دور العامل الديني في السياسة الخارجية الأمريكية
الفصل  الثاني: المحافظون الجدد وصناعة القرار الأمريكي.
المبحث الثاني: تأثير المحافظون الجدد في المسرح الدولي من خلال السياسة الخارجية الأمريكية.

المطلب الأول : دور المحافظون الجدد في صياغة الإستراتيجية الأمريكية إبان الحرب الباردة.
المطلب الثاني : المعالم الكبرى للسياسة الخارجية الأمريكية بعد الحرب الباردة ودور المحافظون الجدد في بلورتها في العلاقات الدولية

مع انهيار المعسكر الشرقي بدأت معالم الإنفراد في السيطرة على العالم وفرض النموذج الأمريكي،فكان لابد لأمريكا أن تؤكد للعالم أنها الدولة الأعظم المهيمنة على الشؤون الدولية ، وبالتالي فتح مرحلة جديدة من الإستراتيجية بإعلان الرئيس جورج بوش الأب عن قيام النظام العالمي الجديد الذي يخلو من الإرهاب ويسعى للعدالة والمزيد من الأمن ،ويتيح لأمم العالم شرقه وغربه وشماله وجنوبه أن تزدهر وتعيش معا بانسجام” . وعلى مستوى الشرق الأوسط كانت الوضعية العامة للدول العربية مهيأة لتقبل هذه الإستراتيجية الجديدة بحكم الأزمنة التي فجرتها حرب الخليج الثانية وما نتج عنها من تصدع في الصف العربي ،وبدأت كمعالم السيطرة الأمريكية على زمام الأمور في الشرق الأوسط خاصة والمنظومة الدولية عامة ،وتكرس هذا أكثر مع قدوم كلينتون الذي بنا سياسته فيما يعرف بإستراتيجية “الالتزام والتوسع”على أعمدة ثلاث هي :
-الحفاظ على الهيمنة الحربية الأمريكية في العالم.
– تحقيق الرخاء الإقتصادي.

– تعزيز وترويج ديمقراطيات السوق الحرة في العالم .وبذلك سعى كلينتون على غرار ما ذهب إليه بوش الأب في تأديب حكام طموحين مثال صدام حسين ،في قالب من الشرعية الدولية ،فكل من بوش الأب وكلينتون استخدما الدبلوماسية التعسفية إلى جانب القوة، فكلينتون قصف يوغسلافيا سابقا وغزا الصومال و هايتي؛ واستمر في تأديب العراق ،إنها مسؤولية التفوق الأمريكي بعد الحرب الباردة، وكان كلينتون يركز في ذلك على العولمة الاقتصادية كوسيلة إيديولوجية قوية ربما تستطيع احتواء الحركات الوطنية والمعارضة حول العالم.

وبالتالي لم يكن طموح أمريكا،فقط استعراض قوتها في ملاحقة مجرمي صربيا أو في تأديب العراق أو ليبيا . بل يتعداه إلى بناء نظام عالمي اقتصادي حر يفتح أبوابه أمام تدفق السلع الأمريكية؛ ولضمان نجاح هذه السياسة؛ عمد كلينتون إلى مبدأ الاندماج والتكامل أو التفتيت والتقسيم من خلال تسخير المؤسسات الدولية كسلاح للتسلط العولمي في العالم “وحيد القطب” ولردع الذين لم يفتنوا بالتجارة الحرة و لم يعجبوا بترويج كلينتون لـ” ديمقراطيات السوق أو التوسع الاقتصادي” .وهذه العقيدة هي التي جسدها زعيم الجمهوريين في الكونغرس في 1995 نيوت جينجريتش في قوله :أمريكا وحدها قادرة على قيادة العالم، فهي تبقى في الواقع الحضارة الوحيدة الدولية الكونية في تاريخ البشرية ، ففي خلال 300 سنة سمح نظام ديمقراطيتنا البرلمانية المحترم لحقوق المواطن و الحريات الفردية و التبادل الحر بأكبر قفزة اقتصادية في التاريخ ، قيمنا يستعيرها العالم اجمع؛و تكنولوجيتنا التي حولت أنماط الحياة كانت العنصر الأول المحرك للعولمة..واليوم قواتنا العسكرية متمركزة في كل مناطق المعمور بناءا على طلب الحكومات المضيفة.. فأمريكا هي الأمة الوحيدة الكبرى المتعددة الأعراق؛ والتي تستخدم الحرية كدليل ..إذا اختفينا غدا فمن غير الواضح أن يكون لليابانيين أو للألمان والروس كشعوب ، الإمكانية والقدرة على إدارة المعمورة، بدون حضارة أمريكية حية ؛فان البربرية والعنف والدكتاتورية سوف تسيطر على الأرض .

و في خضم هذا التجبر ظهرت بأمريكا مجموعة من الكتابات في محاولة منها لتفسير تطور السياسة العالمية بعد الحرب الباردة مثل أطروحة نهاية التاريخ لفوكوياما؛ و أطروحة صدام الحضارات لصامويل هنتنغتون؛و الواضح كما يقول هذا الأخير أن السنوات التي تلت الحرب الباردة شهدت بدايات لتغييرات عظيمة في هوية الشعوب و رموز تلك الهويات ،و بدأت تتشكل سياسات عالمية على طول الخطوط الثقافية .

وبذلك فان الثقافة أو الهوية هي التي ستشكل نماذج التماسك والتفكك و الصراع في المنظومة الدولية بعد الحرب الباردة التي خرجت منها أمريكا ليست فائزة وإنما منهكة، فبدأت مهتمة أكثر وبشكل متزايد بمشاكلها الداخلية(التفكك الداخلي، المخدرات، الجريمة)وعلى الطرف الأخر أصبح العالم الإسلامي بشكل متزايد عدوانيا نحو الغرب؛ وبدأ وهم الخلود والاعتقاد بأن النموذج الأمريكي هو الشكل النهائي للمجتمع الإنساني في تصدع؛ خصوصا بعد تنامي ظاهرة العنف بين الجماعات والدول من أقطاب و حضارات مختلفة ،مع قابلية التصعيد حينما تتدخل الدول النسب* . وتمثل الحضارة الإسلامية في هذه المنظومة أكبر تهديد للمصالح الأمريكية-حسب هذه الأطروحة- ،إلى درجة أن أغلب المحافظين النافدين في مراكز القرار الأمريكية مقتنعين بأن الخطر الإسلامي والمد الأصولي العالمي قد حل محل الخطر الشيوعي ، وبذلك كما يرى باري بوزان فهناك عدة أسباب لانبثاق الحرب الباردة الاجتماعية بين الإسلام والغرب؛ فمن الواضح الآن أننا نواجه شكل وحركة تتجاوز القضايا والسياسات والحكومات التي تكرسها؛ هذا ليس إلا صداما بين الحضارات؛ إنه بكل تأكيد فعل تاريخي لمنافس قديم منذ الميراث اليهودي المسيحي . وبذلك فمنذ حرب الخليج عام 1991 واستبدال الإتحاد السوفياتي بالدول المارقة تحركت أمريكا لمنع بروز أي منافس كبير في المستقبل، إنها إشارة جديدة لعقيدة الحرب الوقائية التي وجد فيها اليمين الراديكالي والقومي والمحافظ الجديد نفسه؛ ببسط نفوذه عن طريق الحرب؛يكون فيها الشعب الأمريكي مستعدا لخوض غمارها ، ولم يكن ذلك ممكنا إلا بعد أحداث 11 شتنبر 2001 الرهيبة.وربما كان المؤرخ الشهير بول كيندي على حق عندما قال إن بداية ق21 والألفية الثالثة كانت يوم 11 شتنبر2001وليس يوم الأول من يناير 2000،فهجوم الطائرات على نيويورك وواشنطن قد قاد إلى إعادة التفكير في الأفكار التي تأسست عليها العلاقات الدولية،فأمريكا ومعها العالم التي فوجئت بأن أمنها قد اخترق،قد فطنت وصحت على حقيقة كانت غائبة عنها،وهي أن الإرهاب له يد طويلة يمكن أن تصل إلى قلب الولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك رأينا كيف أن التاريخ لم ينته بعد،وان البلد الذي يروج لتفوقه العسكري والاقتصادي والتكنولوجي؛ يجيش الجيوش ويتحرك في اتجاه عدو يطلق عليه الإرهاب ؛يريد أن يجتثه من جذوره حيث كان وحيث وجد .

وبذلك أرجع زلزال 11 شتنبر للأذهان حادث بيرل هاربر؛ وإن كان هذه المرة أكثر حدة؛فلأول مرة في التاريخ يشعر هذا الشعب أنه معرض للضرب بقوة بل وبالضياع في عقر داره؛ فأصابه بالذهول واهتزت ثقته في ذاته ، واتضح هذا عندما اندفعت الجماهير إلى الكنائس لترفع صلواتها إلى الله؛ فامتلأت الكنائس بالعابدين في بكاء مستمر على الضحايا؛ وان كان في الحقيقة هو بكاء على أنفسهم وعلى ضعفهم وضياعهم ؛ لقناعتهم بدخول مرحلة تكون فيها 11شتنبر لحظة فاصلة في تاريخ المجتمع الأمريكي، والأمر والذي تنفرد به هذه الهجمة هو أن هذه هي المرة الأولى مند حرب 1812 التي هجمت فيها الأراضي القومية الأمريكية أو تعرضت حتى للتهديد .فقد جاءت هذه الأحداث في غير السياق المرسوم للتفوق الأمريكي وخارج إطار كل التخمينات، فقبل شهر من هذه الأحداث ذكر تقرير لوزارة الخارجية البريطانية بأن من شبه الأكيد أن الولايات المتحدة الأمريكية ستظل حتى عام 2030 القوة العسكرية والاقتصادي العظمى الوحيدة في العالم . فالهلع الذي أصاب أمريكا كان يندر بأخطار المستقبل، فما تعرضت له هو حسب الخبراء العسكريين بمثابة إعلان عن انطلاق حرب غير متكافئة ؛ التي ستشكل معالم اللجوء إلى القوة في القرن 21؛ وحذر هؤلاء الخبراء من أعمال إرهابية من نوع جديد تستند إلى شبكات دولية مبهمة جغرافيا. فكما يقول كولين باول إن ما حصل هو إعلان حرب على الولايات المتحدة الأمريكية ،من دون أن يكون أي أحد قادرا على تحديد الجهة التي أعلنت الحرب . فبعد هذه التفجيرات؛ وتوجيه أصابع الاتهام للمسلمين؛ أصبحت أطروحة هنتغتون تسيطر على العقلية الأمريكية في تفسير الاضطراب الدولي، فقد لاحظت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية على سبيل المثال حين حاولت استطلاع رأي بعض المسئولين الأمريكيين حول الفكرة بأن السياسة الأمريكية الخاطئة في الشرق الأوسط كانت وراء تفاقم ظاهرة الإرهاب، جوبهت بثورات غضب رافضة لأي بحث في هذه المسألة،وكان رد الجميع أنهم يكرهون أمريكا ليس لأنها تدعم إسرائيل؛ بل لأسباب ثقافية .

وأكيد أن هذا المنعطف في مجرى الأحداث في المنظومة الدولية ستزود جورج بوش بفرصة نادرة يترصد من خلالها منطلقا إلى سياسته الخارجية التي تفوح بطموحات المحافظين الجدد في الاستيلاء على العالم من خلال الدور الأمريكي الجديد في القرن 21.إنها فرصة للقفز فوق المحرمات الدستورية والدولية في زمن الحرب الدائمة اللامنتهية، الأمر الذي دفعه إلى أن ينصب نفسه قائد زمن الحرب حيث أكد “أنا رئيس زمن الحرب وعلى الشعب الأمريكي أن يدرك أنني أرى العالم كما هو .والوحيد الذي دون سواه يستطيع أن ينقد أمريكا من أي تكرار ل11شتنبرأخرى؛ إنها كما يقول كارل روفيه -الإستراتيجي السياسي لحزب بوش- حرب أوسع نطاقا وأطول أمدا ضد الإرهاب بحيث يراها بوضوح، وربما بالمصادفة تمتد بالتأكيد إلى أبعد من مرحلة بوش “.ولضمان تسخير مأساة 11شتنبر لتمهيد الطريق إلى رد مفتوح ولا نهائي كما يقول غورفيدال :إن أول ما فعله بوش بعد أن ضربنا أنه اتصل بالسيناتور داشل ، وتوسل إليه عدم إجراء أي تحقيق من النوع الذي يجرى عادة في أي بلد عادي .ولهذا لن يعارض احد من الجمهور المصدوم دعوة بوش؛ والالتفاف حول قائد زمن الحرب “في حربه المقدسة”، وعليه فإن نشر القوة الإمبراطورية سوف يصبح بديلا من الدبلوماسية وفن إدارة الدولة، باعتبار أن الجمهور المصدوم المذهول متعطش للانتقام بغض النظر عن العواقب المحتملة في الرد المماثل . لكن الواقع جعل الحرب على الإرهاب حربا عنصرية في أساسها، بحكم أن فريق بوش لم يضع لها سببا غير أولئك الأشرار؛ فحملات التخويف والترويع التي تتضمنها الإعلانات المتلاحقة عن التهديدات الإرهابية تبدو شكلا من أشكال الحرب النفسية المقصودة؛ بهدف سن قوانين تقوض الحريات المدنية والحقوق الدستورية مما حرك شجون مجموعة من النقاد المعارضين من مثل أكدجيل نيلسون بقوله :”في خضم هذه الموسيقى العسكرية النشاز وخفقان العلم الملون بالأبيض والأزرق؛ والبلاغات الوطنية التي ميزت الاحتفال بيوم الاستقلال وواكبت الحرب على الإرهاب ضاع الحق في المعارضة والاختلاف في الرأي ، فكأننا منذ 11شتنبر لا نعاني إرهاب الإرهابيين وحدهم، بل أيضا إرهاب الحكومة الأمريكية؛التي تطالبنا بالإذعان الأخرس تجاه كل ما تقترح عمله كجزء من الضبابية وغير الفعالة على الإرهاب .فقد سن بوش أشنع اعتداء على القانون الدولي؛ حيث أعاد أمجاد الأجداد الأوائل من خلال حروب استباقية يكون الهجوم فيها أضمن الوسائل لحماية القومية الأمريكية.وعليه كما صرح بوش :”لن أنتظر على الأحداث فيما يدلهم الخطر،ولن أقف متفرجا فيما تقترب منا التهلكة أكثر فأكثر، وإن حربنا على الإرهاب قد بدأت فعلا ولكنها ما تزال في بدايتها ،إن هذه الحملة قد لا تنتهي في زمننا، ولكن يجب أن تشن في زمننا،إننا لا نستطيع أن نتوقف فجأة ..إن التاريخ يهيب بأمريكا وبحلفائنا أن نعمل؛ وإنه لمن مسؤوليتنا وخصيصتنا أن نحارب حرب الحرية.

فأصبح بوش يعتقد أنه مكلف بمهمة أخلاقية لتفكيك الخوف الذي صاغته إدارته بعد 11 سبتمبر (شتنبر) من الإرهاب، إذ أصبح هذا المصطلح الفاصل بين الخير والشر والعدو والصديق ، فالحرب على البربرية واجب أخلاقي على كل إنسان متحضر وعلى العالم أن يوطن نفسه هل مع أمريكا ..أم مع الإرهاب .فهذه الحرب التي أدخلت العالم في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار خلقت لدى أمريكا نظرة سوداوية إلى العالم لخصها روبرت كابلان في ما يلي ، إنني أعتقد أن نظرة بوش إلى العالم هي أن الهيمنة الأمريكية غير واضحة؛ فالعالم مكان سيء يسكنه الأشرار الذين يستطيعون إلحاق الأذى بنا؛ وإن أعظم إلتزام أخلاقي تجاه أمريكا هو تعزيز قوتها . و بذلك تكون الولايات المتحدة الأمريكية كما يصف جون ايكنبري -الخبير المعروف في الشؤون الدولية -: إن الإستراتيجية الامبريالية الكبرى الجديدة تقدم لنا أمريكا بوصفها دولة تصحيحية تسعى لخلق نظام عالمي تتولى بمقتضاه إدارة الأمور.. في عالم أشد خطرا و أكثر انقساما. والولايات المتحدة الأمريكية فيه أقل أمنا .و بديهي جدا في ظل الهيمنة الشاملة على العالم أن تجد داخل إدارة بوش جل مستشاريه من مخضرمي عهد ريغان؛ الذين يؤمنون إيمانا لا يتزعزع باستخدام القوة وقائيا بغض النظر عن الدليل أو الذريعة. إن بول ولفويتز نائب وزير الدفاع الحالي مثلا صاحب رؤية قائمة على التسليم بأن الحرب لا تحتاج إلى دليل قاطع ؛بل التأكيد يجب أن يركز على النيات و القدرات . و بذلك فالسياسة الخارجية الأمريكية كما رسمها معظم مثقفي المحافظون الجدد أكدت على إطلاق العنان للقوة غير عابئ بالدبلوماسية.. كما تجسد في تدمير أفغانستان و العراق من بعدها.

على أمل توسيع الحملة لتشمل قائمة طويلة ممن يسميهم محور الشر. و على كل حال تكون فعلا قد عولمت إرهاب الدولة. فبوش لم يكتفي بتجميد بنود الدستور و تجاهلها بل عطل عمل الأمم المتحدة و شل دورها. و كما يقول ريتشارد بيرل أنه لم يبق لنا إلا تحالف الراغبين؛ و من غير أن نصفهم بأنهم تهديد للنظام العالمي الجديد. فان علينا أن نعتبرهم أفضل أمل لهذا النظام و البديل الوحيد للفوضى الناجمة عن الفشل المخزي للأمم المتحدة.. إننا لن نستطيع أن نهزم أو نحتوي إرهابا متعصبا من دون أن نشن الحرب على الإرهابيين حيث ينطلقون. وهذا ما قد يتطلب أحيانا أن نستخدم القوة ضد دول تأوي الإرهابيين كما فعلنا في تدمير طالبان في أفغانستان .
والواضح أن التغيرات الحاصلة في تفكير و خطاب إدارة الرئيس بوش مذهلة؛حيث ارتفع إدراك التهديد وزاد التركيز على توازن القوة الأمريكية المؤيدة للحرية و أصبحت مبادئنا و ليس مصالحنا كما تقول الإستراتيجية هي التي سوف ترشد الحكومة في قراراتها ،و لفهم هذه الإستراتيجية أكثر حري بنا أن نعود إلى أهم الوثائق التي حددت معالمها؛ وهي وثيقة كونداليزا رايس حول رؤية الحزب الجمهور المستقبلية للعالم؛ من خلال استثمار الفترة الانتقالية التي دخلتها المنظومة الدولية بانهيار المعسكر الاشتراكي؛ و يجب “أن نبدأ عملية رسم سياسة خارجية جديدة من الاعتراف بأن الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بموقع استثنائي لكونها هي وحلفائها موجودون على الجهة الصحيحة من التاريخ “. وفي خضم هذه الوضعية الاستثنائية لأمريكا يبقى لزاما على إدارة بوش إعلاء المصلحة القومية الأمريكية ونشر قيمها و إن بالقوة،وذلك من خلال تعزيز نظام مالي عالمي مرن و مستقر في أوساط جميع الملتزمين بمبادئها؛ عن طريق القوة الأمريكية التي يجب أن تمنع الحروب و تبرز السلطة.و تتقاتل في سبيل حماية مصالحها إن لم تنجح في تعويقها. وهذا بمعية حلفائها الذين يشاطرون قيمها و حمل عبء نشر قيمتها إضافة إلى التعامل بشكل حاسم مع خطر الأنظمة المارقة و القوى العدائية التي تشكل محور الإرهاب. و الأكيد أن سعي أمريكا وراء مصلحتها القومية سوف يخلق ظروفا تعزز الحرية و الأسواق و السلام. فالأمر واضح و مباشر لدى رؤية الحزب الجمهوري؛ أو بالأحرى الجناح المتشدد فيه، للمصلحة القومية المباشرة باعتبارها الهدف؛ أما القيم تابعة لتحقيق هذه المصلحة. وأكيد أن هذا كله يستوجب دعم السياسة الاقتصادية الدولية من خلال توسيع أطر التجارة الحرة و تفعيل مميزات الاقتصاد الأمريكي؛ إضافة إلى بناء قوة عسكرية أكيدة و مصونة .

وبذلك التقت مصالح اليمين الديني والسياسي لصياغة رؤية موحدة لأمريكا و العالم. فأمريكا هي وطن استثنائي تاريخي لابد أن يسود و يهيمن وذلك من خلال تطهير الثقافة السائدة بشن الحرب المقدسة ضد الشيطان في “قلب الوطن”؛ أو في أي بقعة من بقاع العالم ،معوقا امتداد أمريكا الرسالة التي تعبر عن الإرادة الإلهية فأصبحت بذلك الإدارة الأمريكية الحالية مند تسلمها مهامها تجسد ثلاثية”العسكري والتاجر والمبشر” التي رافقت الأجداد في مغامراتهم الاستكشافية الأولى؛ وذلك من خلال الانحياز داخليا إلى سياسات يمينية متطرفة تخدم التجار والأباطرة الأكثر غنى في أمريكا،أما الشأن الخارجي فتصب الإستراتيجية في تحقيق الهيمنة العسكرية،وفي واقع الأمر فالإدارة الحالية تعبير دقيق لليمين المتشدد في بعديه الديني و السياسي .والذي ظهرت معالمه بجلاء بعد أحداث11 شتنبر التي أعادت صياغة القاموس المفاهيمي للساسة الأمريكان بما يستجيب وخطاب المرحلة؛ من قبيل أن “أمتنا شهدت الشر” “إنهم يكرهون قيمنا” “إنه نوع جديد من الشر” “و حملتنا الصليبية سوف تاخد وقتا” . و أكيد أن حماية الأمن القومي الأمريكي يفرض عليها الاخد بإستراتيجية جديدة تناسب آخرة المستجدات و التطورات خصوصا بما يتعلق بالمؤسسة العسكرية التي تعتمد حشد القدرات بشتى الطرق دون انتظار الخطر. و هذه الإستراتيجية أو كما اسماها رامسفيلد بالخطوات الست و التي لخصها في “حماية الوطن الأمريكي و قواعده عبر البحار، ثم ضمان تامين القوة الأمريكية في مواقع العمليات البعيدة ؛و كدا حرمان الأعداء من الملجأ و أن لا مكان آمن في العالم يحميهم؛ ثم حماية شبكة معلوماتنا من أي هجوم واستخدامها لربط القوى الأمريكية عبر أنحاء العالم ،وفي الأخير تحقيق سيطرة غير مقيدة على الفضاء وحماية القدرات الفضائية الأمريكية من أي هجوم عدائي . فالسلوك الأمريكي الجديد الذي جسدته استراتجيه الأمن القومي التي أعلن عنها بوش الابن في 20 شتنبر 2002تكشف عن الهدف الأمريكي في الاستئثار بالعالم؛ و الحيلولة دون بروز فاعلين جدد؛ لضمان ديمومة النموذج الأمريكي عن طريق تطوير ثلاثية العسكري ، التاجر ، المبشر؛ “فالدفاع عن الشعب الأمريكي و مصالحنا في الداخل و الخارج من خلال تحديد تهديدات و القضاء عليها قبل وصولها إلى حدودنا.. إننا لن نتردد في اتخاد خطوات من جانب واحد إذا لزم الأمر ، كما أننا سنشن حرب أفكار للإنتصار في المعركة .

و بدلك سعت الإدارة اليمينية الأمريكية كما صرح بذلك بوش الابن ؛ إلى فرض نظام للقيم لا يمكن المساومة عليه ؛هذه القيم هي التي نحمدها و نتمسك بها؛ و إذا كانت هذه القيم خيرة بالنسبة لشعبنا فإنها خيرة كذلك للشعوب الأخرى؛ و هذا لا يعني أننا نفرضها بل يعني أنها قيم إلهية، هذه ليست قيم خلقتها الولايات المتحدة الأمريكية؛ بل هي قيم الحرية و الطبيعة الإنسانية .. إننا في هذه اللحظة من لحظات التاريخ إذا كانت هناك مشكلة عالمية فان دورنا هو أن نتعامل معها و نحلها .. هذا هو ثمرة القوة .. و هو ثمن المكانة التي نحتلها ؛و بذلك أصبحت القيم الأمريكية السياسية قيما كونية.. و بات لزاما أن تنقل إلى المجتمعات و الأنظمة السياسة.و أكيد أن هذه المسؤولية تجسدها الدبلوماسية الثورية كأداة التغيير و الانتفاض على الأوضاع الراهنة؛ بحكم أن السلبيات اللاأخلاقية كالطغيان و عصابات الشوارع ، والمخدات و الانهيارات المجتمعية؛ سرعان ما تتحول إلى ثقافة ، وتسود ، و بالتالي لا بد من التصدي لها في العالم و في الولايات المتحدة الأمريكية ؛وهنا يحدث اللقاء بين الميول الثورية لهذا التيار والميول المحافظة الأخلاقية المبسترة .و أكيد إن استراتيجية التصدي و الحرب التي انتهجتها أمريكا بعد 11 شتنبر؛ و التي تحتل فيها مكافحة الإرهاب الحلقة الأولى في حرب فريدة غير مسبوقة لا تخضع لقواعد الحرب؛ إذ يجب أن تتحرك أسرع ويجب أن تكون أكثر عنفا لحماية شعبك. ليس هناك شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية. هي القوة التي تضع النظام (ولو بالقوة )؛ لأن أمننا ليس منظمة للنقاش و الجدال ،هكذا ينظر بوش إلى دور أمريكا في النظام الجديد و هي تحارب الشبكات الإرهابية الشبحية؛ ومنع أي دكتاتور معتوه من إطلاق مالديه من أسلحة الدمار الشامل؛ أو إن يزود بها حليفه الإرهابي سرا . و أكيد أن الحرب على الإرهاب سوف تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط و وسط آسيا؛ بدأتها إدارة بوش بالإطاحة بنظام الطالبان ليعطي فرصة للانتشار الأمريكي على مدى آلاف الأميال التي تمتد من البلقان إلى حدود الصين .. من ((كامب بونديستو)) في كوسوفو بعد حملة 1999 إلى ((بشيكيك)) في فرغيزستان ؛بعد الإطاحة بطالبان ..فهناك 13 قاعدة جديدة تسع بلدان تحيط بأفغانستان؛ و بدلك أصبحت أهداف أمريكا دولية تسعى إلى خلق التفوق الأمريكي المطلق على عالم وحيد القطب لغرض فرض النموذج الأمريكي للديمقراطية على شكيلة حامد كرزاي في أفغانستان.وفي الحقيقة هذه هي الوصفة المعقولة التي يراها المحافظون الجدد للعراق و فلسطين .إن الذي سيخلف عرفات و صدام ، سيتبنى هموم واشنطن وتل أبيب باسم مكافحة الإرهاب . على أمل تعميم هذه الوضعية على الشرق الأوسط الكبير.

و أكيد أن مشروع الشرق الأوسط الكبير استلهمته الولايات المتحدة الأمريكية وعلى رأسها المحافظون الجدد من نظريتي ما يكل دويل وفوكوياما لتؤكد أن سبب الحروب المستمرة وانتشار الإرهاب في الشرق الأوسط هو بالدرجة الأولى : غياب أنظمة ديمقراطية . و بمفهوم الموافقة فان أمريكا تقود حربها على الإرهاب لتوسيع رقعة الديمقراطية في العالمين العربي و الإسلامي الذي بات الخطر الأول للحضارة الغربية ،و بذلك كما يقول الصحفي ما يكل ليند : إن المحافظين الجدد يسيطرون على الإدارة الأمريكية؛ يتحدثون علنا عن حملات عالمية من اجل الديمقراطية و لكن هدفهم الفعلي هو قوة و أمن إسرائيل؛ من هنا لا يمكننا التغاضي عن البعد الإسرائيلي الخفي في مشروع الشرق الأوسط الكبير الأمريكي . ومما لاشك فيه أن الطرح الأمريكي للإصلاح الديمقراطي في المنطقة قد جاء كبديل عن فشل إستراتجية القوة الذي زاد من أعداء أمريكا؛ و تنامي ظاهرة الاحتجاج ، و مقاومة الوجود الأمريكي؛ و من هذا المنطلق يمكن لنا أن نفهم بان المبادرة الأمريكية بنشر الديمقراطية ليست إلا وسيلة للتغطية على إرادة السيطرة و لصرف نظر الشعوب العربية عن المسائل الخطيرة العالقة و في مقدمتها القضية الفلسطينية . وبدلك فإن هدا المشروع قد عبر عن حالة من الاستعلاء المسكون بسوء النية ؛فالإدارة التي أعطت لنفسها حق تقسيم العالم إلى أبرار و أشرار؛ قررت أن تخترع إقليما جديدا بهده التسمية حيت يطمس معالم المنطقة وهويتها من أنها عربية إسلامية .. إضافة إلى أن توقيت إطلاق هدا المشروع له دلالته، إنه عرض على الدول الثمانية في سي أيلان في يونيو و قبلها نوقش في قمة إسطنبول 2004 لتحظى بالمشاركة الأوربية و إذا لحظت أن تسليم السلطة للعراقيين تجدد موعده في الشهر ذاته الذي ستجرى فيه أيضا الانتخابات الأفغانية.. إنما نحن بصدد مهرجان لتدشين حملة بوش الانتخابية . و أكيد أن هذه الحملة التي أبرزت أيادي بوش البيضاء على البشرية؛ حملت بوش إلى ولاية ثانية و إنشاء أول مؤسسة رئاسية أمريكية على أساس الدين في تاريخ أمريكا .

فلقد كان خطاب بوش في احتفال تنصيبه لولاية ثانية كما يصفه جيفري كيمب : كأنه موعظة قوية لنشر الحرية وإنهاء الاستبداد في العالم .. إنها خطبة إنشائية تلزم أمريكا بان تقوم بما ليس في مقدورها بما تملكه من مصادر ثروة ولا قوة، و إنما بخوض حرب دائمة ” .و هو بذلك يؤسس لعالم أكثر حرية و ديمقراطية باستهداف الاستبداد باعتباره التربة التي انبتت الإرهاب : فأمريكا لن تتجاهل الاضطهاد ولن تعذر المستبدين وستساعد المناضلين من اجل الحرية و الديمقراطية .والذين تعتبرهم القادة المقبلين لبلادهم الحرة ،وكما يقول بوش ،إننا سندافع عن أنفسنا وعن أصدقاءنا بقوة السلاح إذا اقتضى الأمر .. وأكيد أن هذا التحول في الإستراتيجية الأمريكية من مكافحة الإرهاب والحروب الإستباقية إلى استئصال الاستبداد قد فرضت على الدبلوماسية الأمريكية أهدافا أخرى ضمنتها كونداليزا رايس في خطاب تنصيبها في ثلاث مهمات عظيمة وهي على حد قولها سوف نوحد المجتمعات الديمقراطية على أساس قيمنا المشتركة وحكم القانون؛ وسوف نساعد المجتمع الديمقراطي ليحارب التهديدات التي تواجه أمننا المشترك؛ وسوف ننتشر الديمقراطية والحرية في أنحاء العالم . وفي هذا الصدد دعا بوش شعوب الشرق الأوسط إلى محاكمة حكوماتهم وجعلها مسؤولة أمامها .. فالرجال والنساء سيشاركون في نهاية المطاف في شؤون بلادهم، كما شاهدنا امتداد الإصلاح من المغرب إلى البحرين فالعراق . ومن جهتها قالت رايس مادام الشرق الأوسط الكبير منطقة الطغيان واليأس والغضب؛ فسيظل ينتج المتطرفين والحركات التي تهدد سلامة الأمريكيين وأصدقائهم، وبذلك فنجاح الحرية في أفغانستان والعراق سوف يمنح الإصلاحيين في جميع أنحاء المنطقة الأمل والقوة “.

ومن هذا المنطلق يمكننا أن نفهم طبيعة موقف الإدارة الأمريكية المتشددة من سوريا ووجودها في لبنان ، وكيف سخرت مسألة اغتيال الحريري لتحريك المعارضة الداخلية من جهة وضرب حزب الله من جهة أخرى ،وجر الرأي العام الدولي إلى اتهام سوريا للبحث عن خلق عراق آخر في سوريا؛ تحت غطاء الإصلاح السياسي ونشر الديمقراطية والحرية.ومن جهة أخرى وفي مركز الصراع في الشرق الأوسط شكل دخول حماس اللعبة السياسية أكبر تحدي لمشروع كونداليزا رايس ، حيث وضع الإدارة الأمريكية في ورطة إذ وجدت نفسها أمامها مفترق الطرق.فهل تعارض الإنتخابات وهي راعية الديمقراطية في العالم أم تسمح بإجرائها ؟ والأكيد أن ماتخشاه أمريكا من تقبلها لحماس كفائزة في الإنتخابات من أن يكون وجودها في المجلس التشريعي سيقوض سلطة محمود عباس ، وبالتالي ستصبح العملية السلمية بالكامل في مهب الريح؛ ثم تخشى إعادة منح القضية بعدها الديني والعربي الإسلامي ،كما تخشى أن تنتقل حماس إلى نموذج تحتدي به الحركات الإسلامية المؤمنة باللعبة السياسية .وبذلك تكون الو.م.أ التي لاتهمها الديمقراطية بقدر ما تهمها مصالحها ومصالح إسرائيل تحفر قبرها بيدها ، ومن جهة أخرى بدأت أزمة إيران يوما بعد يوم تؤكد على انفلات المنطقة من سيطرة أمريكا كما أشارت إليه الاستخبارات الأمريكية من أنه بات بإمكان إيران صنع قنبلة نووية خلال 6 أو 10 سنوات قادمة فتح المجال لاستمرار حملات إعلامية وبدأ العد التنازلي للأزمة وأصبح ضرب إيران عسكريا لم يعد أكثر من مسألة وقت كما يشير كبنيت تيرمان ، وفي هذا الصدد أكد الرئيس بوش أن كافة الخيارات لديه متاحة من للتعامل مع تلك المشكلة متسلحة بدعوة الكونغرس بأغلبية -3276 صوت مقابل 3أصوات – إدارته إلى استخدام كل الوسائل الممكنة لمكافحة المشروع النووي الإيراني ، وذهب في هذا ديك تشيني بجعل إيران على رأس الدول المارقة .واعتبر متابعون للشأن الإيراني أن زيارة رامسفيلد للقواعد الأمريكية في الدول المحيطة بإيران في أبريل 2005 بأنها تأتي ضمن الاستعدادات الأمريكية للقيام بعمل عسكري ضد إيران ، يضاف إلى هذا تلك التقارير التي تتحدث عن إعادة النظر في خريطة دول المنطقة من حيث الدعوة إلى دمج بعضها وتقسيم بعضها الآخر والضغط على البعض الآخر بما يتفق والمصالح الأمريكية ،وما يحدث في السودان مع أزمة دارفور كخير مؤشر على ذلك .

وبهذا فإن تزايد الحديث عن قضايا السياسة الخارجية الأمريكية التي تثار مع دول محور الشر الجديد الذي اتسع نطاقه ليضم ست دول –كوبا –زيمبابوي –بورما –بيلاروسيا –إيران –كوريا الشمالية-إنها خطة كما يقول جمفري كيمب “إنها أهداف لا تستطيع بلادنا ولا جيشنا تحقيقها ..إنها دعوة ستقود في النهاية لو تم السعي لتحقيقها إلى النكبة والمأساة.

خاتمة البحث

لقد كان لاكتشاف أمريكا دور مهم في تسريع وثيرة النبوءات والأساطير الإنجيلية ، فاعتبرت إسرائيل الجديدة ،ولقب شعبها والمهاجرون البيوريتانيون بالشعب المختار، وبالعبرانيين، وتعرض سكانها الأصليين –الهنود الحمر – إلى حملة اضطهاد وتطهير لم يشهد لها التاريخ مثيلا ذهب ضحيتها أزيد من 400 شعب وثقافة ، فوصفوهم بأبشع الأوصاف من متوحشين وكنعانيي الأرض الجديدة ،والشيطان ، وقوى الشر ،وكانت تحركهم في ذلك دوافع دينية أكثر من أي دوافع أخرى .
وبذلك فالإيمان بعودة المسيح ، وبان هذه العودة مشروطة بقيام دولة إسرائيل في ارض فلسطين قد لعب في الماضي ويلعب اليوم دورا أساسيا في صناعة القرار الأمريكي الداخلي ،وكذلك فإن الإيمان بفكرة شعب الله المختار لعب في الماضي ويلعب اليوم دورا أساسيا في تجاوز القوانين والمواثيق الدولية ، ذلك لأن منطق المسيحية الصهيونية يقول أن شريعة الله هي التي يجب أن تطبق على شعب الله .. وبالتالي فإنه حيث تتعارض القوانين الإنسانية والوضعية مع شريعة الله فإن شريعة الله وحدها هي التي يجب أن تطبق ” ،كذلك فإن الإيمان بمعركة نهاية الزمان “معركة الهرمجدون” يقف وراء صياغة مجموعة من السلوكيات لدى صناع القرار الخارجي الأمريكي اتجاه العالم بأسره واتجاه إسرائيل بشكل خاص.
فعندما تجاوزت هذه المعتقدات والأساطير أسوار الكنائس لتستميل قلوب الملايين من الأمريكيين عن طريق منظمات وجمعيات نافذة في المجتمع الأمريكي ، وعندما استطاعت السطو على قطاع واسع من المنابر الإعلامية الأمريكية وبصورة خاصة التلفزة ، وعندما استطاعت استقطاب كبار المسئولين الأمريكيين في البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية كان لابد من الوقوف عند أبعاد هذه الأساطير والنبوءات لمعرفة كيف توجه الرأي العام الشعبي ،وكيف تجمع الأموال لدعم القادة الدينيين في اختراق المؤسسات الدستورية الأمريكية من جهة ومن اجل تطويق خطر هذه الحركة الدينية ونشر السلام والوئام بين الشعوب في كل هذه الأرض .

وفي الختام تجدر الإشارة إلى أن بروز الدين كعامل أساسي في صناعة القرار الأمريكي تأتي كتجسيد حقيقي لعودة الظاهرة الدينية في المسرح الدولي بشمولية إلى الواجهة؛ الأمر الذي يجعلنا نتساءل، هل سيكون الدين في المنظومة الدولية عنصر استقرار وسلام دوليين أم ستشتعل باسمه حروب دينية وطائفية ستقدم فيها الإنسانية أرواحا طائلة ؟.