المقاربة المعرفية للإستعارة

المقاربة المعرفية للاستعارة – الفصل الثاني:
مدخل :
نتناول في هذا الفصل الكيفية التي تمت بها مقاربة الاستعارة معرفيا.لذلك سنتطرق أولا، للتعريف بالعلم المعرفي ، و كيف قامت النظريات الدلالية المتبنية لهذا العلم بمقاربته. وهي مقاربات اختزلت في طرحين أساسين : الطرح الموضوعي ذي الجذور الأرسطية  والطرح التجريبي.
ننتقل بعد ذلك إلى بسط نظري للكيفية التي قارب  بها   كل  طرح  الاستعارة. ويتعلق  الأمر  بمقاربتين : الأولى  تتبنى  الطرح الموضوعي و يمثلها  ريتشاردز من خلال كتابه “فلسفة البلاغة-“و الثانية تتبنى الطرح التجريبي ، و يمثلها لايكوف وجونسون من خلال كتابهما “الاستعارات التي نحيا بها” .
و نقدم في الأخير خلاصة للكيفية التي تمت بها مقاربة الاستعارة معرفيا وأهم إضافاتها.

I/ التعريف بالعلم المعرفي:
يعرف  عبد الإله  سليم  العلم  المعرفي  أو علم النفس  المعرفي  Cognitive psychology بأنه “علم معاصر يبحث في إشكالات قديمة بتصورات ووسائل حديثة ، إنه علم يبحث في كيفية امتلاك الذهن المعرفة، و كيفية تطويرها ، و يبحث في علاقة المحيط بالاكتساب ، و في كيفية احتفاظ الذاكرة بالمعلومة و استعمالها عند الحاجة ، إلى غير ذلك من المباحث الذهنية”.

تلخص اللسانيات التوليدية ، من خلال برنامج عملها المباحث السابقة على شكل أسئلة نوجزها في ما يلي  :
_ما نظام المعرفة التي تقوم عليه اللغة ؟
_كيف نشأ نظام المعرفة هذا في العقل / الدماغ ؟
_كيف تستعمل هذه المعرفة في الكلام /أو في الأنظمة الثانوية مثل الكتابة/ ؟

و قد تبنت عدة نظريات دلالية البعد  المعرفي البشري في بناء نماذجها .إلا أن مصطلح البعد المعرفي ظل ملتبسا .فقد  نعني  به أي شيء له علاقة بالبشر، إلا أن استقراء النظريات الدلالية يظهر أن البعد المعرفي قد يقارب موضوعيا و قد يقارب تجريبيا.

المعرفة في الطرح الموضوعي*** :
يفترض الطرح الموضوعي أن الجانب المعرفي عند الإنسان هو ذاك العنصر الذهني باعتباره القاسم المشترك بين البشر. إنه طرح ينظر إلى الفكر البشري باعتباره فكرا محايدا و من ثم يرى إلى المعنى انطلاقا من نظرية توافقية تضم الرموز إلى الأشياء الخارجية.

المعرفة في الطرح التجريبي :
ينظر هذا الطرح إلى الفكر البشري باعتباره يقتضي بشكل جوهري نوع التجربة المبنينة التي تنتج عن كون البشر يملكون أجسادا ، و لهم  قدرات حسية حركية فطرية … إنه طرح يربط المعنى، بالأساس ،بإسقاط  خيالي (imaginative projection ) يستعمل آليات مثل المقولة و الاستعارة و الكناية ، تتيح أن ينتقل البشر مما يقومون بتجربته بكيفية مبنينة إلى نماذج معرفية مجردة.و من ثم فهو يشترط عددا قليلا من السيرورات المعرفية العامة.
المقاربة اللسانية للاستعارة
المقاربة اللسانية للاستعارة

_______________
–  سليم عبد الإله “بنيات المشابهة في اللغة العربية-مقاربة معرفية” ص8 –ط1-2001 دار توبقال البيضاء
– تشومسكي نعوم”اللغة و مشكلات المعرفة”ترجمة : حمزة بن قبلان  المريني ص 15 –  ط1 -1990  البيضاء.
*** تجدر الإشارة إلى أن الطرح الموضوعي قديم عرفه الفكر البشري منذ أرسطو و يقوم على عدة ثوابت منها :
•    العالم الخارجي عبارة عن موضوعات ذات خصائص مميزة مستقلة عن الكائن البشري و ذهنه عن باقي الكائنات.
•    المعرفة التي نحصل عليها بخصوص الموضوعات ناتجة عن احتكاكنا بها ، فالصخرة صلبة لأننا ندرك ذلك لحظة لمسها ، وهي مستقلة لأننا ندرك ذلك عند تحريكها.
•    يدخل هذا الموضوع ضمن هذه المقولة أو تلك إذا اشترك مع باقي موضوعاتها في السمات المخصصة.
•    هناك تطابق بين الرموز التي يستعملها الإنسان و عناصر العالم الخارجي، وبالتالي فالرموز تكون ثابتة  ومطابقة للواقع .



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *