تجارب دولية سابقة في الكشف عن إنتهاكات حقوق الإنسان

الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب
الفصل الأول: إشكالية حقوق الإنسان

المبحث الثاني: تجارب دولية سابقة في الكشف عن الحقيقة:
شكل موضوع “الكشف عن الحقيقة” تحديا واجه تجارب الانتقال الديمقراطي بعد قضية المساءلة الجنائية، وإذا كانت هذه الأخيرة قد وجدت بعض مبررات وأسباب تجاوزها في ضرورات التوازنات والتطلع إلى المستقبل، فإن “الكشف عن الحقيقة مثل بكل المقاييس اختبارا جديا واجه رجال السياسة المتوافقين على الانتقال الديمقراطي وضمنهم أولئك الذين كانوا ضحايا الانتهاكات بالأمس وأصبحوا بحكم “أقدار” التاريخ ومنعرجاته في قلب صناعة القرار السياسي لمسارات الانتقال الديمقراطي.

المطلب الأول: جنوب إفريقيا:
بعد 45 سنة من حكم الأبارتايد و الذي تأسس منذ 1948، بما هو نظام فصل عنصري حكمته سياسة الحديد والنار، وأطرته أنظمة قانونية خاصة به كقانون مناطق الجماعات قوانين الأرض والإقامة والطوارئ وتسجيل السكان وتنقلهم، وفي ظله اختبر ومارس النظام العنصري كل أشكال الانتهاكات الجسيمة وأفظعها: القتل، التعذيب، الاعتقال السياسي الطويل الأمد والميز الاقتصادي والاجتماعي ضد الأغلبية السوداء.
بالمقابل واجهت هذا النظام حركات سياسية، عسكرية، مدنية وثقافية ظلت مستفيدة على الدوام من دعم إنساني عالمي متنام، ومن القيادة المعنوية والروحية لنيلسون مانديلا. وعرفت المواجهة كل فنون الحرب المدنية والعسكرية وهي التي دامت قرابة ثلاثة عقود لتدخل بعدها جنوب إفريقيا مرحلة هامة من تاريخها تمثلت في الكشف عن حقيقة ملف الانتهاكات الجسيمة ل حقوق الإنسان، وتصفيته في إطار ما اصطلح عليه المصالحة الوطنية ولم يكن إنجاز هذه المرحلة الانتقالية أمرا سهلا أو مستويا فقد دشن الإفراج عن الزعيم الراحل نيلسون مانديلا بتـاريخ 11-2-1990 بـداية مسار معقـد ومتفاوض حوله خص “السلم المدني” والانتقال الديمقراطي بين حكومة البيض وتجمع المؤتمر الوطني.
ففي مرحلة أولى انصبت المفاوضات على وضع أسس التفاوض والتدابير المستعجلة وصدر بيان “الكاب ماي  90” الذي اتفق على آليات وإجراءات ومساطر متدرجة في المكان والزمان من أجل الالتزام المشترك لتبديد مناخ العنف والتهديد أيا كان مصدرهما، فضلا عن تحقيق الالتزام المشترك وفق عملية متفاوضة سليمة ومن بين الإجراءات الرئيسية ما يلي:
-إنشاء فريق عمل عهد إليه بإعداد “تعريف بالجرائم السياسية في الحالة الخاصة بجنوب إفريقيا على قاعدة الإفادة من القواعد والآليات اللازمة لموضوع الإفراج عن المعتقلين السياسيين ومنح الحصانة فيما يتعلق بالجرائم السياسية لمن يتواجدون داخل جنوب إفريقيا، وخارجها.
-قيام الحكومة باتحاد الإجراءات لمنح الحصانة المؤقتة للقيادة وأعضاء في المؤتمر الوطني بهدف “تمكينهم من العودة للمساهمة في تنفيذ التزامات بيان الكاب”.
وعلى ضوء تقرير أعد بخصوص تعريف الجرائم السياسية أبرم الطرفان ( 1) اتفاقا ثانيا في غشت 1990 عرف “بمذكرة بريتوريا” التي وضعت بموجبها خطة للإفراج عن السجناء المتصلين بالمؤتمر الوطني وبعدم إجراء محاكمات مباشرة.
بعد حصول هذا الاتفاق، وتتويجا لإجراءات هذه المرحلة الأولى، صدر في نونبر 1990 بالجريدة الرسمية إعلان حكومي كخطوة في المرحلة الثانية من المرحلة الانتقالية، بواسطة وزارة العدل أقر المبادئ التوجيهية لتعريف الجرائم، ومنح المعتقلين والمنفيين المتورطين في النزاعات المسلحة العفو والإعفاء من المقاضاة والحصانة المؤقتة.
تمكن هذا الإعلان الذي صاغ بدقة المصالح المتوازنة للطرفين من إضفاء الشرعية على المبادئ التوجيهية لاتفاق الكاب ماي 1990 ومذكرة بريتوريا غشت 1990 ذلك بدراسة كل حالة على حدة وحسب الباعث السياسي للجرم والسياق الذي اقترف فيه وطبيعة الهدف السياسي، وطابعه القانوني ومستوى فداحته وهدفه والعلاقة بين الفعل والهدف السياسي المراد تحقيقه، وفيما إذا كان قد اقترف تنفيذا لأمر أو بموافقة المنظمة أو المؤسسة أو الهيئة المعينة، لقد شكلت هذه الإجراءات مدخلا مهما لرفع حالات الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين والمختفين قسريا وفي فتح أجواء استعادة الأمن والشروع في المفاوضات حول الدستور الانتقالي وتسريع وثيرة التحاق باقي الأطراف والأحزاب السياسية بعملية “المصالحة الوطنية” التي ستنتظم كقـوى سياسية إلى جانب حـزب المؤتمر الـوطني في المجلس التنفيذي الانتقالي ومجلس التفاوض المتعدد.
في سياق هذا الوضع وعلى خلفيته طرحت بصفة متداخلة ثلاثة قضايا بالغة التعقيد: البحث في الانتهاكات وتعويض الضحايا وإعادة تأهيلهم والعفو العام، وذلك طبعا في إطار قضية واحدة هي “المصالحة الوطنية”،ولدعم هذا المسار، كمسار سياسي بالدرجة الأولى، أصل الدستور الانتقالي لسنة 1993 لمبدأ “المصالحة” ذاته بتأكيده على أن “الوحدة الوطنية” والرفاهية” لجميع سكان جنوب إفريقيا يفترضان “المصالحة” بينهم جميعا، ورغم الجدل الحاد الذي أثير حول تضمن الدستور العفو عن مرتكبي الانتهاكات كما كان يلح على ذلك كل من الحكومة والجيش، إلا أنه وفي الأخير اتفق الأطراف على أن العفو يمنح عن الأفعال والجرائم المرتبطة بأهداف سياسية خلال النزاع الماضي.
بهذا تكون جنوب إفريقيا قد أنجزت خطوتها الثالثة من المرحلة التي وصفها القس ديسموند توتو “إلى حدود 1994 كنا نعيش فوق صفيح ساخن وعلى حافة الهاوية”
لكن بمجرد انتخاب مانديلا رئيسا بتاريخ 27-4-1994 ستدخل جنوب إفريقيا مسارا أكثر جدية، فقد كان من بين القرارات الأولى التي اتخذها نلسون مانديلا بعد انتخابه من طرف الجمعية الوطنية المنتخبة بدورها ديمقراطيا، تشكيله للجنة الحقيقة والمصالحة، ودعوة الجميع إلى التعاون معها، أنشئت اللجنة التي تـرأسها القس ديسموند توتو من 17 عضـوا وروعيت فيهـا التمثيلية الإقليمية والسياسية والدينية، وتوزع أعضاؤها على ثلاث لجان رئيسية.
1-لجنة انتهاكات حقوق الإنسان: مسؤولة عن جميع تصريحات الضحايا والشهود، وتدوين الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان .
2-لجنة العفو: تتلقى وتنظر في طلبات العفو.
3-لجنة جبر الضرر وإعادة الإدماج: التي كلفت بوضع توصيات بشأن برنامج الإصلاح : جبر الضرر والتعويض.
تستند اللجنة في عملها على التأصيل الدستوري لمفهوم “المصالحة” واستهدفت في عملها إيجاد توازن دقيق بين متطلبات العدل والمسؤولية والسلام المدني والمصالحة”. إلا أنها استبعدت خيار “نورنبورغ” الذي أحدث غداة الحرب لعالمية، لمحاكمة مجرمي النازية، إذ في جنوب إفريقيا لا أحد من المعسكرين كان في موقع فرض عجالة المنتصرين، لأن لا أحد منهما انتصر انتصارا حاسما يسمح له بذلك، وفيما يتعلق بما إذا كانت اللجنة جهازا قضائيا أو شبه قضائي يقيم رئيسها عملها قائلا: “إن اللجنة وسيلة أكثر فعالية من المحكمة للوصول إلى الحقيقة، مادام أن المعنيين كانوا مطالبين بالإدلاء باعترافات كاملة من اجل الحصول على العفو، وهكذا انقلبت العملية القضائية وأصبح على المتهمين أن يثقلوا كاهلهم بالوقائع وهم مستعدون للبوح بكل شيء.
وبخصوص إشكالية “العفو على الجناة” فيما إذا سيكون عفوا عاما وفرديا، فقد ارتأت اللجنة أن يمنح العفو بشكل فردي مقابل اعترافات كاملة ذات علاقة بالانتهاكات الخطيرة المرتبكة، وبالفعل منحت الهيئة سلطة العفو للأفراد عن الجرائم المرتكبة ما بين السنة التي شهدت مجزرة “:شاربفيل” (بداية الستينات) وسنة تولي الرئيس مانديلا 1994، تلقت الهيئة أكثر من 7000 طلب، لكن العفو شمل فقط الذين تعاونوا مع الهيئة بالكشف عن معلومات لكن بالنسبة ل الانتهاكات الجسيمة كان لابد أن يستمع للمعني في جلسة علنية للإجابة عن أسئلة الهيئة أو الممثل القانوني للضحايا أو عائلاتهم، أو الضحايا أنفسهم، أخذت لجنة العفو مجموعة من العوامل بعين الاعتبار في إصدار العفو منها العلاقة بين الفعل أو الجرم والهدف السياسي المرجو تحقيقه، وإذا ما كان الفعل أو الجرم المرتكب متناسبا مع الهدف، وبتعبير أدق أن تكون الأفعال التي يطلب بسببها العفو ذات دوافع سياسية ومورست من طرف حركات معترف بها رسميا، ثم تحديد أجل تقديم طلبات العفو في سنة قبل الفترة التي أريد للهيئة أن تنهي عملها خلالها. ومن أجل الضغط على مرتكبي الانتهاكات لطلب العفو قامت الهيئة ببعض الجلسات للتقصي والبحث حفاظا على سرية الأسماء، وتفاصيل الجرائم، إلا أنه رفض طلب العفو بالنسبة لقتلة المناضل Stève Bilko  وذلك لأنهم ادعوا أن قتله غير مقصود، كما رفضت بعض الطلبات المرتبطة بأفعال ناجمة عن مجرد الميز العنصري نظرا لعدم ارتباطها بهدف سياسي، أو الترخيص من قبل هيئة سياسية أو رسمية. وفي هذا الإطار تتعين الإشارة إلى أن القانون ينص على أنه عندما يصبح العفو قائما بإمكان الضحايا الاعتراض عليه وتبريره، باعتبار أن القضاء هو الجهة المختصة لعرض استئنافه بخصوصه.
أما فيما يتعلق باختصاص الهيئة في مجال التعويضات وإعادة التأهيل، فقد نص القانون المنظم لها على أن “كل الأشخاص المعترف بهم كضحايا لهم الحق في إصلاح الضرر”، وبالرغم من أن اللجنة لم تكن مختصة للتصريح بقرارات تعويضية فإنها تفادت استعمال كلمة “تعويضات” لحصول “الاعتقاد لانعدام أية وسيلة لتعويض موت زوج مثلا أو أب أو الشخص الذي كان يعول عائلته، وبالاستحالة الفعلية لتقرير الأضرار التي سببتها هذه الخسارة” وبدلا من إصدار قرارات تعويضية اقتصر عملها على إصدار توصيات ومقترحات انصبت على:
1-مساعدة العائلات بإعطاء منح دراسية للشباب.
2-تمكين الضحايا في تداريب تكوينية في إطار إعادة علاجات خاصة.
3-تقديم مساعدة مادية لتفادي إفراغ مسكن أو الاحتفاظ به.
4-نصب شاهدة على قبر جثمان.
كما اقترحت اللجنة التمييز في التعويضات الممنوحة بين شخص عاطل أصبح موظفا.
لكنها عانت من قلة الموارد للاستجابة لكل الحاجيات، إذ لم تستطع تطبيق اقتراحها المنصب على صرف “مساعدة مؤقتة استعجالية” بلغت 2000 ران (4000 درهم) وعلى تعويض سنوي قدره 20 ألف درهم تدفع على امتداد 6 سنوات وذلك لعدم توفر صندوق الرئيس الذي أسس لهذا الغرض على المبلغ الذي اقترحته الهيئة ويسجل رئيس الهيئة في هذا الصدد “وفي اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور لم تقرر الدولة سوى خمس هذا المبلغ على 3 سنوات”.
من جهة أخرى دخلت الهيئة في معارك قانونية طيلة فترة عملها، وأهم حالة يمكن ذكرها في هذا الإطار، الطعن الذي تقدمت به بعض عائلات الضحايا حول عدم دستورية الهيئة، لكن المحكمة الدستورية قضت لصالح هذه الأخيرة، وضعت قضية ضد الرئيس السابق D.W.Bogha بعد رفضه الحضور أمام الهيئة، حيث كانت محاكمته فرصة للهيئة للكشف علنا عن الأدلة الكثيرة ضده، بما في ذلك معرفته وموافقته على مخطط طويل الأمد لارتكاب جرائم من قبل الدولة، أدانته المحكمة بغرامة 2000 دولار وسنة سجن موقوفة التنفيذ، وفي الاستئناف كشفت الهيئة عن تقريرها الذي يضم 5 مجلدات في اكتو بر 1998 وقد خلف جدلا لم يكن متوقعا، في هذا الصدد يجدر الذكر أن الرئيس Fredech de . Klerk  توسل في أن لا يذكر اسمه في التقرير ولو بشكل مؤقت وقد نجح في ذلك، كما أن منظمة المؤتمر الإفريقي لم تكن راضية عن خلاصات الهيئة حول أنشطتها السابقة، وحاولت نشر التقرير بكامله ثم لجأت إلى المحكمة في آخر لحظة.
غير أن المحكمة قضت لصالح الهيئة ساعات فقط قبل الوقت المحدد لإصدار التقرير، هذا الذي تم النظر فيه من قبل البرلمان بعد ذلك بشهور، إلا أن لجنة العفو استمرت في عقد جلساتها سنتين بعد صدور التقرير وذلك لعدم تمكنها من لوصول إلى خلاصات بشأن جميع طلبات العفو في الوقت المحدد، بالمقابل لوحظ على اللجنة عدم استعمالها للسلطات المخولة لها في بعض الأحيان حيث انتقدت في بعض الحالات على تركيزها على المصالحة بدل اكتشاف الحقيقة، كما انتقدت بشكل شديد من قبل المنظمات غير الحكومية بسبب عدم استدعاء وزير الداخلية ورئيس حزب الأنكاطا خوفا من أية ردود فعل عنيفة كما لم تستعمل إمكانيات بعث مذكرة استدعاء وسلطتها في البحث والحجز إلا في حالات قليلة فقط، في هذا الصدد يوضح القس توتو “لقد سمح الحفاظ على السر والسلطوية معا في إخفاء الحقيقة في مناطق الظل من تاريخنا، والملفات أصبحت صعبة التناول والشهود مجهولين في الغالب أو ماتوا أو يرفضون التحدث وكل ما تبقى فعليا، وفي أغلب الحالات هو الذكريات المؤلمة والشكوك الغريزية والخطيرة والصادقة لمن بقوا على قيد الحياة، لكنها شكوك يستحيل تحويلها إلى حجج دامغة وموضوعية يسند بعضها البعض وتصمد أمام صرامة القانون، علما أن عددا هاما من الذين مثلوا أمام لجنة الحقيقة والمصالحة كانوا من مرتكبي الجرائم والانتهاكات والجنح والذين لم تفتهم استعمال الوسائل المهمة للدولة لإتلاف الدلائل وإخفاء جرائمهم” !
______________________
( 1)  -الحكومة وحزب المؤتمر الوطني



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *