المقاربة الجمالية للإستعارة

المقاربة الجمالية للاستعارة – الفصل الأول:
مدخل :
حظيت الاستعارة باهتمام خاص في المقاربة الجمالية، التي تعنى بالإبداع الفني،وهدفها صياغة قوانين عامة تمثل ما يطرد من أساليب وصور تتضافر لتمنح النص الأدبي جمالية وخصوصية ، وبما أن الشعر كان أهم فنون الإبداع الأدبي فقد حظيت الوجوه البلاغية المكونة له بعناية خاصة درسا وتحليلا، ولعل الاستعارة تكون أبرز الوجوه البلاغية التي اهتمت بها المقاربات الجمالية. ومن أجل الوقوف على الكيفية التي تمت بها مقاربة الاستعارة جماليا، سنتطرق في هذا الفصل لعرض التصور البلاغي العربي القديم للاستعارة.

وذلك من خلال استحضار محطة حاسمة في تاريخ البلاغة العربية يمثلها عبد القاهر الجرجاني صاحب “أسرار البلاغة” و”دلائل الإعجاز” وننتقل بعد ذلك لعرض التصور العربي الحديث للاستعارة الذي نشأ من خلال استفادة عدد من النقاد العرب من منجزات الدرس البلاغي الحديث في الغرب.ونختم الفصل بخلاصة تركيبية لأهم مرتكزات التصور الجمالي وبعض من جوانب قصوره .

I- الاستعارة في التصور البلاغي القديم :
1- التخييل
قبل عرض تصور الجرجاني للاستعارة، لابد من الوقوف عند مفهومه للتخييل، باعتباره مدخلا أساسيا في فهم نظرته للاستعارة، أكد الجرجاني وجوب حصول فهم الجمهور للمعاني الشعرية، وهو أمر لا يتحقق إلا إذا ابتعد الشاعر عن الغلو والإغراق واقترب أكثر مما يسميه الجاحظ بالفهم والإفهام . وقد أطلق الجرجاني على الغلو والإغراق مصطلح ” التخييل”. يقول في أسرار البلاغة  “وجملة الحديث الذي أريده بالتخييل ههنا ما يثبت فيه الشاعر أمرا هو غير ثابت أصلا، ويدعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها ويقول قولا يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى “.

إن التخييل حسب الجرجاني إدعاء ما هو غير موجود وما غير ثابت. يجد هذا التصور مسوغا له في انطلاق جل النقاد القدامى من ربط الشعر بما هو متعارف عليه وما هو ثابت منذ الشعر الجاهلي باعتباره النموذج الأعلى للإبداع.

2- تعريف الاستعارة :
يعرف الجرجاني الاستعارة بقوله :” اعلم أن الاستعارة في الجملة أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروفا تدل الشواهد على أنه اختص به حيث وضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل وينقله إليه نقلا غير لازم، فيكون هناك العارية” . ينبني هذا التعريف على اعتبار الاستعارة نقلا للفظ من وضعه الاصطلاحي المتواضع عليه إلى وضع آخر غير أن هذا الوضع الجديد لا يكون لازما له، بل إنه وضع مؤقت تستوجبه طبيعة استعماله في الشعر، الاستعارة بحسب هذا التعريف فعل مقصود لأن الشاعر يستعمله غير أن الجرجاني لا يقصر استعمال الاستعارة على الشاعر بل إنه يوسع من دائرة استعمالها لتشمل ” غير الشعراء” أيضا.وهو ما يوحي بأن الجرجاني لا يقصر الإستعارة على الخطاب الإبداعي بل يوسع من دائرتها لتشمل الخطابات الأخرى ولو أنه لا يحدد هذه الخطابات. يشبه الجرجاني الاستعارة بالعارية التي تعني” أن يستعير بعض الناس من بعض شيئا من الأشياء ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة ما يقتضي استعارة أحدهما من الآخر شيئا ” .
تقوم العلاقة بين الاستعارة والعارية على أساس وجود شبه في التصور بينهما :” فإذا كانت العارية لا تعار إلا في إطار تقارب بين شخصين فإن هذا التقارب وارد في الاستعارة التي تقتضي بدورها وجود علاقة بين طرفيها ”   وقد قصر أغلب النقاد القدامى ، ومنهم الجرجاني، هذه العلاقة على المشابهة .

3- أنواع الاستعارة:
يقسم الجرجاني الاستعارة إلى نوعين: استعارة غير مفيدة واستعارة مفيدة.
أ- الاستعارة غير المفيدة :
يعرفها بأنها ” ما لا يكون لنقله فائدة ” . ويرى الجرجاني بأن هذا النوع من الاستعارة لا يتردد بكثرة فهو ” قصير الباع قليل الاتساع”  .ويقوم هذا النوع من الاستعارة على أساس نقل معنى إلى معنى آخر بهدف ” التوسع في أوضاع اللغة والتنوق في مراعاة دقائق في الفروق في المعاني المدلول عليها”  ويمثل الجرجاني لهذه الاستعارة بقول الشاعر :
فبتنا جلوسا  لدى مهرنا   ننزع من شفتيه الصفارا
استعمل الشاعر الشفة للفرس وهي موضوعة أصلا للإنسان.يرى الجرجاني أن هذه الاستعارة لا تضيف جديدا للمعنى” فلا فرق من جهة

المعنى بين قوله: من شفتيه وقوله : من جحفلتيه لو قاله إنما يعطيك كلا الإسمين العضو المعلوم فحسب”  بل إنه يذهب إلى أن هذه الاستعارة قد تنقص جزءا من الفائدة التي على الشاعر توخيها. لذلك يخرج الجرجاني الاستعارة غير المفيدة من دائرة الاستعارة مقتصرا على النوع الثاني: الاستعارة المفيدة ، يقول :”اعلم أن الاستعارة في الحقيقة هي هذا الضرب دون الأول وهي أمد ميدانا وأشد افتتانا وأكثر جريانا وأعجب حسنا وإحسانا وأوسع سعة وأبعد غورا ” .

ب- الاستعارة المفيدة :
يعرفها الجرجاني بأنها ما ” يكون له فائدة”   إذ يؤدي نقلها عن وضعها الأصلي إلى وضع آخر إلى إضافة في المعنى لم تكن لتحصل دون نقلها. يحصر الجرجاني هذه الفائدة في المشابهة قائلا: “وأما المفيد فقد بان لك باستعارته فائدة ومعنى من المعاني وغرض من الأغراض, لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل لك وجملة تلك الفائدة وذلك الغرض التشبيه ” .

يقدم الجرجاني  المثالين التاليين عن الاستعارة المفيدة :
1-رأيت أسدا
2-صافحت بحرا
في المثال الأول تمت استعارة اسم الأسد للرجل ، ليفيد معنى جديد لم يكن ليحصل لولا هذه الاستعارة وهو ” المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة”   لكن هذه المبالغة لا تتم خارج التأثير في المتلقي الذي تقع في نفسه” صورة الأسد في بطشه وإقدامه وبأسه وشدته ” .
أما المثال الثاني ، فقد استعير فيها اسم البحر للرجل لإفادة كرمه وجوده.

خلاصة:
انطلاقا من عرض تصور عبد القاهر الجرجاني للإستعارة من خلال كتابه “أسرار البلاغة ” يمكن أن نخلص إلى ما يلي :
•    الاستعارة عملية لغوية.
•    الاستعارة عملية نقل بالأساس.
•    الاستعارة لا تخص الاستعمال الأدبي ( الشعري)فقط بل يمكن أن تستعمل في خطابات غير أدبية.
•    العلاقة بين طرفي الاستعارة علاقة مشابهة.

– تتحدد الاستعارة بدرجة الفائدة التي تضيفها لذلك يقصي الجرجاني الاستعارة غير المفيدة من دائرة اهتمامه.
إلى جانب هذه الإشارات الدالة في تصور الجرجاني هناك نقطة أساسية التفت إليها في حديثه عن الاستعارة حين اعتبرها مسألة مشتركة بين جميع الأجيال وفي جميع اللغات، بل إنه اعتبرها مسألة تتقاسمها مختلف الأذهان ويدل على ذلك قوله :” فقولك رأيت أسدا، تريد وصف رجل الشجاعة وتشبيهه بالأسد على المبالغة – أمر يستوي فيه العربي والعجمي وتجده في كل جيل ، وتسمعه من كل قبيل، كما أن قولنا زيد كالأسد ، على التصريح بالتشبيه كذلك فلا يمكن أن يدعى أننا إذا استعملنا هذا النحو من الاستعارة فقد عمدنا إلى طريقة في المعقولات لا يعرفها غير العرب أو لم تتفق لمن سواهم ” .

تقدم لنا هذه القولة إشارة مهمة تتمثل في انتباه الجرجاني إلى أن الاستعارة عملية مشتركة بين جميع اللغات لأنها تعكس حضورها في البنية الذهنية للإنسان. تدل هذه الالتفاتة على تجاوز النظرة الضيقة التي صدر عنها الجرجاني في مقاربته للاستعارة ، من خلال حصرها في اللغة الشعرية وتقسيمها إلى مفيدة وغير مفيدة، غير أن عدم تطوير الجرجاني لهذه الإشارة كان له دور في جعلها تبدو ثانوية لتترك المجال لسيادة التصور الجمالي .

الإستعارة من النقل إلى الإدعاء :
يعد الانتقال من “أسرار البلاغة” إلى “دلائل الإعجاز” انتقالا في تصور الاستعارة من النقل إلى الادعاء، إذ انتقل الجرجاني ” من النظر إلى الاستعارة باعتبارها عملية نقلية تفصح عن إمكان انتقال اللغة من الأصل إلى الفرع، إلى النظر إليها باعتبارها عملية إدعائية ” . إلا أن ما ينبغي توضيحه هنا، أن الجرجاني قد انتقل من النقل إلى الادعاء داخل كتاب ” الدلائل ” نفسه، إذ حافظ الجرجاني في بداية كتاب الدلائل على تصوره للاستعارة كنقل ويدل على ذلك قوله في تعريف الاستعارة : أن تريد تشبيه الشيء بالشيء فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره وتجيء إلى اسم المشبه به ، فتعيره المشبه، وتجريه عليه. تريد أن تقول: رأيت رجلا هو كالأسد في شجاعته وتقول بطشه سواء، فتدع ذلك وتقول : رأيت أسدا ” .

تظهر هذه القولة كيف أن تصور الاستعارة باعتبارها عملية نقلية لم يقتصر على كتاب “الأسرار ” بل استمر حتى في “دلائل الإعجاز” ، غير أن الجرجاني سيتجاوز هذا التصور عندما سيعرف الاستعارة قائلا: ” الاستعارة إنما هي إدعاء معنى الاسم للشيء ، لا نقل الاسم عن الشيء” . يستدرك الجرجاني بعبارته هذه مفهومه عن الاستعارة. كما أنه لا يكتفي بذلك بل إنه يفسر سبب عدوله عن فكرة النقل قائلا :” وإذا ثبت أنها ادعاء معنى الاسم للشيء علمت أن الذي قالوه من أنها تعليق للعبارة على غير ما وضعت له في اللغة ونقل لها عما وضعت له ،كلام قد تسامحوا فيه لأنه إذا كانت الاستعارة إدعاء معنى الاسم لم يكن الاسم مزالا عما وضع له مقرا عليه ” .

لم تعد الاستعارة ، إذن ، عملية نقل لمعنى من طرف مالكه إلى طرف آخر هو مستعيره بواسطة علاقة ما( المشابهة مثلا ) ، بل إنها عكس ذلك إدعاء المعنى لمعنى آخر، لا تزيل عن المعنى الأول اللفظ الدال عنه ، لان إطلاق معنى لفظ معين على معنى لفظ آخر لا يتحقق إلا عندما يدخل المعنى الأول في جنس المعنى الثاني، ويدعى أنه هو نفسه ومن أجل التدليل على مفهومه الجديد للاستعارة مثل الجرجاني لذلك بمثاله الشهير:
1-رأيت أسدا .
إن إطلاق لفظ ” الأسد” على ” الرجل” لا يتم إلا بعد إدخال الرجل في جنس الأسود، ومن ثم تكون الاستعارة هنا ادعاء لا نقلا .

خلاصة :
يحمل تصور “الاستعارة ادعاء” إمكانية هامة لتحليل الاستعارة بالنظر أولا إلى التداخل بين المجالات التصورية التي تبنين حياة البشر. إن إدماج مجال تصوري معين ( الإنسان) داخل مجال تصوري مغاير ( الحيوان) عن طريق الادعاء يفتح مجالا واسعا للتغيير النظرة إلى الاستعارة بجعلها تتجاوز ما هو لغوي لترتبط أكثر بما يمتح من طبيعة العالم الذي نعيش فيه وكيفية تفاعلنا معه. ولعل هذا ما لاحظه عبدالإله سليم حينما رأى أن مفهوم الإدعاء عند الجرجاني يحمل كثيرا من الإمكانات التي لم يستطع المشتغلون بالاستعارة قديما استثمارها .
تركيب :
نستخلص من عرضنا للتصور البلاغي العربي القديم للاستعارة كيف أنه تصور يربط بين الاستعارة والحاجة إلى الفهم والإفهام والابتعاد عن الغلو والإغراق ( التخييل بلغة الجرجاني)، وأن هذا الربط أدى إلى تقسيم الاستعارة إلى أنواع باعتبار عامل الفائدة المؤدي إلى الإفهام والوضوح. وهو ما يفسر اقتصار الجرجاني على الاستعارة المفيدة وإقصاؤه للاستعارة غير المفيدة بالرغم من أنه يصطلح عليها بلفظ ” الاستعارة” .كما أن انتقال الجرجاني من اعتبار الاستعارة عملية نقل في كتابه ” أسرار البلاغة” وفي جزء من كتابه ” دلائل الإعجاز” إلى اعتبارها عملية ادعاء في ما تبقى من كتابه “الدلائل “، لم يخرجه من دائرة المقاربة الجمالية، بالنظر إلى أنه كرس الحديث عن الاستعارة باعتبارها قيمة جمالية الهدف منها التأكيد والتشديد والمبالغة، بالرغم من أنه قد لفت بانتقاله هذا النظر إلى إمكانيات جديدة لم يتم استثمارها من طرف شراحه ومن تبعه من النقاد. ويرجع عدم تطوير الجرجاني ومن خلفه لتلك الإشارات الدالة إلى انحصار دراستهم للاستعارة من على المتن الشعري القديم، وما يفرضه من صور ووجوه بلاغية، تغيا النقاد من خلالها وضع اليد على ما يمنح النص القديم رونقه وجماله ويساهم بالتالي في جعله يتبوأ المكانة التي حظي بها بالمقارنة مع فنون أخرى.
المقاربة اللسانية للاستعارة

 

المقاربة اللسانية للاستعارة

________________________________
– الجرجاني عبد القاهر، أسرار البلاغة ، ص 204-205  تحقيق محمد الفاضلي ، د ط.2003 بيروت
– المرجع نفسه ، ص  : 27.
– ابن الأثير ” المثل السائر” ج1 ، ص 348.
– سليم عبدالإله” بنيات المشابهة في اللغة العربية ” ص 59 ط 1 توبقال البيضاء 2001.
– الجرجاني عبد القاهر” أسرار البلاغة.مصدر مذكور، ص 27 .
– المصدر نفسه ص 27.
– المصدر نفسه ص 27.
– المصدر نفسه ص 28.
– الجرجاني،” أسرار البلاغة” مصدر مذكور ص 36.
– المصدر نفسه ، ص  27.
-المصدر نفسه,ص 29.
– المصدر نفسه ، ص 29 .
– المصدر نفسه ، ص  29.
– الجرجاني،” أسرار البلاغة” مصدر مذكور ، ص  30.
– سليم عبدالإله ” بنيات المشابهة في اللغة العربية” مرجع مذكور.ص  60.
– الجرجاني عبد القاهر ” دلائل الإعجاز ” ص 114 د ط 2002 المكتبة العصرية بيروت.
– الجرجاني عبد القاهر ” دلائل الإعجاز ” ص 114 د ط 2002 المكتبة العصرية بيروت ، ص  405.
– المصدر نفسه ، ص  405.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *