الجرائم الإقتصادية : تجارة المخدرات

بسم الله الرحمان الرحيم
فصل تمهيدي:
في البداية يجب الإقرار بان كل فرد أو جماعة داخل كل مجتمع أو دولة حدود ضرورية للعيش في أمن و سلام، فالإنسان بصفة عامة تحدوه بحكم الفطرة رغبة في الإشباع آنيـــــــــــــا و مستقبلا، و التملك حالا وغدا. ونتيجة هده الرغبة وخيمة و لا محالة لأنه من الصعب على الفرد أو الجماعة التحكم في الذات و الرغبات والأهداف، فتصبح القدرة على التـــــــــمييز و الإدراك و الوعي مفقودة، والتحكم في الإرادة و الاختيار  و التصرف منعدم، الأمر الذي يحول الإنسانية إلى غابة لا يحكمها إلا قانونها، فالقانون الأقوى، لكن لمن يلوذ الأضعف؟
وعود إلى بدء، فعند اصطدام أو وقوع تماس بين هده الرغبات و المصالح والأهداف دون احترام للحد الأدنى المسموح به يقع الفاعل في المحظور، ألا و هو الجريمة أي التعدي على حق الغير سواء كان هدا الحق يهم حياة الإنسان أم يتعلق بماله و ملكه.
ولقد أفادتنا المصادر الدينية و حتى التاريخية أن الجريمة مرتبطة بالإنسان مند نشأته الأولى، فها هو هابيل يردي أخاه قابيل قتيلا، فيكون فعله هدا إيذانا لأول جريمة شنعاء تذكرنا بها مختلف الديانات السماوية، ولتكون أيضا بالنسبة لبني البشر كأجراس الخطر التي تذكرهم بالنفس الأمارة بالسوء، كي يتعظوا و يستخلصوا الدروس التي شاء الله عز وجل تلقينها لعباده من خلال ندم القاتل وجهله كيفية مواراة سوءة أخيه.
إن تطور الإنسان و الحضارة عبر التاريخ و تآلف الأفراد في مجتمعات و دول وقارات أدت إلى وضع قوانين و أنظمة سنت حدودا للحقوق و التصرفات فجرمت أفعالا    لا تتفق مع النظام العام و أحدثت لهده الغاية سلطات أنيط بها البحث و إقامة الدعوى العمومية و توقيع العقوبات و العمل على تنفيذها.

ولكن في العصر الحالي الذي أضحى فيه العالم قرية صغيرة بحكم ثورة الاتصالات وهي إحدى الآليات المهمة للعولمة التي مكنت من تخطي الحد و اجتيازها رغم تجلياتها الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية، و رغم ما تحمله هده العولمة من طيات الهيمنة و السيطرة و التسلط، فإن الجريمة أصبحت عالمية لا حدود لها جهويا و قاريا، ولا تشكل عدوانا على حرمات الأوطان و خصوصياتها و معتقداتها و اقتصادياتها فحسب بل ما تشكله  من مخاطر على حياة بني البشر قاطبة برا و بحرا وجوا.
وعولمة الجريمة زاد الأمر تعقيدا، إن لم نقل أصبح من المستعصي مكافحة ظاهرة الإجرام في صورتها الحالية، ذلك لأنها لم تعد مرتبطة بحيز مكاني محدود أو زمان معين   و لم يعد الأمر يتعلق بأشخاص معنيين في دواتهم يمكن تتبع نشاطهم و مراقبة سلوكهم و تحركاتهم المريبة، بل لم تعد الحدود الفاصلة بين الدول متصورة بالنسبة للنشاط الإجرامي، فأمام التطور التكنولوجي الحديث، أصبح في إمكان شخص بالمغرب مثلا أن يساهم في ارتكاب جريمة خطيرة في بلد آخر لا يرتبط بالمغرب بأية حدود مشتركة      و دلك بمساهمة أشخاص آخرين ربما تختلف إقامتهم و جنسياتهم.أمام خطورة هده الوضعية أصبحت دول المعمور بأسرها مطالبة بالتفكير في إعادة النظر في سياساتها الجنائية بصفة عامة وذلك بإيجاد خطط و أساليب تتجاوب و تطور الجريمة المرتبط بالتقدم التكنولوجي، بل إن هده الدول لم تعد تجد بدا من خلق وسائل جديدة للتعامل       مع بعضها في إطار تتبع المجرمين و مواكبتهم أينما حلو و ارتحلوا، و أن تجد إطارا جديدا للتعاون المثمر في هدا المجال خصوصا و أن مساطر التعاون الدولي أصبحت متجاوزة لما يكتنفها من تعقيد في الإجراءات وبطء في التنفيذ(1).

وتجدر الملاحظة إلى أن العديد من التشريعات قد عزفت عن إعطاء تعريف للجريمة تاركة هذه المهمة إلى الفقهاء و الباحثين، أما المشرع المغربي فقد عرف الجريمة في الفصل 110 من القانون الجنائي بأن “الجريمة فعل أو امتناع مخالف للقانون و معاقب عليه بمقتضاه”.
ولاشك في أن اعتبار فعل ما بمثابة جريمة يرتبط أساسا بالاضطراب الذي قد يحدث في المجتمع من جراء دلك و بالضرر الذي قد يصيب الضحية طبقا لما نص عليه المشرع المغربي في الفصل الأول من القانون الجنائي الذي يضفي صبغة الجريمة على كل أفعال الإنسان متى أحدثت اضطرابا اجتماعيا، فيستتبع ذلك زجر مرتكبها بعقوبات أو بتدابير وقائية.
أما في مجال الفقه الجنائي، فقد اختلفت التعاريف المعطاة لمصطلح الجريمة حسب الركن الذي يعتمد عليه في ذلك، فبعض التعاريف تقول أن أساس الركن المعنوي للجريمة، و أخرى تهتم بالركن القانوني، الشيء الذي يدل على وجود اتجاهين مختلفين الاتجاه الشكلي أو القانوني الذي يعتبر الجريمة كل عمل مخالف للقانون الجنائي، و الاتجاه الموضوعي أو الجماعي الذي يرى في الجريمة فعلا من شأنه إلحاق الضرر بمصلحة المجتمع و الأفراد(2).
ولقد أصبح العالم يشهد تطورا اقتصاديا هائلا في ظل العولمة و منظمة التجارة العالمية    و ثورة المعلوميات و ما أحدثته من تغيير في المفاهيم التقليدية التي نجمت عن الثورة الصناعية   و الحرب العالمية الثانية و واكبها من تشريعات تنظم الأنشطة الاقتصادية مثل تحديد الأسعار، الغش التجاري، ومراقبة الجودة، الضرائب و التهرب الضريبي، و الجزاءات المعروضــــــة على ذلك خارج القواعد العامة في التجريم المنــــصوص عليها

في قانون العقوبات، كل ذلك أدى إلى ظهور الجريمة الاقتصادية و التي تتطور بتطور النشاط الاقتصادي، حتى قيل عنها بأنها جريمة حضارية متجددة و متطورة و لا تقل خطورة و أهمية عن الجرائم الأخرى، كالجرائم الواقعة على الأشخاص أو تلك الواقعة على الأموال حيث أن سلبيتها تشمل المجتمع بأسره، لذلك تسعى الدول لمكافحة الجريمة الاقتصادية من خلال النصوص الجزائية التي تكفل الحماية للنشاط الاقتصادي على المستوى الوطني.
وعليه يجدر بنا التساؤل أولا، ما المقصود بالجريمة الاقتصادية؟ وما حكمها في الشريعة الإسلامية و نظام الحسبة في الإسلام، قبل التساؤل عن مفهومها في التشريع المغربي و أهم خصائصها و أركانها، و كيف تعامل المشرع المغربي مع الجرائم الاقتصادية من خلال السياسية الجنائية الاقتصادية بالمغرب.
ونظرا لما تخلفه الجرائم الاقتصادية من خسائر تلحق الأفراد و المجتمع على حد سواء، وان دائرة هذه الجرائم في توسع مستمر لما يتفرع عنها من جرائم مستحدثة نظرا للتطورات الاقتصادية التي تعرفها المجتمعات الحديثة، و تأتى في مقدمة هده الجرائم جريمة الاتجار في المخدرات وما تخلفه هي الأخرى من خسائر كبيرة في الأفراد و المجتمع ككل، و التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى تجارة دولية تشرف عليها عصابات منظمة يتجاوز نفوذها في بعض الأحيان أقوى الحكومات مثل عصابات المافيا الأمريكية الجنسية و الإيطالية الأصل (3). والاتجار بالمخدرات قد أصبح يجتذب المزيد من الأشخاص نظرا للأرباح الكبيرة بل و الضخمة التي يحققها المتعاملون فيها (4).

ولقد حرمت هذه الآفة من طرف الشرائع السماوية لأنها تؤدي إلى فقدان الوعي      و الإدراك،
وعلى رأس هده الشرائع الشريعة الإسلامية، حيث جاء في قول المولى عز وجل:” إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”(5)     و قوله أيضا: ” يسألونك ماذا أحل لهم، قل أحل لكم الطيبات” وقوله أيضا:”ويحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث”.
هذا وقد تصدت لمكافحتها كذلك التشريعات الوضعية إن اختلفت أحكامها حسب الظروف الزمنية و المكانية لكل مجتمع، وحسب طبيعة المادة نفسها.
ويعتبر المغرب من بين الدول الحديثة التي اهتمت بموضوع المخدرات و أولته العناية اللازمة سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، حيث اتجه إلى مكافحتها بكل الوسائل الممكنة و ذلك للحيلولة دون انتشارها حيث أصدر العديد من القوانين في مادة المخدرات، وصادق على مختلف الاتفاقيات الدولية التي وضعت في الميدان(6).
وإذا كان المجتمع المغربي كغيره من المجتمعات يعاني من هذه الآفة الاجتماعية بشكل ملحوض. فما هي السياسة الجنائية المتبعة على صعيد مؤسساتنا الزجرية في ميدان مكافحة المخدرات؟
وإذا كان رسم أية سياسة للمكافحة، أو أية استراتيجية وخوض المعركة إن صح هذا التعبير يقتضي الوعي بنوع التحديات القائمة على الساحة قصد إدراك حجم الجهود الواجب صرفها لكسب الرهان، فما هي  هذه التحديات؟ وما هي حجم الجهود و الطاقات الواجب بذلها في سبيل مواجهتها سواء على الصعيد التشريعي أو على صعيد الممارسة و الزجر   أو في نطاق التعاون الدولي؟
ونظرا لما للمخدرات من خطورة على المجتمعات الدولية كذلك وما ينتج عنها من أضرار على البشرية فما هي الجهود المبذولة على الصعيد الدولي؟
ويبقى أن نتساءل عن موقف القضاء المغربي هل ساير هده السياسة الجنائية الاقتصادية في أحكامه؟ أم أنه غلب الجانب الردعي عن الجانب الوقائي، وذلك بتركيزه على العقوبة الحبسية دون أخذه بالتدابير الأخرى المنصوص عليها في هذه القوانين؟
________________
(1) عبد اللطيف الزويتني: مقال منشور”السياسة الجنائية الأمنية و التعاون الدولي”في سلسلة الندوات و الأيام الدراسية09/10/11     دجنبر2004 – العدد3-
(2)  الدكتور محمد بن جلون: “القانون الجنائي العام تطبيقاته” السنة 2005 ص 15 وما يلها.
(3) عبد السلام بن سليمان:”مكافحة المخدرات بالمغرب – دراسة قانونية- اجتماعية. مطبعة المعارف الجديدة السنة 1993 صفحة 27.
(4) عبد السلام بن سليمان: المرجع السابق ص 46 وما يليها
(5).سورة المائدة الآية 90
(6). عبد السلام بن سليمان: المرجع السابق نفس الصفحة