نوع التحديات والجهود الواجبة للقضاء على زراعة و تهريب المخدرات

 نوع التحديات القائمة و حجم الجهود الواجب صرفها لكسب الرهان – المبحث الأول:
إن رسم أية سياسة للمكافحة، أو أية استراتيجية لخوض المعركة – إن صح التعبير يقتظي الوعي بنوع التحديات القائمة على الساحة قصد إدراك حجم الجهود الواجب صرفها لكسب الرهان.

ويمكن حصر هده التحديات في نوعين:
التحدي الأول: ويتم بطابع تاريخي، وهو مشكلة زراعة قنب الكيف.
التحدي الثاني: يتم بطابع جغرافي و هو مجاورة المملكة المغربية للقارة الأوربية، وتأثير دلك على انتعاش حركة التهريب.

المطلب الأول: مشكلة زراعة قنب الكيف:
لقد ورث المغرب كغيره من الدول الأمريكية و الآسيوية و الإفريقية زراعة نبات القنب، ويمكن أن يرجع دلك إلى أحقاب تاريخية غارقة في القدم باعتبار أن هدا النبات كان معدا أساسا لاستعمال أليافه في صناعة النسيج و الحبال، أكياس الخيش، وهو بدلك كان موضع عمليات اتجار و تبادل ومقايضة بين المتعاملين، و قد يكون مصدره الهند أو بعض الدول الآسيوية بحكم أن الدول المعروفة بسيطرتها على البحار مثل اسبانيا و البرتغال و هولندا و انجلترا كانت تمارس تجارة مكثفة بين آسيا ودل البحر الأبيض المتوسط ومنها المغرب.
إلا أن زراعة قنب الكيف لم تعرف انتعاشا و تأطيرا في بلادنا إلا في عهد الحماية الفرنسية بالجنوب و الاسبانية بالشمال، وكانت الدول العضمى قد اشترطت في عقد الجزيرة بتاريخ 7 أبريل 1906 (في الفصل 72) أن تكون زراعة و إنتاج مادة الكيف محتكرة من طرف الدولة، وخلقت لهدا الغرض سنة 1910 شركة دولية تدعى”الشركة الدولية ذات المصالح المشتركة Regi co-intersses” استفادت من امتياز الاحتكار، وامتد نشاطها في عهد الحماية سنة 1912 بالإضافة إلى المنطقة الاسبانية و المنطقة الدولية بطنجة.

ويحكم أن هدا الاحتكار كان ذا صبغة تجارية، فإن القوانين التي تتعلق بمادة الكيف و التي صدرت مند 4 ماي 1915 الى 24 ابريل 1954 ونخص بالذكر قانون 12 نوفمبر 1932 إلي اعتبر مادة الكيف مضرة بالصحة العامة، حيث كانت تبيح زراعتها شريطة حصول المزارعين على ترخيص بدلك، وتنظيم كيفية بيعها لجمهور المستهلكين للاستعمال الشخصي، زكان نشاط الشركة صاحبة الاحتكار ميالة الى توسيع حجم المزارعين، و إلى تكثيف المساحات المزروعة و كان ينظر إلى مادة الكيف بوصفها منتوجا تجاريا يجب تسويقه و يخضع لحرية التجارة الدولية السائدة وقتئد، و لا يمكن حصره أو صنعه بدعوى كونه من صنف المخدرات فهو مصدر مهم للمخدرات التي تحصل عليها الدولة الأجنبية الحامية.
إن هدا الإرث من المساحات المزروعة من القنب يمكن اعتباره واقعا تاريخيا مفروضا تسلل إلى تربة بلادنا وصادف تشجيعا من الدول الحامية (1)
إن المساحات المزروعة حاليا بحسب آخر الإحصائيات التقريبية بالفنب الهندي تصل إلى حوالي 120500 هكتار بنسبة 6 بالمئة من المساحة الإجمالية و 13 بالمئة من المساحة الصالحة للزراعة، حيث تتمركز بالأساس في المنطقة الشمالية و التي تبلغ مساحتها 20000 كلم مربع وتمثل 2.7 بالمئة من المساحة الإجمالية بالمغرب وتبلغ مساحة المناطق الصالحة للزراعة بها 957200 هكتار (2).

وحسب آخر الإحصائيات الرسمية كذلك، فإن رقم معاملات الكيف المغربي الذي ينتج بالشمال خصوصا هو 114 مليار هكتار يشمل منه اقليم شفشاون 62 بالمئة، ويبلغ إجمالي الإنتاج  بالشمال 4700 طن تشكل منه اقليم الحسيمة 9 بالمئة (3).
وقد بلغت مداخيل تجارة القنب الهندي الخام محليا 9.2 مليار درهم / 325 مليون دولار مساهمة ب 7 بالمئة من الدخل العام للبلاد، أما مداخيل تجارة الحشيش دوليا فقد وصلت إلى 13 مليار دولار / 8.10 مليار أورو (4)
إنها أرقام ناطقة على شراسة التحدي الدي تفرضه زراعة القنب الكيف و على ضخامة الاموال المتداولة من جراء التهريب.
لقد بادرت الدولة الحامية خلال سنة 1954 إلى إصدار قانون منع قنب الكيف، سواء للزراعةأو الاتجار، وكان دلك بعد أن اعتبرت المؤتمرات الدولية نبات القنب الهندي (الكيف) في عداد المواد المخدرة الخاضعة للمراقبة و المنع و خاصة مؤتمر الأفيون بلاهاي سنة 1935. وأن القانون لم يصدر الا بعد أن صارت المساحات المزروعة كثيفة، وبعد أن تعود المزارعون على هدا الصنف من الزراعة، وأصبح مصدر قوتهم و الاشكالية الجديدة بالملاحظة هو أن هدا القانون لم يمنع الا النبتة من جنس الدكر التي كان يعتقد أنها لاتحتوي على مفعول تخديري قوي، و لم يمنع البدور و الالياف.

ولقد شرعت السلطات المغربية مؤخرا في شهر فبراير من سنة 2006 في شن حملة ضد زراعة الكيف و المخدرات باقليم الشمال، ودلك في إطار السياسة المولوية للملك محمد السادس لاختيار طريق التنمية المستديمة و الشاملة كركيزة أساسية من ركائز مشروع بناء المجتمع الديمقراطي الحداثي المتضامن، حيث قام بمصالحة شمال المملكة مع باقي مناطق الامغرب من حيث حرص مند توليه الحكم على القيام بزيارات ميدانية لكل مناطق الشمال وتدشينه للعديد من المشاريع التنموية في أفقالتأسيس لقاعدة تنموية صلبة تدفع باتجاه التخلي التلقائي عن النشاط  الاقتصادي التقليدي المعروف بالمنطقة و المعروفة به دوليا، ودلك في سياق حملة دولية للحد من انتشاره و تأثيراته على اقتصاديات الدول و أمنها.
زراعة قنب الكيفرغم أن هدا الطموح يصطدم بإرث ثقيل و واقع عنيد و تحديات كبرى حيث أن انتاج المخدرات بالشمال المغربي ساهم في استقرار الساكنة و ارتقاء النمو الديمغرافي وخلف أنشطة اقتصادية منتجة، بل  أصبح مصر العيش بالنسبة للبعض لدلك كان لابد من ايجاد بدائل ممكنة قادرة على مجابهة هده التحديات .

المطلب الثاني: الموقع الجغرافي للمملكة المجاورة للقارة الأوربية و تأثير دلك على انتعاش حركة التهريب:
يحتل المغرب موقعا جغرافيا متميزا، بوصفه بابا رئيسية مفتوحة على القارة الأوربية و يتوفر على شواطئ شاسعة ممتدة على كل من المحيط الأطلسي و البحر الأبيض المتوسط، وهد الوضعية تشجع بسهولة عمليات تهريب المخدرات، فهي تشجيع في آن واحد عملية العرض (الزراعة)، وعملية الطلب على المخدرات من المهربين الأجانب، ودلك في غفلة من أجهزة الرقابة التي لا يمكن لها أن تشدد حراستها على طول الشواطئ الممتدة، وهكذا أصبح بلدنا تهدده أنواع من عمليات التهريب، وهي التهريب الدولي المباشر إلى الخارج (أولا) و التهريب الدولي بالعبور إلى خارج (ثانيا) و التهريب نحو المغرب (ثالثا).

الفقرة الأولى: التهريب المباشر للمخدرات نحو الخارج:
لقد نشطت حركة تهريب مشتقات القنب كالشيرة، وزيت القنب، نحو أوربا، من طرف عصابات الاتجار غي المشروع التي يكون أعضاؤها أساسا من مهربين محليين و أوربيين يتقاسمون الأدوار في عمليات التهريب حيث تستعمل قوارب الصيد اليدوية و القوارب ذات المحرك النفات، لتوريد شحنات المخدرات إلى النقاط المتفق عليها في عرض البحر، مع الاستعانة بوسائل الاتصال المتطورة للإفلات من رقابة دوريات الخفر الساحلي، و تستعمل أيضا لنفس الغرض شاحنات النقل البري و السفن التجارية، حيث يتم إخفاء المخدرات بإتقان في الصناديق و حشوها في قلب المعلبات المعدة للتصدير و تستعمل في حالات قليلة طائرات شخصية خفيفة.
ومن جهة أخرى، فإن أفراد العصابات من المواطنين الدين يتعاملون أساسا في سوق القنب و مشتقاته، خاصة منهم بعض الوسطاء من فئة الشباب، يقومون بعمليات تهريب مزدوجة، إذ لا يقتصرون على التصدير نحو الخارج، بل يتعاملون في استيراد بعض المخدرات القوية كالكوكايين و الهيروين من شركائهم الأوروبيين، و يحاولون بإغراءات مختلفة تشجيع و تقوية الطلب الداخلي الرامي إلى تعويد الشباب على استعمال مثل هده المخدرات القوية و لو بأثمنة زهيدة في بداية الأمر.

الفقرة الثانية: مشكلة التهريب بطريق العبور (transit) نحو الخارج:
بحكم سهولة التنقل بين المغرب و أوربا، أخد المهربون الدوليون يستغلون هده الوضعية لاستعمال تراب المملكة منطقة عبور في اتجاه الدول الأوربية حيث لا يقصدون تصريف بضائعهم داخل المملكة، و لكن يحاولون تمريرها عبر بعض المطارات و الموانئ، ونخص بالذكر بعض المهربين من دول أمريكا الجنوبية الدين يمررون  كميات من مواد الكوكايين نحو أوربا عبر (مالقا) أو (مدريد) باسبانيا، و إن كثير من هؤولاء المهربين قد تمكنت القواة العمومية من ضبطهم وتقديمهم للعدالة.

الفقرة الثالثة: مشكلة التهريب نحو المغرب:
إن الاغراءات المادية الهائلة المتحصلة من تهريب المخدرات تجعل المهربين و لو كانوا مغاربة يدفعهم الجشع إلى إغراق بلادنا بالمخدرات ذات المفعول القوي، فيقومون بعمليات مزدوجة نحو التصدير و الاستيراد.
ورغم أن ظاهرة الطلب على هدا النوع من المخدرات، لم يأخذ بعد حجما خطيرا على غرار بعض الدول الغربية، إذ يمكن إخضاعها لرقابة منهجية و التحكم فيها، فإنه لوحظ تزايد نشاط بعض شبكات التهريب التي أخذت تتسرب إلى بعض شرائح المجتمع لا سيما في أوساط بعض الشباب من الطبقات الميسورة، متخدة نقاط البيع في الفنادق و الحانات و بجوار بعض المدارس و خاصة مدارس البعثات الأجنبية و تقوم بترويج الكوكايين و الهيروين و الماريجوانا، و قنب الكيف، و الشيرة. إن التهريب نحو المغرب قد تطور أيضا نحو ترويج أنواع من الأقراص دات التأثير النفسي مثل مستحضر المورفين، والكوديينو الأوبتاليدون و ل.س.د و الامفيتامينات، وتتسرب كميات من هده الأقراص عبر بعض الدول الأوربية و المجاورة، في محاولة لايجادسوق الطلب ببلدنا و لتصريف فائض أنتاج بعض المعامل الصيدلية بأوربا.

وليس غريبا أمام تزايد عمليات التهريب نحو المغرب، أن تظهر عدة حالات من إدمان الشباب على المخدرات و الأقراص الصيدلية، و يكونون نزلاء على مستشفيات الصحة النفسية حسب ما تكشف السجلات.
ولاريب أن رصد أصناف التهريب الثلاثة السالفة، كفيلة بأن تحدد توجيهات السياسة الجنائية في هدا المجال، و التي ترتكز أساسا على تجنيد كل الطاقات و الوسائل من طرف الجهات المعنية بالمكافحة للكشف عن المهربين و شبكاتهم سواء القائمين بالتهريب نحو المغرب أو إلى الخارج، وإيقاع عقوبات صارخة ضدهم من طرف المحاكم، وكذلك بالنسبة للمهربين بطريق العبور الذي يلقون نفس العقاب، تعبيرا من بلدنا على التعاون الدولي في ميدان المكافحة، ولو لم يكن مستهدفا بصفة مباشرة.
في حين أن المدمنين على المخدرات يعاملون حسب الأحوال إما بتوفير العلاج لهم أو وقايتهم أو عقابهم عند توافر عناصر الخطورة وحالة العود.
الجرائم الإقتصادية : تجارة المخدرات
الفصل الثاني: السياسة الجنائية المتبعة في جرائم تجارة المخدرات
الفرع الثاني: نوع التحديات و حجم الجهود و أهم التوجهات في السياسة الجنائية الوطنية:
_________________________
(1)   مجلة الملحق القضائي: العدد 32 ابريل 1997 “السياسة الجنائية في ميدان مكافحة جرائم المخدرات” مقال: الاستاد عمر دومو: مدير الشؤون الجنائية و العضو بوزارة العدل.
(2)   إن إجمالي المساحات المزروعة بالقنب الهندي المسقية و غير الالمسقية 98574 هكتار تمثل 88 بالمئة.
انظر جريدة البيضاوي صادر يوم السبت 25 فبراير 2006 العدد 187 ص7.
(3)   جريدة البيضاوي صادر يوم السبت 25 فبراير 2006 العدد 187 ص7.
(4)   نسبة القنب الهندي المروجة بالمغرب 66 بالمئة، و نسبة الحشيش المروجة بالمغرب كدلك 34 بالمئة، وكمية الحشيش المستخلصة عام 2003 من مجموعة 3070 طن، و كمية الحشيش المستخلصة عام 2004 من مجموعة 2800 طن وسر الحشيش دوليا 68000 درهم للكيلوغرام/ 6900 دولار امريكي، و سعر الحشيش دوليا 68 درهم لللغرام /9.6 دولار امريكي و سعر القنب الهندي الخام محليا 25 درهم للكيلوغرام، وسعر الحشيش محليا 1400 درهم للكيلوغرام.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *