المسؤولية العقدية للمقاول والمقاول من الباطن

مسؤولية المقاول والمقاول من الباطن
الفصل الأول : المسؤولية العقدية للمقاول والمقاول من الباطن
المقاولة عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يضع شيئا أو يؤدي عملا لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر .
فمن خلال هذا التعريف يستشف أن عقد المقاولة ملزم للطرفين وذلك بصناعة شيء أو تأدية عمل ، ولا أريد في هذا البحث التطرق إلى أركان هذا العقد وعناصر صحته وشروط انعقاده، بقد ما أريد التركيز على جانب من هذه العلاقة وهي المسؤولية في عقد المقاولة من حيث مفهوم الإخلال بالالتزام الموجب لهذه المسؤولية والضرر الذي يمكن تعويضه لرب العمل، متطرقة إلى الضمانات التي يلتزم بها المهندس والمقاول والمقاول من الباطن، وطبيعة هذا الضمان وذلك من خلال قانون الالتزامات والعقود المغربي وبعض القانون المقارن  .
لهذا سنركز في هذا الفصل على المسؤولية العقدية للمقاول والمقاول من الباطن قبل التسليم ( المبحث الأول) ثم تحديد هذه المسؤولية بعد التسليم ( المبحث الثاني ) .
المبحث الأول : المسؤولية العقدية للمقاول والمقاول من الباطن قبل
التسليم.
يعتبر المقاول هو الجهاز التنفيذي لمشروع البناء أو لأي مشروع آخر، لذا يتعين عليه أن يبذل كل الإمكانيات الفنية التي يملكها لإبراز تصاميم المهندس المعماري إلى حيز الوجود، وهو يتقيد في ذلك بمجموعة من الضوابط والمعطيات التقنية والقانونية التي تحكم عقود المقاولات بصورة عامة .
من ذلك على الخصوص احترام بنود الصفقة التي أبرمها مع رب العمل وأن يتقيد بالمواعيد والآجال التي يتعين عليه إنجاز الأشغال خلالها ، وكل تأخير في ذلك إلا ويعرضه لتحمل المسؤولية العقدية .
كما أنه يظل مسؤولا تجاه رب العمل حتى من أخطاء مقاوليه من الباطن والذين يمكن أن يتستعين بهم ما لم يشترط عليه في العقد عدم اسناد تنفيذ الأشغال كليا أو جزئيا إلى مقاول من الباطن ، شريطة أن يرجع المقاول الأصلي على المقاول من الباطن بالمصاريف والتعويضات التي نجملها تجاه رب العمل في إطار القواعد العامة للمسؤولية العقدية أو في إطار المسؤولية العشرية .
وباعتبار المقاول الأصلي رجل حرفة فيتوجب عليه احترام الأصول الفنية التي تمليها عليه طرق التنفيذ العصرية قصد إنجاز أشغال سليمة وصالحة للغرض الذي أعدت له بمقتضى العقد الذي يربطه برب العمل، لكي يتحقق كل ذلك يجب عليه أن يحرص على توفير عنصر السلامة داخل الورش الذي يزاوله فيه مهامه.
ولهذا سنتطرق في هذا المبحث إلى أحكام وأسباب المسؤولية العقدية من خلال مطلبين :
المطلب الأول : أسباب المسؤولية العقدية
المطلب الثاني : أحكام المسؤولية العقدية

المطلب الأول : أسباب المسؤولية العقدية .
يمكن حصر أسباب مسؤولية المقاول والمقاول من الباطن العقدية عن إخلالهما بالتزاماتهما العقدية المنصوص عليها في عقد المقاولة في التأخر في التنفيذ (فقرة I) التنفيذ المعيب ( فقرة II) ، ثم عدم تحقق عنصر السلامة داخل الورش ( فقرة III) .

الفقرة الأولى : التأخر في التنفيذ :
يلتزم المقاول بإتمام العمل الموكول إليه في المدة المتفق عليها بالعقد، حتى لو أثبت المقاول أن المدة المحددة لم تكن كافية أصلا لإنجاز العمل إذ أنه مخطئا لقبول الالتزام بإنجاز العمل في هذه المدة غير الكافية .
فإذا لم يكن هناك اتفاق على مدة معينة للانتهاء من العمل، وجب أن يتم العمل في المدة المعقولة التي تسمح بإنجازه .
وهذه المدة يراعى فيها طبيعة العمل ومدى ما يقتضيه من دقة، وإمكانيات المقاول المعروفة لرب العمل، وما جرى عليه عرف الحرفة ، والالتزام بإنجاز العمل في المدة المتفق عليها أو في المدة المعقولة التزام بتحقيق غاية وليس التزاما يبذل عناية، فلا يكفي لأعضاء المقاول من المسؤولية عن القيام بالعمل أو عن التأخر في القيام به أن يثبت انه بذل عناية الشخص المعتاد في إنجاز العمل في الميعاد ولكنه لم يتمكن من ذلك  .
ولا يعفى من المسؤولية إلا إذا أثبت أن التأخير يرجع إلى سبب أجنبي عنه، كقوة قاهرة أو حادث فجائي أو خطأ رب العمل كما لو تأخر رب العمل في تسليم المقاول المواد الواجب استخدامها في العمل، أو كان قد أدخل تعديلات على المواصفات المنصوص عليها في العفة ، أو لم يقم بدفع الأقساط المتفق على دفعها في مواعيدها.
ولا يستحق رب العمل تعويضا عن التأخير في تنفيذ العمل، إلا إذا أثبت حصول ضرر له من جرائه طبقا للقواعد العامة ، ويعفى رب العمل من عبء إثبات الضرر  . إذ كان متفقا في العقد على وجوب دفع تعويض محدد في حالة التأخير ولكن يحق للمقاول في هذه الحالة أن يثبت أنه رغم تأخره في إنجاز العمل فإنه لم يلحق لرب العمل ضرر نتيجة هذا التأخير، أو أن التعويض المتفق عليه مبالغ فيه إلى درجة كبيرة، وعندئذ فلا يستحق رب العمل تعويضا أو يكون من الواجب تخفيض التعويض المتفق عليه .
وأسباب التأخر في التنفيذ كثيرة منها ما يرجع إلى تقصيره الشخصي كاضطرار إلى إعادة النظر في التصاميم المعمارية وتعديلها حتى يكون أقرب إلى إمكانيتها الفنية التي تتوفر عليها ، وفي هذه الحالة قد يشترك معه المهندس المعماري في تحمل جزء من المسؤولية ، إذا كانت مراجعة التصاميم نابعة عن إدارتهما المشتركة  .
وقد يرجع السبب في هذا التأخر إلى المقاول من الباطن الذي يكل له المقاول الأصلي تنفيذ العمل في جملته أو في جزء منه، إذا لم يمنعه من ذلك شرط في العقد أو لم تكن طبيعة العمل تفترض الاعتماد على كفايته الشخصية ( ف.736 ف.ل.ع) .
وعلى ذلك، فإن المقاول الأصلي ، وبالتالي المقاول من الباطن يلتزمان بإنجاز العمل في المدة المتفق عليها أو إنجازه في المدة المعقولة، فإذا ما أخل المقاول من الباطن بذلك جاز للمقاول الأصلي أن يطلب التنفيذ العيني ، كما يستطيع طلب فسخ عقد المقاولة من الباطن ، وله أن يطلب التعويض عن الأضرار التي لحقت به من جراء التأخير في التنفيذ عن الموعد المحدد ، ويمكن استخلاص ذلك من الفصل 739 ق ل ع الذي نص على أن أجير العمل يسأل عن فعل وعن خطأ الأشخاص الذين يحلهم محله في أدائه أو يستخدمهم أو يستعين بهم فيه في نفس الحدود التي يسأل فيها عن فعل أو خطأ نفسه.
وفي بعض الحالات قد ينجم التأخير عن اضطرار المقاول إلى إنجاز الأعمال الإضافية لتكملة المشرع، فإذا قام المقاول بإنجاز هذه الأعمال بطلب من رب العمل فإن هذا التأخير يكون مبررا من الناحية القانونية أما إذا تولى تنفيذ هذه الأشغال من تلقاء نفسه فإن المنطق والعدل يفرضان عليه تعويض رب العمل ، عن الأضرار التي لحقته من جراء هذا التأخير  .
ومن القضايا التي بثت فيها محكمة النقض الفرنسية وهي بصدد الحكم في قضية مغربية القرار الصادر عنها بتاريخ 1939/5/23  . حيث ذهبت إلى رفض طلب رب العمل ( Appolis) ضد مقاولة ( Esnaults) عندما تبين لها أن تأخر المقاول في تسليم البناء لمالكه كان له ما يبرره من الناحية القانونية وهو قيام المقاول بإنجاز أعمال إضافية بموافقة المهندس المعماري الوكيل عن رب العمل ومما جاء في حيثيات هذا القرار ما يلي ”
” إذا كان صحيحا أن الأشغال الإضافية التي أنجزها المقاول لم تكن مشمولة ببنود الاتفاق الذي يربطه برب العمل إلا أنه قد تم إنجازها بإجازة من المهندس المعماري الذي يعتبر بمثابة وكيل عن رب العمل، والحال أنه لم يبدي اعتراضه بخصوصها والاستبعاد طلب التعويض عن التأخر في التنفيذ الذي تقدم به رب العمل ضد المقاول فإن المحكمة ترى بأن هذا التأخر يعود إلى هذه الأشغال الإضافية التي تم إنجازها بترخيص ضمني من المالك”.
ومما نلاحظ على هذا القرار أنه قد كيف عمل المهندس المعماري على أنه من قبيل الوكالة حتى يتسنى له رفض طلب رب العمل بدعوى تقمص المهندس لشخصيات موكله، كل هذا في الوقت الذي يؤكد فيه الاتجاه السائد في الفقه والقضاء بأن عمل المهندس المعماري يندرج ضمن الإجارة على الصنع ، وبالتالي فإن إعلام رب العمل بالأشغال الإضافية التي قام المقاول بإنجازها أمر ضروري مما تستلزمه مقتضيات المنطق والعدالة ، وهذا يعني أن المقاولة والمهندس المعماري يتحملان الجزء الأكبر من المسؤولية عن هذا التأخير الذي حصل بسبب الأشغال التي قام المقاول بإضافتها دون علم من رب العمل .
والإخلال بالالتزام العقدي لا يتحقق إذا لم يكن الموعد المحدد لتنفيذه قد حل، ولكن تنفيذ العقود يجب أن تتم بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية الفصل 263 ق ل ع )، وحسن النية يوجب على المقاول أن يبدأ في تنفيذ العمل في وقت يسمح له بالانتهاء منه في الموعد المحدد لذلك ، فإذا تأخر في البدء العمل  أو تراخي في تنفيذه تراخيا لا يرجى معه إطلاقا بالنظر إلى طبيعة العمل، وإلى إمكانية المقاول أن ينتهي التنفيذ في الموعد المحدد لذلك فإن هذا المسلك من جانب المقاول يعتبر جحودا لعقدة، ويتضمن الإخلال بواجب مراعاة حسن النية في تنفيذه لالتزامه بحيث يستأهل الجزاء المقرر للإخلال بالعقود، فيحق لرب العمل أن يطلب فسخ العقد وتعويض ما أصابه من أضرار، ولو أن الموعد الانتهاء من العمل لم ينتهي بعد  .
وقد ذهبت محكمة استئناف الرباط في القرار الصادر عنها بتاريخ 1924/7/29 إلى مساءلة المقاول بسبب أشغال البناء قبل الانتهاء منها ومما جاء في هذا القرار ما يلي  :
” وحيث أن المقاولين الذين أهملوا أشغال البناء قبل الانتهاء منه هم الذين يتحملون وحدهم نتيجة الإهمال بصورة شخصية وأنه أمام عدم وجود أي اتفاق صريح بين الأطراف فإنه لا يحق لقضاة الدرجة الأولى تحميل المهندس المعماري جزءا من المسؤولية مع المقاول عن طريق التضامن … “.
ولئن كان هذا الاتجاه في التفسير الذي سلكته المحكمة يبدو منطقيا باعتبار أن مغادرة وإهمال المقاول للورش يعد في حد ذاته خطأ شخصيا يسأل عنه لوحده إلا أن العدالة تفرض أنصاف الطرف المتضرر من هذا التصرف الذي أقبل عليه المقاول، ولن يتحقق ذلك إلا بفتح أكبر عدد ممكن من الطرق القانونية أمام رب العمل للمطالبة بالتعويض ، ومنها على الخصوص متابعة المهندس المعماري في حالة تعذر استيفاء التعويض من المقاول كثبوت إفلاس هذا الأخير أو مغادرته للتراب الوطني، وأساس هذه المتابعة في نظرنا هو وحدة العمل المشترك الذي يهدف إلى تحقيقه كل من المقاول والمهندس المعماري .
وأكبر دليل على ذلك أن المهندس المعماري لا يتأثر في ابتاعه، بسبب إهمال المقاول لأشغال الورش، فهو يظل محقا في طلبها وأن توقف العمل بسبب مغادرة المقاول لأعمال الورش. وهذا ما أقرته المحكمة الابتدائية في قرارها الصادر بتاريخ فاتح ماي 1933.
ونحن نساند هذا الاتجاه لكونه يتوافق مع الأعراف المهنية ومبادئ الإنصاف .
__________________
– مجلة الملحق القضائي ع 20 فبراير 1998 ص 16.
– OURZIK (A) «  la pratique des marchés publics au Maroc revue des affaires administratives N° 5- 1986 p 24.
2-مشار إليه في أطروحة عبد القادر العرعاري : المسؤولية العقدية للمقاول والمهندس المعماري : ط 1991 ص : 105.
– راجع مجلة الملحق القضائي م س ص : 16.
– محمد عزمي البكري : العقود المدنية الصغيرة : م 3 عقد المقاولة : ط 2004 ص 115.
– محمد لبيب تشبت : شرح أحكام عقد المقاولة في ضوء الفقه والقضاء ط 2004 ص 121.
– ويتعليق الأمر باضطرار المقاول والمهندس المعماري إلى مراجعة التصاميم المعمارية وتعديلها مما سبب تأخرا في إنجاز الأشغال التي تعهد بها :
– عبد القادر العرعاري : م س، ص 107.
-رأفت محمد أحمد حماد : المسؤولية المدنية لمقاول البناء من الباطن في القانون المدني في ط : 1995 ص 62.
– التأخير في التنفيذ يستوجب المسؤولية من غير إلزام رب العمل بإثبات خطأ المقاول أو المقاولة ما لم يتبين من الوقائع أن سبب التأخر كأن يرجع إلى العامل أجنبي كالقوة القاهرة .
–  cour de cassation (23/5/1939 ) ( G.T.N) N° 834 – 1939. p : 831.
– محمد لبيب شنب : م س ص 122 ص 123.
– فتيحة قرة ، م س ، ص 126 .
–  (R.A.C.A.R)  T.III p : 41.   (C.A.R) ( 29/7/1924
ونظرا لأن الإهمال  تسبب في الحاق أضرار أخرى لرب العمل مصدرها تهاون المهندس المعماري في مراقبة المقاولة والإشراف عليها، فإن المحكمة أذانت من جهة أخرى المهندس المعماري بسبب تقصيره في القيام بواجباته المهنية تجاه زبونة ولكن على أساس آخر مشار إليه  في : أطروحة عبد القادر العرعاري : م س ص 112.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *