ أن أغلب تشريعات الاقتصاد الحر تجرم المنافسة غير المشروعة، و هكذا نرى أن قانون العقوبات الاقتصادي موجود في كل الأوقات، و لكنه ظاهرة بشرية له أوقات اتساع و لحظات ازدهار وفترات ركود، فمن الملاحظ أن التجريم في الدول التي تأخذ بنظام الاقتصاد الحر يكتسي طابعا استثنائيا صرف ينتهي بانتهاء الظروف التي أوجدته، في حين يكون التجريم في الدول التي تأخذ بنظام الاقتصاد الموجه جزءا من سياستها الاقتصادية و يتعلق بإيديولوجية معينة يقوم عليها.
غير أن ما يمكن استنتاجه أنه لا يوجد قانون عقوبات اقتصادي متكامل تجمع شتاته مدونة واحدة تطلق عليها اسم “مدونة قانون العقوبات الاقتصادي”، ودلك راجع إلى كونه غير موجه الأحكام تتميز نصوصه بصعوبة فهمها لصياغتها الغنــــية فضلا عن صفته التكميلية، بمعنــــى أن وجوده أكثر ما يكون في القوانين الخاصة و التكميلية منه في المجموعات الجنائية الشيء الذي يجعل من الصعب الإحاطــــة به، فالنصوص متفرقـــة و لا وجود لقاعدة تخضع الجرائم الاقتصادية لمبادئ عامة مشتركة لا من حيث الموضوع و لا من حيث الإجراءات و مع ذلك يمكننا استخلاص من هده النصوص المتفرقة مفهوما للجرائم الاقتصادية يتحدد في النقاط الآتي بيانها:
*   نلاحظ أن هده المقتضيات الغرض من وجودها حماية النظام الرأسمالي باعتباره ينطوي على نظام عام اقتصادي يحول دون انتشار الفوضى نتيجة تعسف الأفراد باستعمال حرياتهم فيجهز النظام الحر على نفسه بنفسه.
*   إن التجريم في الجرائم الاقتصادية خلافا للجرائم العادية يستند إلى الظروف الاقتصادية و إلى المصلحة التي يحميها النظام الاقتصادي، ومعنى هذا أنها تسن لكل أزمة اقتصادية عارضة ثم لا يجري العمل بها بعد زوال الأزمة، و هذا ما يفسر ارتباط تطور قانون العقوبات الاقتصادية بالحربين العالميتين و بالأزمة الاقتصادية لسنة 1929.
*   تشكل العقوبات المالية أهم جزاءات قانون العقوبات الاقتصادي سواء كان لها طابع إداري أو تأديبي أو اقتصادي كالغرامة و التعويض النقدي و المصادرة و سحب الرخصة.
*   إن أغلبية العقوبات في الجرائم الاقتصادية تقرر من طرف الجهاز الإداري للدولة وبمقتضى قرار إداري، عكس العقوبات العامة التي يتم فرضها من طرف السلطة القضائية (المحاكم) بمقتضى قرار قضائي متمتع بقوة الشيء المحكوم به.
*  في الجريمة الاقتصادية تقوم الأجهزة الإدارية بإجراءات المتابعة و التحقيق بينما يقوم بهذه الأعمال في الجرائم العادية المحققون العدليون و قضاة التحقيق، لهدا يمنع على الادعاء العام المتابعة في هدا الصنف في الجرائم إلا إذا اقتضى الحال ذلك.

و إذا أخدنا التشريع الفرنسي كنموذج لهده الدول الرأسمالية فستجد أن نظام الاقتصاد الحر هو الذي ظل سائدا في فرنسا و في غالبية دول أوربا حتى سنة 1914 و ما بعد الحربين العالميتين. و يجد هدا النظام أصله في قانون Allard و الذي بقى معمول به دائما بسبب عدم وجود أي إلغاء صريح أو ضمني له، و ينص هدا القانون على أن كل شخص له الحق في أن يمتهن التجارة أو الصناعة. و لم يكن الجزاء الزجري لازما إلا في حالة الإساءة البينة  و بغرض حماية الجمهور، وهكذا فإن قانون العقوبات لم يكن يتدخل إلا بشكل خفيف و لم تحثوا المجموعة الجزائية الفرنسية الصادرة عام 1810 غير نصوص قليلة، فعاقب هدا القانون على مخالفة القواعد الخاصة بالصناعة و التجارة و الفنون و ذلك بتجريمه للأعمال ذات الطبيعة الضارة بالصناعة الفرنسية و المقترفة لهده الغاية مثل إفشاء أسرار الصناعة للخارج و تصدير بضائع رديئة الصنع إلخ(1).

ونلاحظ أنه زيادة في دعم و تأكيد نظام الاقتصاد الحر صدر قانون لوشابليبه الشهير المؤرخ في 14/17 يونيو 1791 الذي جرد نقابات الإجراء و نقابات المؤاجرين في آن واحد من شرعيتها بسبب ما ينطوي عليه وجودها من خطر على الحرية الاقتصادية باعتبار أن مطالبها تتغير بالضرورة النيل من هده الحرية، وقد تضمن هدا القانون مقتضيات تعاقب النقابيين من الإجراء بعقوبة أشد من تلك التي ينزلها بالنقابيين في المؤاجرين.
وقد ظهر اتجاه مند نهاية القرن الماضي ميز التدخل المتزايد لقانون العقوبات في الحياة الاقتصادية.

*   متطلبات الأمانة و الإخلاص في حياة الأعمال:
هكذا كان قانون الأعمال الفرنسي يعاقب على جريمة تزييف الموازين و المكاييل و لكن الأمر لم يقتصر على ذلك حيث استحدثت نصوص جديدة من أجل أخلاقيات التجارة و حماية المستهلك، كما صدرت في نهاية القرن 19 قوانين كثيرة في بعض القطاعات الخاصة كالقانون الخاص بغش تجارة الزبد…

*   إقامة سياسة اقتصادية قوامها التخطيط:
في هدا المضمار عرف قانون العقوبــــــات الاقتصادي تقدما هاما خلال القرن 20، و نلاحظ هدا التـقدم من خلال الخروج عن سياسة الحرية الكاملة و التامة، بحيث أضحت إبان الأزمات سياسية التخطيط و التوجيه الدقيق، ونتيجة لدلك فقد عـــــــوقب على الأعمـــــال التي من شأنها خطرا على السياسة الاقتصادية (2)، ونذكر في هدا المقام التنظيمات التي ترمي إلى حماية الأسعار، ويمكن تحديد نطاق الجرائم الاقتصادية في القانون الفرنسي فيما يلي:
*   تموين و توزيع المواد الغذائية (مرسوم 30 يونيو 1945).
*   توزيع المنتجات الصناعية (ق 29 يونيو 1943 كما تعديله و تتميمه بمرسوم 1957 و مرسوم 1938).
*   الأسعار: يشكل عامل استقرار السلع و الخدمات هاجس كل الحكومات، فهي تسعى سعيا جادا و حثيثا لأجل تحقيقه على اعتبار أن استقرار الأسعار مؤشر من مؤشرات السلع الاجتماعي و بالنظر إلى ذلك استمر العمل بالنصوص المتعلقة بالأسعار    و حدها من ضمن مجموع المقتضيات التنظيمية التي يتألف منها نظام الاقتصاد الموجه في فرنسا.

*   الرقابة على النقد: انطلاقا من الدور الذي يلعبه النقد في الحياة الاقتصادية فقد وجدت تنظيمات تفرض الرقابة على الأعمال المصرفية بغية حماية النقد حق يتسنى له القيام بدوره كاملا في الرفع من مستوى الاقتصاد الوطني (1

المطلب الثالث: مفهوم الجريمة الاقتصادية في النظام الاشتراكي:
سوف نقصر دراستنا للجرائم الاقتصادية في النظام الاشتراكي على النموذج السوفياتي باعتبار هذا الأخير مهدا للمذهب الاشتراكي (ثانيا) بعد أن نوضح المصلحة التي يدود عنها التجريم (أولا).
*   المصلحة التي يذود عنها التجريم:
يتميز النظام الاشتراكي بملكية الدولة لجميع وسائل الإنتاج، ولا يسمح بالملكية الخاصة  إلا في حدود ضيقة حدا، و يرجع دلك إلى كون تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية غير مقيد بشروط، و وسيلتها في هدا التدخل تتجلى في التخطيط و التوجيه، وفي ظل هدا النظام يتنــوع  التجريم  و يمكن حصره في أنواع أربعة و هي:
*   تجريم الغرض منه تموين السكان و الحفاظ على البنيات الاقتصادية الأساسية التي تقوم عليها الدولة، وسيرا في هدا الاتجاه يعاقب على الإهمال في الزراعة وتربية الحيوانات وعد إنجاز العمل المطلوب في وقته المحدد (3).
*   تجريم يقصد به حماية سياسة الدولة فيما يتعلق بملكيتها لوسائل الإنتاج وهذا العنصر يشكل قوام السياسة الاقتصادية في الدول الاشتراكية، إذ تشكل الجريمة الاقتصادية خروجا عن تلك السياسة، وخطرا يهدد كيان الدولة في الصميم.
*   تجريم يرمي إلى ضمان حسن سير الإدارة في المنشآت و المؤسسات الاقتصادية.
*   الجرائم الاقتصادية في القانون السوفياتي “روسيا حاليا”.

لقد حافظ قانون عقوبات جمهورية روسيا الاتحادية (4) على تصنيف الجرائم بالنظر إلى موضوعها، وهكذا تم إدراج جميع الجرائم الماسة بالاقتصاد الاشتراكي تحت عنوان “الجرائم الاقتصادية” وتتصل هده الجرائم بأهم علاقات قائمة في الاتحاد السوقياتي وهي علاقات الإنتاج التي يتألف منها الأساس الاقتصادي للدولة، وهكذا فإن مخالفة مقتضيات العمل تعد اعتداء على العلاقات التي بموجبها يقدم العمال للدولة من أجل تجميع وسائل الإنتاج. وقد ورد النص على الجرائم الماسة بالملكية الاشتراكية في الفصل الثاني من قانون العقوبات الروسي، وورد النص على الجرائم الاقتصادية في الفصل السادس منه، في حين توجد الجرائم الموجهة ضد الأساس الاقتصادي للدولة السوقياتية من بين الجرائم الخطيرة الموجهة ضد الدولة، وفيما يخص بعض الجرائم الأخرى ضد الدولة جاء النص على جرائم التهريب وجرائم الائتمان، وجرائم تزييف وترويج العملة (5)، والقيم المزيفة ومخالفة قواعد عمليات الصرف، كما نذكر من بين هاته الجرائم تلك التي تتعلق بالمس بالحقوق السياسية  للمواطنين.
وعلى كل حال يمكن تقسيم الجرائم الاقتصادية إلى مجموعات و هي كالآتي:

*   جرائم اقتصادية في ميدان الصناعة: وتشمل إنتاج المصنوعات دون المواصفات المقررة قانونا ومحالفة حظر القيام ببعض الأعمال والمنافسة غير المشروعة.
*   جرائم اقتصادية في ميدان التجارة: وتشمل المضاربة وغش المشترين.
*   جرائم اقتصادية في ميدان الزراعة: وتشمل إساءة استعمال المعدات الزراعية والمحافظة عليها ومخالفة القواعد المعمول بها لمقاومة الأمراض و الآفات الزراعية، وكذلك جرائم الري..الخ.
*   جرائم اقتصادية في ميدان الأموال: ويندرج تحتها تقليد وثائق النقل و الإخلال بالقواعد الخاصة بتسليم الذهب إلى الدولة(6).

______________________
(1) محمد محمود حسن وخالد محمد فلاح المليغي.
(2) محمد محمود حسن وخالد محمد فلاح: بحث تحت عنوان:”الجرائم الاقتصادية” دراسة مقارنة،لنيل بحث الإجازة في الحقوق قانون خاص بفاس سنة 1992/1993 ص 20 وما يليها.
(3) التيالي حميد وحجوبي عبد الاله:”الجرائم الاقتصادية” بحث لنيل الاجازة في الحقوق.ف.ج 1989-1990م من اشراف الدكتور أحمد اجوييد ص 16 ومايليها.
(4) محمد محمود حسن وخالد محمد فلاح: بحث تحت عنوان:”الجرائم الاقتصادية” المرجع السالف الذكر ص 18 وما يليها.
(5) أحمد أبو الروس: “قانون جرائم التزييف و التزوير و الرشوة واختلاس المال العام من الوجهة القانونية و الفنية” الموسوعة الجنائية الحديثة 5، 1997 ص 33 وما يليها.
(6) المرجع السابق ص 43.