الجرائم الإقتصادية : تجارة المخدرات
الفصل التمهيدي
المبحث الأول: الأحكام العامة للجريمة الاقتصادية

المطلب الرابع: مفهوم الجريمة الاقتصادية في التشريع المغربي:
انسجاما مع الاتجاه العام الذي أصبحت النظم الرأسمالية تأخذ به، ويتعلق الأمر بسياسة الدولة التدخلية في الحياة الاقتصادية، بقصد ضمان استقرار العلاقات الاقتصادية على نحو يتحقق به الازدهار و الانتعاش الاقتـــصادي، نلاحظ أن المشـــرع المــغربي هو الأخر قد تدخل بواسطــــــة نصوص عديدة تهم جوانب كثيرة من الاقتصاد الوطني، وهده المقتضيات هي ما يطلق عليــــه”قانون العقوبات الاقتصادي المغربي” وتشكل استثناء على مبدأ الاقتصاد الحر و الاتجاه الليبرالي الذي اختاره المشرع المغربي كمذهب للاقتصاد المغربي.
ونرى من المفيد أن نتطرق إلى موضوع طهور الجرائم الاقتصادية في التشريع المغربي قبل أن نتعرض إلى فكرة السياسة الاقتصادية.

• ظهور الجرائم الاقتصادية في التشريع المغربي.
*           ربط ظهور هدا النوع من الجرائم بالتنمية الاقتصادية.
لقد شهدت السنوات الأخيرة ميلاد أنماط إجرامية مستحدثة تتصل بجرائم تهريب النقد وتزييفه(1)، و الجرائم الاقتصادية المتعلقة بإخفاء المواد الاستهلاكية أو بيعـــــها بأعلى مـــن سعرها، ومن ثم يمكن أن تمثل إلى حد كبير اتجاها جديدا في الأنماط الإجرامية الني تتخذ طابعا اقتصاديا عاما (3)، وترتبط الصورة المستحدثة للجرائم بعملية التغيير الاجتماعي ارتباطا وثيقا، إذ أن الجريمة كظاهرة أو مشكلة اجتماعية تخضع لمبدأ التنمية الاجتماعية.

إن بعض الجرائم اليوم هي في صورة مغايرة وجديدة و مختلفة عن جرائــــــم الأمس التي كانت جديدة بالنسبة للجرائم قبلها، مفهوم الجرائم المستحدث يعني بالضرورة صورا جديدة من الجرائم، دلك أن المجتمعات اليوم تعرف تغييرا اجتماعيا، تغييرا في الأدوار و المكانات الاجتماعية و الاقتصادية و التربوية و النفسية و الثقافية مما يؤدي إلى تغيير الانتماء إلى فئات أو طبقات اجتماعية متمايزة، إضافة إلى التحول الاقتصادي الكبير وانتشار الصناعة و الزراعة و إدخال الحضارة الحديثة المتمثلة في استخدام الآن و المكاتب المتطورة. واتباع الأساليب الحديثة في البرامج الاقتصادية قد أوجد مراكز جديدة للأفراد و الجماعات مغايرة نماما للمراكز السابقة التي كان يشغلها هؤلاء الأفراد و تلك الجماعات.

فإذا كانت التنمية تقوم على دعامتين أساسيتين هي التوسع في الإنتاج الفلاحي و التركيز على التصنيع، فإنه من المتعارف عليه في مجال التصنيع هو العماد الذي يستطيع أي مجتمع أن يحقق لأعضائه ما يتوقون من عيش رغيد يتفق مع طموح الإنسان في هدا العصر فالصناعة هـــي القادرة على الوفاء بأعظم الآمال في تحقيق تقدم اقتصادي و اجتماعي، و التحضر مرتبط بالتصنيع أيما ارتباط (4).

أما بخصوص العلاقة بين التنمية الاقتصادية و الجريمة الناجمة عنها (الجريمة الاقتصادية) فقد عرفت المجتمعات مند فترة بعيدة الجرائم الاقتصادية كنتيجة للقيود الاقتصادية التي تصحب الأزمات و الحروب، وبرزت على نطاق واسع مع بدء الحرب الكونية الأولى بعد تطبيق نظم التسعير بالنسبة للمواد التموينية و توزيعها، إلا أنه بعد دلك يمكن القول بأن الجرائم الاقتصادية   لا تقتصر فقط على الدول التي تملك وسائل الإنتاج كلا أو بعضا، أو التي تقتصر على توجيه الإنتاج فهـــي تظهر أيضا في الدول التي تأخذ بنظام الاقتصاد الحر (5) فيلجأ إلى إصدار تشريعات تنظم المنافسة و حماية التجارة و الملكية الصناعية و التجارية. لهدا فإن الجرائم الاقتصادية تحتل مكانا بارزا في قوانين العقوبات المعاصرة و إن اختلفت في مداها تبعا للنظام الاقتصادي و الاجتماعي للدولة (6). كما اتسع نطاقها ليشمل مظاهر جديدة أوجدها تغيير العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية الني حدثت في كافة أرجاء العالم، وطبعا من ضمنها المغرب.

ويمكن القول باختصار شديد أن الجرائم الاقتصادية تنشأ عن الازدياد في تحول العلاقات الاقتصادية التقليدية مما يطلق عليه بالاقتصاد الحر إلى علاقات جديــــدة تزداد الغلبة و السيطرة فيها للدولة و للمجتمع نفسه على أساس تنظيمي جديد تصبح فيه هده العلاقات الجديدة، أي ملكية الدولة و ملكية المجتمع شرطا لا غنى عنه لقيام و تطور المجتمعات المعاصرة مستقبلا في اتجاه متقدم.

ودور التشريعات في هدا الميدان يعتبر سبيلا إلى تحصين المجتمع ووقايته بأسباب المناعة    و التوقي بالرغم من كون الجريمة ظاهرة اجتماعية لا تستقر على حال ثابتة ولا تجري على وثيرة واحدة، وما يعتبر جريمة في نظر العصر الحالي كان مباحا وسائغا في فترة زمنية سالفة (7).

*    القوانين الاقتصادية المغربية ومظاهر حمايتها:
لقد تعددت التشريعات الاقتصادية بالمغرب و تنوعت مظاهر حمايتها ضد الجرائم الاقتصادية ودلك بالقضاء على العنصر الذاتي باعتباره عاملا بالغ الأهمية في النشاط الإجرامي و لاسيما في الجرائم الاقتصادية التي أخذت تستفحل وتنتشر عالميا و تئن تحت وطأتها مختلف المجتمعات سواء منها المتقدمة أو النامية التي ورثت تركة ثقيلة من عنصر التخلف زادت من حدته الظروف السياسية و التاريخية لهده المجتمعات (8).

وأمام هدا الوضع تدخل المشرع المغربي في السنوات الأخيرة بعدة تشريعات جنائية خاصة بالحماية الاقتصادية، ونستعرض فيما يلي أهم تلك التشريعات:
•    التشريع الخاص بالدخان الصادر في 15 نونبر 1930.
•    تشريع المناجم الصادر في 16 أبريل 1951.
•    التشريع الخاص بضبط الأسعار و مراقبتها الصادر في 21 ونوفمبر 1959.
ناهيك عن وجود مقتضيات أخرى تضمنتها مدونة القانون الجنائي تعاقب على جرائم لها صلة مباشرة و آثارا مباشرة على الاستقرار و الأمن الاقتصاديين.

هكذا نلاحظ ميل التشريعات التي تأخذ بنظام الاقتصاد الحر في حياتها الاقتصادية و الاجتماعية إلى التقليص من نطاق الحرية الفردية في التعامل عن طريق القوانين الاقتصادية التي يتشكل منها ما يطلق عليه “بالنظام العام الاقتصادي”
*    فكرة السياسة الاقتصادية في التشريعات الاقتصادية المغربية.
يطلق مصطلح السياسة الاقتصادية و يراد به مجموعة الوسائل التي تتبعها الدول بغية تحقيق أهداف معينة و يستعمل أيضا كمرادف للمصلحة العامة للبلاد، هده المصلحة التي تشكل رفع مستوى عيش الجماهير و تحسين الصحة و التعليم أهم صورها و أهدافها على اعتبار كون تحسين مستوى العيش يبقى في الأول والأخير دو طبيعة اقتصادية، فالسياسة الاقتصادية    إذن هي تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية لبلوغ أهداف لها ارتباط بجوانب متعددة من حيــــــاة الفــــرد، و السياسة الاقتصادية بهذا المدلول العام ظاهرة حديثة لم تبرز إلى الوجود إلا بعد الحرب الكونية الأولى (9).
وبناء على ما تقدم يمكن القول أن حماية السياسة الاقتصادية لبلد ما يعني حماية وسائل هده السياسة سواء تعلق الأمر بالإنتاج أو التوزيع أو الاستهلاك أو التشغيل أو التصدير.
فالبنسبة للمشرع المغربي و رغبة منه في حماية الاقتصاد الوطني من جميع الأخطار التي قد تعصف باستقرار وثباته عن طريق المس بالتوازنات الكبرى التي تشكل قوام الاقتصاد الوطني، نجده تدخل في الشؤون الاقتصادية، وكانت وسيلة هدا التدخل وضع قيود تحد من الحرية الفردية المطلقة التي تلخصها عبارة “دعه يعمل دعه يمر”.

وهكذا تكون القيود أفضل وسيلة لحماية اقتصاديات الدولة التي نسلك مسلكا ليبيراليا في الاقتصاد، كما هو الشأن بالنسبة للمغرب، من خلال ما سبق يستبين لنا بوضوح أن حماية السياسة الاقتصادية تظهر من خلال حماية وسائل هاته السياسة، وتفيدنا هده الوسائل في حل ما قد يثور بين الشراح من خلاف حول اعتبار بعض الجرائم من قبيل الجرائــــــم الاقتصادية (10).

____________________
(1)  أحمد أبو الروس:المرجع السابق، ص 886.
(2)  أبو الروس : المرجع السابق، ص 15 و ما يليها.
(3)  محمد النباوي: “تبيض الأموال” مقال منشور بسلسلة الندوات و الأيام الدراسية، العدد 3، أيام 9و10و 11 دجنبر 2004 بمكناس.
(4)  محمود نجيب حسين: “الجرائم الاقتصادية في التشريع المغربي و المقارن” المجلة المغربية للقانون المقارن  لسنة 1981 العدد 7 ص 56 وما يليها.
(5)  محمود نجيب حسين: المرجع السابق، ص 73.
(6)  أحمد اجوييد: “الجريمة الاقتصادية” المرجع السابق ص 32.
(7) د. محمد بن ابراهيم بن جبير: “معنى الجريمة..” المجلة المغربية للقانون المقارن، 1977- العدد 1 ص67.
(8) د. محمد بن ابراهيم بن جبير:.: المرجع السابق، ص 83.
(9)   أحمد اجوييد: “الجريمة الاقتصادية” المرجع السابق ص 23 وما يليها
(10)  أحمد اجوييد: “الجريمة الاقتصادية” المرجع السابق ص 19 وما يليها.