تجارة المخدرات بين الواقع و القانون

الجرائم الإقتصادية : تجارة المخدرات
الفصل الأول: تجارة المخدرات بين الواقع و القانون.
تمهيــد:
إن من يمعن النظر في مشكلة المخدرات ابتغاء معرفة كنهها وسبر أغوارها يجد أنها قديمة قدم الإنسان نفسها، فقد بدأ استخدام المخدرات مند زمن طويل في مجتمعات قديمة كمجتمع الصين (1) وبعض المجتمعات الآسيوية و الإفريقية الأخرى، وامتدت إلى أوربا و أمريكا لتصبح آفة من الآفات التي تواجهها المجتمعات المعاصرة، وقد استخدمت المخدرات مند بداية التاريخ الإنساني   و إلى عصرنا الحاضر لأغراض مختلفة منها الديني (2) و الطبي و الاجتماعي.

ويكفي للدلالة على العلاقة القديمة بين المجتمع البشري و المخدر ما توصل إليه الباحثون من أن ما عثر عليه في قبور الفراعنة صحبة مومياءاتهم يؤكد أنهم قد عرفوا الخشخاش، وأن الرسومات و الأواني التي خلفوها تدل على اتصالهم بمادة الأفيون.
كما دهب بعض الشراح إلى أن شراب السلوان الذي يذكر ‘هوميروس’ في قصائده هو نوع من أنواع الحشيش، وفي هده الإشارة ما يكفي للتأكد على أن تاريخ العلاقة بين الإنسان و المخدر يرجع لألفي سنة قبل الميلاد على الأقل.

ومند تلك الحقبة، والى الآن تطورت البشرية بشكل كبير وتطورت مدها منجزاتها ومشاكلها، وتطورت بالتالي أوجه استعمال المخدر بعد أن تعددت أساليب إنتاجه تبعا للتقدم التكنولوجي الذي سمح بالحديث عن ظاهرة مخدرات تتأقلم مع كل الأجواء وتستجيب لمختلف الظروف و تتجدد متطلبات المستهلك وبتجدد المشاكل الناتجة عن التقاضي.
ولقد حرمت المخدرات من طرف الشرائع السماوية لأنها تؤدي إلى فقدان الوعي و الإدراك، كما تصدت لمكافحتها التشريعات الوضعية وإن اختلفت أحكامها حسب الظروف الزمانية ومكانية لكل مجتمع و حسب طبيعة المادة نفسها.

وظاهرة المخدرات تمثل مشكل عالمية بكل أبعادها وبحكم طبيعتها، فهي لا تعترف بالحدود الجغرافية وتمارس من قبل عصابات ذات جنسيات متعددة، وإذا ما وقع إنتاجها في مكان ما من العالم فليس هناك من يدري أين سيتم ترويجها و كدا استهلاكها بصفة مشروعة أو غير مشروعـــة.

تجارة المخدراتولم تعد حكرا على الدول المتقدمة، بل تجد الدول النامية تعاني منها بشكل ما يشبه حالة وبائية تبدل من أجلها الجهود المكثفة بقصد الحد من انتشارها و تخفيف ما تسببه من أضرار جسيمة تهدد المجتمعات الإنسانية وجلبت بالتالي اهتمام الأطباء وعلماء الإجرام وعلماء القانون ورجال السياسة وغيرهم من ذوي التخصصات المختلفة وقد ساعد على تفاقم هذه الآفة التوسع المضطرد في مساحة الأماكن المزروعة من مناطق العالم/ وإلى الزيادة الواضحة في توفر المخدرات الصلبة و على رأسها الهيروين l’heroine’ ثم إن الإقبال المستمر من طرف الشباب على تعاطي المخدرات بمختلف أنواعها جعل منها ظاهرة على جانب كبير من الخطورة على أساس أن انحراف هذه الفئة الشابة ووقوعها في مهاوي الإدمان يؤدي إلى حرمان الدول من فئة يفترض أن تكون خير عون لتنفيذ خطط التنمية باعتبارها عماد الأمة وسبب رقيها.
وهكذا أصبحت ظاهرة المخدرات من أعقد المشكلات الاجتماعية نظرا لارتباطها بمشاكل جانبية أخرى كمشكل الإجرام المنظم وتصاعد معدلات الجريمة، وحركات التمرد  و الاتجار غير المشروع في الأسلحة و تبيض الأموال المحصل عليها عن طريق التهريب، هذا إلى جانب الأضرار الصحية و الاجتماعية التي تفرزها هذه الآفة الخطيرة في لأبعادها الراهنة (3).

_________________
(1)  cabriel nahas : histoir du « H » editions Robert Laffont 1979 P : 32.
(2)  Dr : joèl Fort ; l’emploi des stupéfiants et toxicomanie en Asie : Bulletin de stupéfiants 1965 n° 4 P : 3
(3)   عبد السلام بن سليمان المرجع السابق ص 26.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *