حكم المخدرات في الشريعة الإسلامية – المطلب الثاني:
إن الشريعة الإسلامية باعتبارها شريعة عامة وشاملة، تقوم على أساس جلب المصالح ودرء المفاسد و الحرص على حماية الإنسان من كل ألوان الخبائث التي تهدد حياته اليومية و التي من شأنها أن تصده عن ذكر الله تعالى و عن الصلاة، وأن تضر بعقله وتؤثر عليه و على صحته.
والمخدرات هي نوع من الخبائث التي تؤدي تعاطيها إلى إلحاق الكثير من الأضرار بالإنسان سواء من ناحية العقل أو من ناحية البدن أو من ناحبة المال.

وتعاطي المخدرات محرم باتفاق فقهاء المسلمين باستثناء المالكية الدين قصروا التحريم على الكثير منها الذي يفقد العقل دون القليل(1).
قبل أن نبين الطريق الذي سلكه التشريع الإسلامي لتجنب مخاطر المخدرات سنحاول في مرحلة أولى معرفة ما إدا كانت الخمر قد حرمت لداتها أو لمفردها و بالتالي لا يمكن القياس عليها لتحريم غيرها من المسكرات أو المخدرات أم أن الأسباب و الدوافع التي من أجلها حرمت المخدرات، و في مرحلة ثانية سنسلط الضوء على موقف الشريعة الإسلامية من المخدرات و دلك عن طريق توضيح موقف الفقهاء المسلمين من الأفعال المصاحبة لها من حيث الزراعة و التجارة و التعامل و التعاطي، وفي الأخير سنتحدث عن موقف الرادع الذي استخدمته الشريعة لزجر تعاطي المخدرات.

الفقرة الأولى: مسلك الشريعة من تحريم المخدرات (علاقة المخدرات بالخمر).
إذا كان حكم التشريع الإسلامي في الخمر واضحا و لا يحتاج إلى بيان مؤكدة و ثابتة بالنص و السنة فما حكمة يا ترى ظاهرة المخدرات؟

من البديهي أنه لما كانت المخدرات تحدث نفس الأثر الذي تحدثه المسكرات بل و إن بعضها قد يترتب نتائج أخطر مما يؤدي إليه إدمان المسكرات فإنها ستأخذ حتما حكم المسكرات، والدليل على تحريم الخمر هو:
(2) مارواه أحمد في سنده عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر و مفتر.
المخدرات  droguesوالحديث يدل دلالة واضحة و صريحة على تحريم تناول المخدرات لأنه قد نهى عن تناول مايو رث الفتور و هو الخمور فيكون قد نهى عن تناول المخدرات و النهي عن تناول الشيء يدل على تحريمه كما تقرر دلك في علم أصول الفقه.

الفقرة الثانية: آراء الفقهاء المسلمين في حكم المخدرات
لم يرد عن المتقدمين من الفقهاء تعريف بالمخدرات، والظاهر أن الفقهاء لم يستعملوا هده الكلمة قبل القرن العاشر الهجري (3) (4)، ولكن فقهاء الشريعة يوافقون علماء اللغة في معنى التخدير الذي يولد الكسل و الفتور (5) غير أنهم يذهبون إلى أبعد من دلك فهم يريدون من المخدر المادة التي تغطي العقل من غير شدة لان الشدة من خصوصيات المسكر المائع (6).

وإذا كان الفقهاء المسلمون لم يستخدموا كلمة المخدرات، إلا أنهم تكلموا عن أنواع المخدرات التي ظهر تقاصيها  في زمنهم، فقد ذكروا حكم الحشيشة ، و الأفيون (7) في كثير من مؤلفاتهم، بالإضافة ألى بعض الأنواع الأخرى نذكر من بينها البنج وجوزة الطيب (8).
يهمنا أن نتساءل بعد دلك هدا التعداد هل سبق لفقهاء الشريعة الإسلامية أن تحدثوا في مؤلفاتهم عن قنب الكيف الموجود ببلادنا؟
لقد اختلف العلماء للقول ما إدا كانت هده العشبة من المسكرات أم من المفترات تحث أسترخاء الأطراف وتخدرها كالحشيشة أو أنها ليست من المفترات مطلقا. وقد اقر أحد متأخري المالكية (9) “إن هده العشبة ليست مفترة في جميع أنواعها وإنما يتحقق فيما زرع منها في نحو وزان بالمغرب الأقصى”.

أولا: حكم الشريعة الإسلامية من تعاطي المخدرات
لقد شدد التشريع الإسلامي في تحريمه المخدرات لأن دلك يتفق مع تعاليمه في المخدرات على الأصول الضرورية الخمسة و هي الدين و النفس و النسل و المال و العقل و في تعاطي المخدرات ما ينافي مقتضى الشريعة في المحافظة على هده الأصول و خاصة العقل و المال.
وهكذا نجد الشريعة الإسلامية تحرم كل اتصال بالمخدرات كزراعتها و الاتجار فيها، وقد أفاض العلماء في الحديث عن التعاطي وما ينتج عنه من آثار سواء فيما يتعلق بالتصرفات أو العقود الصادرة ممن زال عقله يتناول المخدر أو صدور الطلاق لدى متعاطيها.
بالنسبة للنقطة الأولى لصحتها أو عدم صحتها رأيان لفقهاء الشريعة الإسلامية:
•    رأي يقول بعدم صحتها لعدم القصد الصحيح منه بسبب زوال عقله بتناول الخمر.
•    ورأي يقول بصحتها باعتبار أن عقله قائم حكما تشديدا عليه وزجر له لأنه تسبب في زوال عقله بسبب محظور هو مختار فيه (10).
أما بالنسبة للنقطة الثانية المتعلقة بالطلاق اتفق المتأخرون من فقهاء الشافعية و الحنفية على الفتوى بوقوع طلاق من غاب عقله بأكل الحشيش (11)، وعللوا وقوع الطلاق في جميع الأحوال بأن متناولها تسبب في زوال عقله بسبب محضور دون أن يكون مكرها على دلك التعاطي.

ويثير موضوع تحريم المخدرات في الشريعة الإسلامية مسألة التداوي بالمخدرات ؛ فإذا كان الأصل هو تحريم القليل بقصد التداوي إدا أخبر بدلك طبيب مسلم كالتخدير عند إجراء العمليات الجراحية.

ثانيا: عقوبة متعاطي المخدرات في الشريعة الإسلامية
لم يختلف العلماء في استحقاق العقوبة بالنسبة للمتعاطي للمخدرات لكنهم اختلفوا في نوع العقوبة هل هي حد أم تعزيز؟
يذهب جمهور الفقهاء إلى أن العقوبة هي عقوبة تعزيزية و ليست حدا بحجة أن الحد في المانع المطرب، أما المأكول الذي لا تتحقق فيه خاصية الطرب فلا حد فيه و سندهم في وجود التعزيز هو أن تناول المخدرات ذنبا و معصية و لم يرد فيها حق مقرر أو كفارة و كل ما كان كذلك وجب فيع التعزيز (12).
ويميل فريق ثاني من الفقهاء و منهم ابن تميمة وابن حجر الهيثمي وابن حزم إلى القول بأن العقوبة في المخدرات يجب أن تكون هي حد السكر قياسا على المسكرات لوجود علة تغطية العقل التي هي سبب تحريم الخمر، وبناء على دلك فإن الأثر الأول بتحريم الحشبشة هو إقامة الحد على متعاطيها ثمانين جلدة (13).
وقبل أن ننهي الحديث عن موقف الشريعة نشير إلى حكمها في المواد المصطنعة و المواد التخليقية السارية المفعول و المنتشرة بكثرة في وقتنا الحاضر، إن الفقهاء المسلمين حكموا بتحريم الحشيش و الأفيون وسائر المخدرات التقليدية التي عرفت في عهدهم، و الحكم بتحريم تلك المخدرات يقوم أساسا على عموم النصوص الواردة في تحريم كل مسكر و مفتر.

وبناء على ما تقدم فإن كل مادة يثبت أنها تسكر أو تخدر أو تفتر العقل ينطبق عليها الحكم بالتحريم الذي قرره الفقهاء للحشيشة و غيرها من المخدرات، وهكذا يحرم شرعا المورفين و الهيروين و الكوكايين و هي كلها كما تعرف من مشتقات الأفيون و كذلك كل المواد الكيميائية التي صنعت أو تصنع أو يظهر لها اسم كان طالما أن جوهرها مفترا فهي على الأساس ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى كل مسكر مفتر.
مما تقدم يتبن بوضوح و جلاء أن الشريعة الإسلامية لم تحرم الخمر لذاتها حتى يكون تحريمها أمرا تعبديا لا يقاس عليها غيرها من المسكرات و لكن كان تحريمها للخمر نتيجة للأضرار الكثيرة المترتبة على تناولها. نعم إذا كان لم يرد في القرآن الكريم و لا السنة النبوية و لا في أقوال الأئمة المتقدمين شيء خاص بتلك المواد المخدرة في حلها و لا في حرمتها فلأنها لم تكن معروفـــة في زمنهم جميعا ولما ظهرت بعد المائة السادسة من الهجرة كما قال ابن تيمية فقد أجمع الفقهاء على حرمتها.
كما أنه إدا كانت الحكومات الإسلامية تعمل اليوم جاهدة على تفادي الأضرار التي تفرزها هده المواد الفتاكة، نجاح سياسة مكافحة هده الآفة في هده الدول و خاصة منها المصدرة أو المستوردة لها رهبن بضبط استعمالات هده المواد و حصرها في النطاق المشروع فقط.
وأيضا فكيف ندعي أننا نستمد تحريمنا للمخدرات من قواعد الشريعة الإسلامية في الوقت نفسه    لا نجد مادة واحدة تشير إلى تحريم الخمور بالقدر الذي تشير به إلى تحريم المخدرات؟
فهل يستحكم الأمر مع تحريم الفرع و إباحة الأصل المستند عليه، ويبقى السؤال مطروحا كيف يقتنع الرجل العادي بأن تحريم المخدرات مستندا على القواعد أو قواعد الشريعة الإسلامية   و أنها لا تقبل عنها حرمة إن لم تكن تزيد و في الوقت ذاته يرى أن النصوص المعاقبة على شرب الخمر و بينما تتسم بالليونة و عدم الصرامة (14).
الجرائم الإقتصادية : تجارة المخدرات
الفصل الأول: تجارة المخدرات بين الواقع و القانون.
الفرع الأول: أحكام تجارة المخدرات و تحديدها في إطارها الدولي و العربي الإسلامي و الوطني.
المبحث الأول: الأحكام العامة للمخدرات:
______________________________
(1)   وقد دهب الدكتور علي حسن  عبد الله الشرفي قائلا:”وقد حسم الإسلام –بتحريمه الخمر و المخدرات- مادة من أعظم المواد الداعية إلى السلوك ااجرامي، فحقق بدلك للمجتمع الإنساني وسيلة هامة من وسائل الأمان و وفر أداة عظيمة من أدواة الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة”(الباعث و أثره الاجتماعي دراسة مقارنة بأحكام الشريعة الاسلامية الطبعة 1986 صفحة130).
الشيخ حسنين مخلوف – فنادي شرعية و بحوث إسلامية – الجزء I –II الطبعة الثالثة سنة 1971 صفحة 185.
(2)   لقد تبث مما قرره الفقهاء الأقدمون و أيده الطب الحديث و الأبحاث الميدانية القائمة على المشاهدة الملموسة ضرر هده المخدرات على العقل و الجسم، ومن المقرر في الشريعة تحريم كل ضرر يصيب الإنسان نفسه أو غيره.
(3)   عبد العالي عطورة:”موقف الشريعة الإسلامية من المخدرات، المؤتمر السادس للمخدرات، الجزء الثالث، الرياض 1974 ص 45.
(4)   الدكتور يوسف قاسم:”أحكام المخدرات في الفقه الإسلامي و تطبيقها في أنظمة المملكة العربية السعودية: المؤتمر الإقليمي السادس للمخدرات، الرياض، الجزء الثالث: ص 8.
(5)   لسان العرب، المصباح المنير، يقال في اللغة العربية خدر العضو إدا استرخى فلا يطبق الحركة و الخدر: الكسل و الفتور.
(6)   الدكتور الصديق محمد أمين: موقف الشريعة الإسلامية من المخدرات”بحث أعده للمؤتمر العربي لشؤون المخدرات في دورته السادسة المنعقدة بالرياض 1419 نوفبر 1974، ص 74.
(7)   يقول العلامة ابن عابدين في حاشية ابن عابدين ص 304 الجزء الخامس”يحرم الأفيون و هو عصارة الخشخاش.
(8)   يطلق عليها بعض العلماء جوزة بابل.
(9)   الشيخ علي بن الشيخ حسين مفتي المالكي “تهذيب الفروق” الجزء الأول.
(10)   الشيخ سعيد بن دريب: موقف الشريعة الإسلامية من المسكرات و المخدرات: المؤتمر الإقليمي السادس للمخدرات جامعة الدول العربية، الجزء الثالت، الرياض، 1419 نونبر 1974 ص 249.
(11)   عبد العزيز الترميدي الذي قال”سألت آبا حنيفة و سفيان  عن رجل شرب البنج فارتقه إلى رأسه فطلق امرأته قال: إن كان من شرب يعلم ماهو تطليق امرأته، وان لم يعلم لا تطليق.
(12)   الدكتور الصديق محمد الامين: موقف الشريعة الاسلامية في المخدرات، بحث أعده للمؤتمر العربي لشؤون المخدرات في دورته السادسة المنعقد بالرياض نوفبر 1974.
(13)   الفتاوى الكبرى لابن تميمة و رد عن عبد السلام بن سليمان
(14)    عبد السلام بن سليمان المرجع السابق صفحة 29 وما يليها.