الاستعارة و العلم المعرفي

2) الاستعارة و العلم المعرفي:
رأينا كيف أن المنظور الاستبدالي يقوم على اعتبار الاستعارة عملية معجمية  يتم بمقتضاها الانتقال من معنى حرفي إلى معنى مجازي بواسطة مسوغ المشابهة  والغاية من الاستعارة في التصور الاستبدالي جمالية أو أسلوبية.

انطلق ريتشاردز وبلاك من نقد التصور السابق ، من أجل بناء نظرية تفاعلية ترى أن الاستعارة ليست مسألة لغوية ، بل إنها نتاج لتفاعل فكرين نشيطين.

1- الطــرح الموضوعي :
أ – تصور بـلاك:
فرع بلاك عن المنظور الاستبدالي منظورا آخر أطلق عليه اسم منظور المقارنة. فإذا كان المنظور الاستبدالي يرى أن الاستعارة مشتقة من بنية حرفية ، فإن المنظور الجديد يرى أنها مشتقة من بنية تشبيهية ترد فيها أداة التشبيه مثلا :
/1/ زيد أسد.
البنية /1/ مشتقة من /2/في المنظور الاستبدالي في حين أنها مشتقة من /3/ في نظرية المقارنة.
/2/ زيد شجاع
/3/ زيد كالأسد.
يعزل كل من المنظور الاستبدالي و نظرية المقارنة الاستعارة عن سياقها التركيبي و يضعان حدودا فاصلة بين طرفي الاستعارة حيث يحافظ كل منهما على خصائصه ،و يتم استبدالهما ببعضهما عند الحاجة التجميلية أو التوضيحية.و لتجاوز هذا التقصير التركيبي اقترح بلاك التمييز بين الكلمة الاستعارية(Focus) التي أطلق عليها اسم البؤرة – و باقي الجملة الذي أطلق عليه اسم الإطار (Frame ) . “تفقد البؤرة بعض خصائصها و تضاف إليها خصائص أخرى بفعل تفاعلها مع الإطار الذي لا يسلم بدوره من عملية الفقد و الإضافة هاته . إن الأسد في /1/ يفقد بعض خصائصه، و تضاف إليه أخرى ،وزيدا كذلك،حيث يمكنك رؤية سمات بشرية في الأسد و أخرى حيوانية في زيد بفعل التفاعل” .

ب/ تصور ريتشاردز :
جاء تصور ريتشاردز للاستعارة من خلال كتابه : ” فلسفة البلاغة” و يرتكز الباحث فيه على فكرتين أساسيتين :
1/ نقد ما يطلق عليه –خرافة المعنى الخاص – مفاد هذا الاعتقاد أن لكل كلمة، مستقلة عن سياقاتها، معنى وحيد و خاص.و قد رفض ريتشاردز حصر الكلمات في إطار معنى وحيد ومقنن و دعا في مقابل ذلك إلى فتح مجال تعدد المعاني  واختلافاتها و ربطها بسياقاتها و استعمالاتها المتعددة.
2/ القول بتفاعل اللغة و الفكر : يرفض ريتشاردز كل فصل بين اللغة و الفكر و يعتقد بتفاعل الطرفين احدهما مع الآخر في خلق صورة فنية معينة.

لاحظ ريتشاردز أن النظرية التقليدية تتحدث عن أنماط قليلة من الاستعارة  وتحصر المصطلح ببعض هذه الأنماط، و لذلك تجعل الاستعارة مسألة لفظية ، أي مسألة تحويل أو استبدال الكلمات في حين أنها في الأساس كما يرى ريتشاردز –استعارات و علاقات بين الأفكار .إن الاستعارة استنادا إلى مبدأ التفاعل ، تعد مسألة طبيعية في اللغة و في التفكير الإنساني . و من ثم يكون السؤال حول الكيفية التي تعمل بها اللغة سؤالا حول كيفية عمل الفكر و الشعور و كل أنماط النشاط الذهني.  ولعل ملاحظة العلاقة الجدلية بين الفكر و اللغة هي التي دعت ريتشاردز إلى اعتبار الاستعارة “ملكة نحيا بها”.

تعريف ريتشاردز للاستعارة :
يعرف ريتشاردز الاستعارة بكونها جمعا لفكرتين مختلفتين تعملان معا  وتسندان إلى كلمة واحدة أو عبارة واحدة يكون حاصل معناها ناتجا عن تفاعل interaction  هاتين الفكرتين :
الاستعارة و مبدأ التفاعل :
إذا كانت الاستعارة نتاجا لتفاعل معنيين مختلفين فان هذا التفاعل لا يبدأ إلا بملاحظة السمات المشتركة بين الفكرين النشيطين ، ثم يتم الانتقال إلى وحدة تشملهما معا ناتجة عن التفاعل لا النقل. لا تعني الوحدة الناتجة عن التفاعل عملية إضافة بسيطة للطرفين إلى بعضهما، و من ثم تكون الاستعارة عملية ذهنية يؤخذ فيها بعين الاعتبار المؤتلف و المختلف ليشكل الكل وحدة كما يبين الشكل التالي  :
الشكــــل 1: المنظور التفاعلي للاستعارة
المنظور التفاعلي للإستعارة
إن الفكرة الناتجة عن التفاعل ليست حاصل عملية إضافة (أ)إلى(ب) بل هي مولدة و جديدة، نستطيع بواسطتها إدراك الشيء غير المعتاد في طرفي الاستعارة عن طريق شي آخر نعرفه و نتمكن،كذلك، من النظر إلى المعتاد نفسه نظرة  جديدة  ولعل هذا ما يفسر اعتبار ريتشاردز الاستعارة أسمى المظاهر البلاغية و أقدرها على ضم عدد من التجارب و السياقات المتعددة بطريقة لا تتضافر بنفس الثراء في أنماط بلاغية أخرى.

تفاعل الحامل و المحمول :
يطلق ريتشاردز على طرفي الاستعارة اسمي الحامل و المحمول و يعدهما من بين الخطوات المهمة في التحليل و في تكوين علم واضح للاستعارة يقول : “الخطوة الأولى أن نضع مصطلحين نستطيع بهما التمييز بين ما سماه الدكتور جونسون الفكرتين اللتين تعطينا إياهما الاستعارة بأبسط إشكالها .دعونا نسمهما الحامل و المحمول Tenor and vehicle”  يوازن ريتشاردز بين الطرفين و لا يفضل أحدهما على حساب الآخر، و إنما يعدهما من خلال نظرية التفاعل شكلين متضافرين في إطار توصيل معنى محدد. و يدعو ريتشاردز إلى إعطاء الأهمية لكل الطرفين مادام كل واحد منهما يشكل فكرة قائمة بذاتها.

يقول: ” إن الحامل ليس مجرد زخرف للمحمول، و ما كان له أن يتغير بواسطته،  وإنما تعاون كل من المحمول والحامل يعطي معنى ذا قوى متعددة و لا يمكن أن ينسب إلى أي منهما منفصلين” .

أورد ريتشاردز أمثلة عدة لتحليل العلاقة بين الحامل و المحمول و كيف لا يكون الأول مجرد زخرف للثاني و إن كانت العلاقة التي تجمعهما علاقة متباعدة   ومختلفة .من بين هذه الأمثلة أبيات لدنهام Denham يصف فيها نهر التايمز Thames. .
أوه! هل لي أن أتدفق مثلك ، وأن أجعل مجراك
مثلي الأعلى، كما هو موضوع شعري
و مع أنك عميق فأنت صاف، و مع أنك رقيق فلست بكليل أو فاتر
فأنت قوي بلا غضب، و مملوء بلا تدفق.
يمكن القول إن تدفق ذهن الشاعر هو المحمول (المشبه /المستعار له )و النهر هو الحامل (المشبه به المستعار).

“فالعبارة( و مع أنك عميق فأنت صاف ) وصف حقيقي للحامل الذي هو النهر و هو بشكل ثانوي وصف مجازي للذهن، و في قوله (و مع أنك رقيق فلست بكليل أو فاتر) نجد أن لفظة (رقيق) وصف حرفي للذهن أي للمحمول، و مع ذلك فهو وصف استعاري للنهر”.يشير هذا التحليل إلى مفهوم القرن الثامن عشر لهذا النوع من المقارنة التي تقدمها الاستعارة و تشير فيه إلى عناصر التشابه المجتمعة .يرى ريتشاردز أن هذا المفهوم لا يمكن أن يفسر لنا حقيقة كيف تعمل هذه الأبيات. لذلك يمضي ريتشاردز في دراسة معاني الألفاظ (عميق-صاف-رقيق-قوي-مملوء) وإيحاءاتها باعتبارها أو صافا للمجرى و الذهن.وجد الباحث بعد ذلك “أن التشابهات بين المحمول والحامل لا قيمة لها في تفسير النص.و أن النهر(الحامل)إنما جيء به لمجرد أن يكون وسيلة لوصف الدهن بما لا يمكن أن يوصف  النهر به” . و يستدل على ذلك بلفظة (عميق).

إن ما توحي به هذه اللفظة مما هو مناسب للنهر شيء كهذا (ليس سهلا عبوره) أو(خطر) أو( صالح للملاحة )و (ربما مناسب للسباحة), بالنسبة للذهن فان اللفظة توحي بالاتي (غامض) أو( مستمر، متدفق) أو( غزير المعرفة  وقوي) أو( يصعب على التفسير)  أو( تحكم تصرفه أسباب جادة و مهمة). يخلص الباحث إلى أن ما تقوله الأبيات في وصف الذهن لا ينطبق على النهر.

“على أن النهر مع ذلك ليس حجة أو سببا أو مجرد زخرفة أو زركشة ،إذ أن الحامل ما زال يتحكم في النمط أو الأسلوب الذي يتشكل  به المحمول، و يبدو هذا واضحا لو استبدلنا مثلا كوب الشاي بالنهر” .

شكل تحليل ريتشاردز لطرفي الاستعارة مدخلا للتأكيد على أن العلاقة بين طرفي الاستعارة ليست منحصرة في العلاقة التقليدية المألوفة لدى جل البلاغيين  والمتمثلة في علاقة المشابهة Resemblance .إنه يناقش العلاقات المفترضة بين طرفي الاستعارة و لا يراهن على علاقة وحيدة خاصة أن مفهوم الاستعارة لديه ينفتح على تعدد المعاني و يأخذ بعين الاعتبار  الجوانب السياقية و الشعورية المكونة للقول الاستعاري.

تبعا لذلك ، قد تجمع الطرفين علاقة لا نعرف كيف تعمل و ما وجه الشبه فيها، يكثر ذلك في الاستعارات المتضمنة لمعاني المدح و الهجاء .إننا لو دعونا فتاة بلفظة (بطة) ،فنحن لا نسميها كذلك لأنها تملك رجلا كالمجداف أو تملك منقارا .إذ يعد أساس التشابه في هذه الاستعارة أعقد بكثير من اقترانه بعلاقة المشابهة .إن الفكرة في هذا المثال ترقى إلى استثمار جل العواطف و المشاعر المكونة للصورة . و من ثم تجسد لفظة (البطة) ما نحسه تجاه تلك الفتاة، يقول ريتشاردز :
“إن تفسيرا مبسطا لوجه الشبه في هذه الاستعارة يمكن أن يكون شيئا من نحو (…) إن شعورا يتميز بالرقة و اللطف ينتابنا نحو البطة و أن مثل هذا الشعور يمكن أن ينقل إلى شخص آخر” .

انطلاقا من هذا القول  يقترح ريتشاردز تقسيم الاستعارات عموما إلى نوع يقوم على وجود علاقة شبه مباشرة بين الطرفين ( المحمول و الحامل) ،و نوع يقوم على وجود موقف مشترك نتخذه لأسباب عرضية خارجية نحو الطرفين المكونين للاستعارة غير أن هذا التقسيم ليس نهائيا أو غير قابل للاختزال.
وتكمن فائدة هذا التقسيم حسب ريتشاردز في كونه ينفعنا في تجنب السقوط في الافتراض القائل : إن عدم فهمنا للطريقة التي تعمل بها الاستعارة لا يعني بالضرورة أنها لا تعمل.
الفصل الثاني: المقاربة المعرفية للاستعارة
المقاربة اللسانية للاستعارة
المقاربة اللسانية للاستعارة

______________
–  سليم عبد الإله –بنيات المشابهة في اللغة العربية –مقاربة معرفية ص 62.
– المرجع نفسه،ص63.
– ريتشاردز “فلسفة البلاغة” ص 92ترجمة سعيد الغانمي ، ناصر الحلاوي إفريقيا الشرق 2002
– سليم عبد الإله –بنيات المشابهة في اللغة العربية ص 63.
– ريتشاردز “فلسفة البلاغة”.مرجع مذكور، ص 97
–   ريتشاردز “فلسفة البلاغة” مرجع مذكور، ،ص 101.
–  المرجع نفسه ص 117.
–  المرجع نفسه  ، ص .118
– ريتشاردز –فلسفة البلاغة- ص 118.
–  المرجع نفسه – ص 113 – 114.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *