الإتجار في المخدرات , خاتمة بحث عن الجرائم الإقتصادية

الجرائم الإقتصادية : تجارة المخدرات
خاتمـــــــــــة
إدا كانت أغلب التشريعات الحديثة قد أدرجت جريمة الاتجار في المخدرات ضمن مقتضياتها الاقتصادية الزجرية، و بعضها الآخر في الطريق إلى دلك، فلأن المشرع أصبح يعي بخطورة الأفعال التي تشكل جريمة الاتجار غير المشروع للمخدرات، وهناك أكثر من سبب يدعو المشرع إلى تجريم تجارة المخدرات، ومن بين تلك الأسباب:
إن الاتجار في المخدرات إجرام منظم يتسم بكثير من الخطورة، وهو غالبا ما يحول الجريمة من جريمة فردية إلى جريمة منظمة، كما أنه في الغالب ينقلها من جريمة دات طابع محلي إلى جريمة دولية عابرة للحدود؛
إن هدا النوع من الإجرام – نظرا لخطورته – قد يستغل لارتكاب جرائم أخرى، أو تستعمل الأموال الناتجة عنه في اقتراف جرائم أخرى شديدة الخطورة كالإرهاب، حيث إن الكثير من الأموال الناتجة عن الاتجار غير المشروع للمخدرات مثلا، تستعمل في تمويل العمليات الإرهابية، وكذلك الشأن بالنسبة لعائدات السرقة، كما حدث في الجرائم الإرهابية التي سجلت في المغرب و التي أبانت أن العديد من مرتكبيها كانوا يسرقون أو يبتزون الأشخاص و يتعيشون من الأموال المسروقة خلال فترات التحضير للجرائم الإرهابية التي اتهموا بها، أو يستغلونها لشراء متفجرات أو أدوات تستعمل لارتكاب جرائم فظيعة.
وكذلك الأمر بالنسبة لجرائم الفساد المالي كالارتشاء الذي يؤدي إلى إفساد الصفقات التجارية و بالتالي يضعف القدرة على المنافسة الحقيقية و يلحق بالمقاولات أضرار لا تقوم؛
إن الاتجار في المخدرات يلحق الضرر بالاقتصاديات الوطنية بسبب و جود اقتصاد خفي غير ظاهر يهدد الاقتصاد الرسمي. و كذلك بسبب عدم استقرار الاقتصاد نتيجة لسرعة انتقال الأموال  بسبب العولمة، فالعمليات البنكية قد تضفي الشرعية على أموال تم الحصول عليها من تجارة غير مشروعة للمخدرات في بلد من البلدان، بتحويلها إلى حساب بنكي في بلد آخر و تصرف فيه كأنها أموال مشروعة؛

و الاتجار في المخدرات يؤدي كذلك إلى التوزيع غير العادل للثروة، حيث توزع ثروات بدون عمل أو مجهود و ليس لها مقابل في الاقتصاديات الوطنية؛
الاتجار في المخدرات يهدد الشفافية الاقتصادية و يقضي على روح المنافسة المشروعة؛
الاتجار يؤدي إلى إنفاق أموال كثيرة لمحاربته، حيث تنفق أموال كثيرة من أجل محاربة هده الظاهرة و ترصد ميزانيات ضخمة للحد منها؛
و بالإضافة إلى دلك، فالاتجار في المخدرات قد يضر بالاستقرار الأمني و السياسي ، و في كثير من البلدان تم استعمال الأموال المتحصلة من تجارة المخدرات لتمويل انقلابات عسكرية، أو في تزوير الانتخابات، أو القيام بعملية النجسس و العمليات الاستخبارية و أحيانا تخريبية غايتها الأضرار بالبنية السياسية و الاقتصادية أو الاجتماعية في بلد من البلدان؛
لدلك فإن التشريعات المعاصرة تمضي الآن نحو تجريم هدا النوع من الأفعال باعتباره جريمة اقتصادية تهدد الكيان الاقتصادي للدولة.
كما أن المجتمع الدولي يحث الدول على تبني هدا الاتجاه، و يشجع على ابرام معاهدات و عقد اتفاقيات تنص على محاربة هده الظاهرة و وضع حد لأثارها السلبية. و من الاتفاقيات التي تبنت هدا الاتجاه:
•    اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات و المؤثرات العقلية، المعروفة باتفاقية فيينا الصادرة في 20 يناير 1988.
•    الاتفاقية العربية لمكافحة المخدرات المبرمة بتونس سنة 1994.
•    اتفاقية الامم المتحدة المتعلقة بالفساد المالي (الرشوة) لسنة 2003 أيضا مضت في هدا النهج  وقد وقع عليها المغرب.
•    اتفاقية الاسم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية الموقع عليها بتاريخ 12 دجنبر 2000، التي جرمت غسل العائدات الإجرامية بمقتضى المادة السادسة.

كما يدعو المجتمع الدولي كل الدول بالمصادقة على كافة أو أغلب الاتفاقيات الدولية التي تبرم في إطار الأمم المتحدة أو أحيانا تستعمل الدول العظمى الضغط الاقتصادي أو السياسي لإلزام دول أخرى على المصادقة، مما يعني ضرورة تدخل المشرع الجنائي من أجل حماية الاقتصاد الوطني.
لكن ما هي حدود هدا التدخل، هل تقتضي المصلحة التوسع في التجريم و الاعتماد على الحماية الجنائية كاختيار استراتيجي لدعم الاقتصاد الوطني و تنقيته من الجرائم الني تهدد كيانه؟ أم يكون من الأفيد قصر الحماية الجنائية على أدنى مستوى؟
إن الأسلوب المتبع حاليا يفيد أن المشرع المغربي يجعل التجريم أهم سلاح له في معركة تطهير و تقويم الاقتصاد الوطني. ولا يكاد يخلو نص من النصوص المنظمة لمجال التجارة أو الاقتصاد أو المال و الأعمال من مقتضيات زجرية تعاقب المخالفات المرتبطة بالقطاع، و هدا الرهان على سلاح التجريم يستدعي وقفة تأمل و تفكير من جميع المهتمين بالشأن التشريعي، لمعرفة مدى نجاح هدا التوجه في إصلاح الاقتصاد و تقويته، أو أنه عكس دلك أدى إلى تخوف المشرع  و إحجامه عن التنصيص على محاربة تجارة المخدرات باعتبارها جريمة اقتصادية، وخشية تعرضه لمقتضيات زجرية لم يهيأ لاستقبالها لتهيئ الكافي.
و إدا كان اختيار المشرع لسياسة التجريم في المجال الاقتصادي و المالي يستدعي التفكر و التدبر، فإن القضاء الزجري و خلفه باقي أجهزة العدالة الجنائية مطالبة ببدل مزيد من الجهد قصد التعرف على الأسباب الحقيقية للركود الاقتصادي بمختلف مظاهره، بغية إيجاد الحلول الملائمة لها، حتى يصبح للقضاء الوطني دورا فاعلا في الاقتصاد، و يتمكن من وضع حد لبعض المظاهر السلبية.



   One Comment


  1. 4mp4.net
      21 March, 2010

    مدونتك اكثر من رائعة .. اعدك بالزيارة الدائمة انشاء الله .. بالتوفيق .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *