واقع وآفاق العلاقات و الإطار القانوني للعلاقات الأورومغربية

العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوربي: “في مرحلة ما بعد انهيار جدار برلين”
القسم الثاني: العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوربي بعد انهيار جدار برلين
الفصل الثاني: واقع وآفاق العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوربي
لقد كان سقوط جدار برلين عللامة فاصلة في تاريخ العلاقات الدولية، كان علاقمة تحول كبرى في مجال السياسة الدولية ونلمس هذا التحول كذلك في علاقات الدول مع بعضها البعض، فعلاقة المغرب مع المجموعة الاقتصادية الأوربية ليست هي نفسها مع الاتحاد الأوربي، فالظروف الدولية تغيرت وحتى الظروف الداخلية للطرفين تغيرت.
وقد بنى الاتحاد الأوربي سياسة الشراكة الأورومتوسطية انطلاقا من تصورات واضحة عنده، هدفها معالجة موضوع الهجرة و الاضطراب السياسي والأمني في دول شمال إفريقيا، ومحاول تطوير الاقتصاد الأوربي عن طريق فتح الأسواق المغاربية وتوسيع دائرة السوق الأوربية لتصبح مركزا للاقتصاد العالمي.
وبعد مؤتمر برشلونة الأورومتوسطي المنعقد 1995، انطلق الاتحاد الأوربي في تدشين سلسلة من المفاوضات لإبرام اتفاقيات تعاون وشراكة مع دول الجنوب والمتوسط، وكان المغرب إحدى الدول التي وقعت مع الاتحاد الأوربي اتفاقية الشراكة يوم الاثنين 26 فبراير 1996 على الساعة الثانية عشر والنصف ببروكسيل. كما وقع المغرب مع الاتحاد الأوربي في نفس اللحظة ونفس المكان، اتفاقية للصيد البحري وهي مستقلة عن اتفاقية الشراكة لكن دينامية المفاوضات أدت إلى الربط بين مضمون الاتفاقيتين.
وأهم نقطة جاءت بها اتفاقية الشراكة هي تحديد سنة 2010 كأفق لدخول منطقة التبادل الحر الأورومغربية حيز التطبيق. ومن أجل إعطاء قوة أكثر لهذه العلاقات فإن المغرب و الاتحاد الأوربي عازمين على المضي من اجل اتفاق مستقبلي قد يحمل اسم “اتفاقية الجوار”

المبحث الأول: الإطار القانوني للعلاقات الأورومغربية
ويضم هذا الإطار اتفاقيتين، الأولى هي اتفاقية الشراكة لسنة 1996، والتي كانت نتاج لمؤتمر برشلونة الأورومتوسطي. أما الاتفاقية الثانية فهي خاصة فقط بالمغرب دون الدول المتوسطية الأخرى وهي اتفاقية الصيد البحري.
فما هو مضمون الاتفاقيتين؟ ! وهل أسستا فعلا لمنطق جديد في التعامل لطالما نادى به المغرب ولكالما تكرر في خطابات مسؤولي الاتحاد الأوربي؟

المطلب الأول: اتفاقية الشراكة لسنة 1996
بالنسبة للمملكة المغربية فإن هذا الاتفاق الجديد يجب أن يضع قواعد علاقات جديدة في إطار الشراكة، أي الانتقال من سياسة الإعانة والمساعدة إلى سياسة الشراكة المبنية على حقوق والتزامات.
وقد وضعت اللجنة الأوربية يوم 8 مارس 1995 ( ) مقترحات من اجل إعطاء نفس جديد لمفهوم الشراكة يتمحور على محورين:
-المساعدة وتكثيف الإصلاحات السياسية، وإقرار حقوق الإنسان وحرية التعبير.
-الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بهدف الرفع من النمو ومستوى المعيشة.
بينما يعرف المغرب الشراكة على أنها إطار لبناء أسس التضامن يستند إلى عامل التقارب والجوار بين المغرب و الاتحاد الأوربي.
وهكذا يوم الاثنين 26 فبراير وقع المغرب مع الاتحاد الأوربي اتفاقية الشراكة لسنة 1996. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتفاقية قد حلت محل اتفاقية التعاون لسنة 1976.
ودون الدخول في تفاصيل وجزئيات اتفاقية الشراكة لسنة 1996 يمكن تبيان أهم ما جاءت به على النحو التالي:
-بالنسبة للقطاع الفلاحي: فإن المبدأ الأساسي المعتمد في هذا المجال هو السماح للمنتوجات الصناعية المغربي بالدخول إلى السوق الأوربية المشتركة، بنفس الشروط التي تخضع لها المنتوجات الصناعية بين دول أوربا، كما أن الصادرات الأوربية من المنتوجات الصناعية في اتجاه المغرب لا تخضع للتعريف الجمركية باستثناء الصادرات الموجودة في الملاحق 3-4-5-6. فمثلا بالنسبة لمنتوجات الملحق 3 فسيتم تخفيض التعريف الجمركية بنسبة 50 % بعد سنة من تطبيق الاتفاقية و 25% بعد سنتين وتحذف التعريفة نهائيا بعد 3 سنوات( ).
فالجديد الذي أتت به الاتفاقية في هذا المجال يتعلق بإلغاء كل الحقوق الجمركية والرسوم المماثلة على الواردات الصناعية من أصل أوربي (الصادرات الصناعية المغربية معفية منذ اتفاقية 1976) وذلك في أفق إحداث منطقة للتبادل.
-بالنسبة للقطاع الفلاحي: هناك منتوجات تستفيد من الإعفاء الجمركي ومن سعر دخول منخفض ومتفق عليه في حدود حصة معينة ويتعلق الأمر بأهم الصادرات المغربية: الطماطم، البواكر،…
وهناك نوع ثاني من المنتوجات تستفيد من إعفاء جمركي في إطار حصص تعريفية مثل البطاطس والزهور المقطوفة( ). كما أن هناك تستفيد من الإعفاء من الحقوق الجمركية بدون تحديد حصص ويتعلق الأمر خاصة ببعض الخضر الطرية: الجلبان، الفواكه الطرية…
ونجد نوع رابع من المنتوجات المعفاة من الحقوق الجمركية في إطار مقادير مرجعية تستفيد هذه المجموعة من الإعفاء الجمركي ما لم تتجاوز الصادرات المغربية كمية تسمى الحصة المرجعية.
أما الخامس و الأخير فنجد المنتوجات التي تستفيد من الإعفاء الجمركي دون تحديد الحصص، وأهمها: الفواكه المجففة- الحوامض المحولة، زيت الزيتون( ).
إن القراءة الأوروبية للمادة 18 من اتفاقية الشراكة توضح لنا أن السوق الأوربية ليست مفتوحة بشكل كامل للمنتوجات الفلاحية المغربية. حيث مازالت تعترضها مجموعة من العراقيل تتعلق أساسا بأثمان الدخول وتقليل الحصص وفترات الولوج. فالطماطم المغربية مثلا تبقى مقيدة في دخولها للسوق الأوربية في حصة لا تتعدى 150 ألف 676 طن وخلال فترة تمتد من فاتح أكتوبر إلى 31 مارس.
-بالنسبة للقطاع المالي فإن الاتفاقية أكدت على رفع نسبة المساعدات المقدمة للمغرب بنسبة 60 %، حيث وصلت إلى 600 مليون دولار في فترة 1996 –1999. كما أن البنك الأوربي للاستثمار سيمنح المغرب قروضا تفضيلية لتمويل تنمية البنيات التحتية الاقتصادية والاجتماعية وتنمية القطاع الخاص، كما خصص الاتحاد الأوربي في إطار برنامج “ميدا” مساعدة مالية للمغرب تقدر ب 4.685 مليار وحدة نقدية لنفس الفترة. و هذه المساعدة حلت محل البروتوكولات المالية السابقة.
إن الغلاف المالي الأوربي لا يشكل سوى جزء صغير من حاجيات ومتطلبات المغرب، وبالتالي فإن الدعم المقدم للمغرب وخلافا للدعم المقدم لإسباني والبرتغال واليونان في نهاية الثمانينات، والدعم المقدم لدول أوربا الوسطى والشرقية اليوم مازال يندرج في منطق المساعدة وليس منطق الاندماج أو الشراكة.
إن اتفاقية الشراكة لم ترق إلى مستوى الهدف المتوخى، فالمجموعة الأوربية استغلت وضعها فتعاملت مع المغرب منطق المركنتيلي مناقضة في ذلك لشعاراتها وخطاباتها السياسية، والتي تدعي فيها أنها تسعى لتحسين مستوى عيش منطقة جنوب المتوسط، ويتضح ذلك من خلال ما يلي:
-عن المنتوجات الفلاحية المغربية التوجهة نحو المجموعة الأوربية مازالت خاضعة إجراءات تقنينية صارمة تحمل مخاطر إضعاف الصادرات المغربية.
-عن الاتحاد الأوربي الذي يشكل شريكا استراتيجيا للمغرب مطالب بتدشين حوار جديد والانطلاق من رؤية تعاونية صادقة تجمع بين مجال التنمية (الذي هو متطلب المغرب) ومجال الأمن (الذي هو مطلب أوربا).
وما تجب الإشارة إليه بقوة هو أنه إذا كان الأوربيون لم يلتزموا في غمار الحرب الباردة بأولوية التعامل مع لنظم الملتزمة بالديمقراطية وكان جل اهتمامه ينصب على تغليب الاعتبارات الاستراتيجية المؤثر في موازين القوى العسكرية بين الشرق والغرب آنذاك، فإنه وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي أعيد ترتيب الأولويات في ظل النظام العالمي الجديد حيث أصبح الإصلاح السياسي أي الديمقراطية واحترم حقوق الإنسان أحد العوامل الهامة للاقتراب أو الابتعاد عن نظام دولة ما، وإن لم يكن العامل الوحيد في كثير من الأحيان.
إذا كان هذا هو حال اتفاقية الشراكة لسنة 1996، فما هو الحال بالنسبة لاتفاقية الصيد البحري الذي يعتبر ورقة ضغط في يد المغرب تجاه علاقاته مع الاتحاد الأوربي؟

المطلب الثاني: اتفاقية الصيد البحري لسنة 1996.
كما سبقت الإشارة إلى ذلك فإن اتفاقية الصيد البحري الموقعة بين المغرب والاتحاد الأوربي، هي اتفاقية منفصلة عن اتفاقية الشراكة. لكن ونظرا لتزامن دينامية المفاوضات، ونظرا لأن الاتفاقيتين تم التوقيع في نفس الزمان والمكان، لهذا دأب بعض الباحثين والدارسين على الربط بين الاتفاقيتين وجعلهما اتفاقية واحدة.
إلا أن اتفاقية الصيد البحري هي اتفاقية خاصة بالمغرب فقط، لأنه إذا كانت اتفاقية الشراكة تهم جل دول المتوسط، فإن اتفاقية الصيد البحري تهم فقط المغرب و الاتحاد الأوربي.
وتهدف اتفاقية الصيد البحري إلى تمكين الصيادين الأوربيين من الصيد في المياه الإقليمية المغربية، ويمكن إعطاء أهم ما جاءت به الاتفاقية باختصار شديد في النقط التالية:
-تؤكد الاتفاقية على مبدأ الإفراغ الإجباري في الموانئ المغربية، بالمواد المصطادة من طرف الأساطيل الأوربية ابتداء من السنة الثانية لتنفيذ الاتفاقية، خاصة بالنسبة للرخويات، ويلتزم الطرف الأوربي بمنح حوافز مالية للبواخر الأوربية التي تقوم بإفراغ منتوجاتها إجباريا أو طواعية في الموانئ المغربية( ).
-تعاهد المغرب في هذه الاتفاقية بتحسين البنية الاستقبالية في موانئه وتحديثها.
-تقرر منح المغرب تمويل مالي بقيمة 355 مليون إيكو، تؤدى خلال أربع سنوات بشكل متتالي، كما تقرر حصول قطاع الصيد لبحري على مساعدة مالية في حدود 121 مليون إيكو من اجل إنجاز الالتزامات في ميداني المراقبة والتعاون( ).
كما تضمن الاتفاق مقتضيات تقنية الهدف من ورائها عقلنة النشاط البحري وخاصة توزيع مجهود الصيد البحري بين مختلف الأصناف. كما سيتم توزيع نشاط الصيد البحري بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط بشكل اكثر تكافئا. من جهة أخرى سيتم تحسين استعمال وسائل الصيد البحري وضمان أكبر مرونة ممكنة لها لتدبير القطاع.
عن المحافظة على المجال البحري ضرورة وطنية ودولية في آن واحد، تقتضيها أحكام التعاون. فالموقع الاستراتيجي للمغرب بالنسبة للبحر المتوسط، جعله يلعب دورا مهما خاصة بتوفره على أغنى مجالات الصيد في العالم. وبالتالي فهو مدعو للاستغلال المعقلن لتحقيق التقدم الاقتصادي و الاجتماعي. والمغرب قد صادق على إجراءات مهمة أتى بها قانون البحار لسنة 1982، للمحافظة على الثروات البحرية وصيانتها، ومنها: التجميد المؤقت للاستثمارات- وضع فترات راحة بيولوجية – التقوية المستمرة للبحث العلمي.
عن بواخر الاتحاد الأوربي قد استنزفت الثروات السمكية المغربية بشكل خطير، وظهر مما لا يدع مجالا للشك أن دول الاتحاد الأوربي تبحث عن الربح وتحقيق مصالحها ومصالح مواطنيها دون الاكتراث بالآخر. مما
أدى إلى أن الثروة السمكية المغربية أصبحت مهددة أكثر من وقت سبق، فاتضح الفرق بين الخطاب الأوربي الملفوف بقيم التعاون والتنمية والممارسة الأوربية التي تكشف عن الوجه السلبي والاستغلالي في التعامل مع الشريك الآخر.
كل هذا جعل المملكة المغربية في سنة 1999 توقف اتفاقية الصيد البحري وتمتنع عن تجديدها، رغم ما حصل من ضغوط تعرض لها المغرب من طرف الأوربيين وخاصة الإسبان.
والمغرب حين لجأ إلى توقيف اتفاقية الصيد البحري في نوفمبر 1999 فغن ذلك راجع إلى عاملين: ( ).
-الأساليب المدمرة للثروة السمكية التي يستعملها الصيادون الإسبان مما يهدد المياه الإقليمية باندثار هذه الثروة.
-الشروط المجحفة بالاقتصاد المغربي، فإيراد الدولة من اتفاقية الصيد البحري لا يعادل الثروة السمكية التي يستنزفها الصيادون الأوربيون.
يتضح أن الطرف المغربي رغم قلة إمكانياته فإنه يعمل جاهدا على تحقيق وإنجاز ما تم الاتفاق عليه بينه وبين الاتحاد الأوربي، بينما لا يزال هذا الأخير يتعامل –رغم كل الخطابات والإيهامات- بمنطق مركنتيلي يهدف من ورائه إلى جعل الاتحاد الأوربي قطبا ثالثا للاقتصاد العالمي وقوة سياسية كبرى.

المبحث الثاني: الآفاق المستقبلية للعلاقات الأورومغربية
إن الحديث عن مستقبل العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوربي ينبغي الكثير من الحذر، فلا يعني المر دراسة توقعات أو احتمالات، وإنما سننطلق في هذه الدراسة من أرضية موجودة، في محاولة لتحليلها على ضوء ما تحمله من خصائص للمستقبل الأورومغربي.
لهذا سيتم التطرق لمشروع لإنشاء منطقة للتبادل الحر الأورومغربية في أفق سنة 2010، ثم التطرق لما يسمى “خطة العمل لسياسة الجوار” التي اقترحها الاتحاد الأوربي.

المطلب الأول: منطقة التبادل الحر: رهان وتحدي
تعرف المادة 24 من اتفاقية الغاط منطقة التبادل الحر بكونها مجموعة مكونة من إقليمين جمركيين أو اكثر، حيث يتم إلغاء الحقوق الجمركية وباقي التنظيمات التجارية المقيدة في وجه المبادلات التجارية المتعلقة بالمواد الأولية الأصلية داخل الأقاليم المؤسسة لمنطقة التبادل الحر.
وتتوقع اتفاقية الشراكة لسنة 1996 إحداث منطقة للتبادل الحر بين المغرب و الاتحاد الأوربي في أفق سنة 2010 وذلك وفقا لمقتضيات الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفة الجمركية.
لكن مدة 12 سنة تبقى غير كافية لتاهيل المغرب لخوض رهان منطقة التبادل الحر. فمؤشر التنمية البشرية يعكس بشكل واضح أنه في حدود سنة 2010 لا يمكن تذويب الفروق الحاصلة بين بلدان الاتحاد الأوربي و المغرب. إن إحداث منطقة للتبادل الحر من طرف الاتحاد الأوربي مع اكثر من شريك ليس في حقيقة الأمر سوى تكييف للسياسة الخارجية الأوربية مع المناخ الدولي.
عن منطقة التبادل الحر كما عبر عنها السيد فتح الله ولعلو في اكثر من مناسبة تبقى “رهان خطير ولكنه ضروري”. فهي تشكل تحديا للاقتصاد المغربي، وفرصة للدفع بعجلة التنمية شريطة العمل من اجل النهوض بالاقتصاد والمجتمع الوطني.
وأولى التحديات تتجلى في مدى قدرة الاقتصاد المغربي على ارفع من تنافسية منتجاته في الأسواق الخارجية. والمغرب إن أراد أن يخوض غمار التجرية المتوسطية (الشراكة الأورومتوسطي) وكذا الاستعداد الجيد للمشروع الجهوي، (منطقة التبادل الحر) فإن عليه إعادة هيكلية شاملة لنسيجه الاقتصادي قصد تامين وإنجاح هذه المرحلة الانتقالية في مساره نحو الانفتاح الشامل على الاقتصاد العالمي.
المر الذي يتطلب توفير عدة شروط كفيلة بخلق ظروف ملائمة، وأهمها سيكون تعزيز عمليات التصدير وتحقيق الديمقراطية وكفاءة اليد العاملة، وتسهيل تداول الاستثمارات الخاصة والعامة، وكذا تأهيل المقاولة المغربية.
و هذا يتطلب من الدولة المغربية تهييء المناخ الملائم لاستقطاب رؤوس الموال الأجنبية ويتطلب من أوربا تقديم المساعدة الكافية، وسعيا وراء إقامة مكنطةق للتبادل الحر الأورومغربية، تم تبني برنامج التنمية المتوسطية meda، و الذي سيكون بمثابة الأداة المالية الرئيسية للتجسيد الحقيقي لمنطقة التبادل الحر، وقد بلغت الاعتمادات المالية حوالي 450 مليون إيكو ( ).
إن منطقة التبادل الحر كمكون لشراكة جديدة تمنح فرصة إعطاء العلاقات بين الركاء دينامية في الأمد البعيدن لكن وبالرغم من القفزة النوعية التي تشهدها علاقة المغرب مع الاتحاد الأوربي في الوقت الحاضر فإن المغرب لم يكن راضيا عن نتائج هذه الشراكة.
وهذا ما سيدفع الاتحاد الأوربي للبحث عن صيغ جديدة للتعاون مع المغرب، وقد بدأ ذلك يلوح في الأفق من خلال سياسة الجوار الجديدة التي خلفها الاتحاد الأوربي.

المطلب الثاني: خطة العمل لسياسة الجوار: نحو اتفاق “الجوار”
تقدم صاحب الجلالة الملك محمد السادس سنة 2000 بمبادرة بشأن العلاقات الأورومغربية، تهدف إلى إعطاء المغرب وضعا متقدما يكون أكثر من الشراكة وأقل من انضمام الاتحاد الأوربي.
وخلال الدولة الثالثة من مجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوربي، تم الاتفاق على تكوين سبع لجن قطاعية فرعية تهم مجالات جديدة مرتبطة بخلق تقارب مع البنية التشريعية الأوربية وتطوير التعاون الاقتصادي وتعزيز الحوار السياسي ويتعلق الأمر بما يلي: الفلاحة والصيد البحري –التجارة والصناعة والخدمات – النقل والطاقة والبيئة – السوق الداخلي – الابتكار والبحث العلمي – حقوق الإنسان والدمقرطة والحكامة ( ).
ولهذا يعمل حالية المغرب و الاتحاد الأوربي على إعداد مخطط عمل يتوفر على الآليات الملائمة لتنفيذه خاصة و أن سياسة الجوار الجديدة لأوربا الموسعة تتجاوب مع الاقتراح المغربي.
لقد ولى الاتحاد الأوربي وجهه صوب الشرق، محتضنا الوافدين الجدد الذين رفعوا رقم أعضائه إلى 25 عضو، غير أن مخططاته التي عكست ما يسميه الاتحاد الأوربي بسياسة الجوار مع الدول غير العضوة، هدف إلى تحقيق أهداف أساسية يحرص الاتحاد الأوربي على بلوغها، ويأتي في مقدمتها الأمن والاستقرار في المنطقة وتحقيق الرخاء.
وقد استندت أجهزة القرار الأوربي إلى دراسة مفصلة وتعليل شامل لوضعية المغرب السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية، ورصدت في تقرير رسمي مداخل الدولة المغربية ونقاط قوتها وضعفها.
واعتمد التقرير المقدم إلى المفوضية الأوربية في ماي 2004 و الذي صدر تحت عنوان: “سياسة الجوار الأوربي: حالة المغرب”، على معطيات وأرقام رسمية للمصالح الحكومية في المغرب. وتصدر هذا التقرير تقديم مطول عهن تاريخ العلاقات الأورومغربية ( ).
وقامت اللجنة الأوربية في تعاون وثيق مع الرئاسة والممثل الأعلى في القضايا المتعلقة بالتعاون السياسي و السياسة الخارجية والأمن والتعاون، بمحادثات استطلاعية مع المغرب أفضت إلى مشروع مخطط العمل. وهو المخطط الذي يمتد من 3 إلى 5 سنوات وقد صادق المجلس الأوربي يوم 17 دجنبر 2004 على مخطط العمل الذي يعد خطوة متقدمة في العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوربي( ).
إن توسيع الاتحاد الأوربي الذي صار واقعا قائما ابتداء من فاتح ماي 2004، غير من المعطى السياسي والجغرافي والاقتصادي والاجتماعي في الاتحاد الأوربي تغييرا عميقا، مانحا بذلك فرصة سانحة لتوطيد وتعميق العلاقات مع الدول المحادية للاتحاد الأوربي شرقا وجنوبا. وتهدف السياسة الأوربية للجوار هذه إلى اقتراح تعميق العلاقات السياسية ودرجة أعلى للاندماج الاقتصادي.
وقد حددت سياسة الجوار الأوربي أهدافا طموحة مبنية على الارتباط المتبادل بالقيم المشتركة، تهم الديمقراطية ودول الحق والقانون والحكامة الراشدة واحترام حقوق الإنسان ومبادئ اقتصاد السوق، والتبادل الحر والتنمية المستدامة وتقليص الفقر، وتطيق الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمؤسساتية، والتعاون عبر الحدود والمسؤولية المشتركة من أجل إقامة منطقة للسلم والاستقرار بما فيها تدبير الأزمات والوقاية من النزاعات في المنطقة وحلها ضمن هذه السياسة الأوربية للجوار.
ويشكل التقارب مع أوربا بالنسبة للمغرب اختيارا أساسيا في السياسة الخارجية، وستسمح سياسة الجوار للمغرب بتكريس تجذر استراتيجي لهذا الاختيار على قادة الالتزامات المتبادلة وتشجيع البعد الإقليمي وشبه الإقليمي لا سيما في إطار المسلسل الأورومتوسطي. وسيدفع مخطط العمل هدف المغرب باندماج أقوى للبنيات الاقتصادية المغربية في البنيات الأوربية .
وتمنح خطة العمل لسياسة الجوار آفاقا جديدة للشراكة( ):
-حيث تمنح آفاق التطور ما وراء العلاقات الموجودة نحو درجة دالة في الاندماج بما في ذلك منح المغرب مساهمة في السوق الداخلية للاتحاد الأوربي إضافة إلى إمكانية المشاركة التدريجية في الجوانب الأساسية لسياسات وبرامج الاتحاد.
-غمكانية تلاقي التشريع الاقتصادي وانفتاح الاقتصاديات فيما بينها، مع التقليص المستمر للحواجز التجارية التي ستحفز على الاستثمار والنمو.
-دعم مالي متزايد، حيث سيمنح الاتحاد الأوربي مساعدة مالية من اجل مواكبة اتفاقية الشراكة في كل جوانبه، ودعم تنفيذ الأنشطة المحددة في مخطط العمل، كما أن البنك الأوربي للاستثمار سيقدم أيضا دعما للاستثمار في مجال ابنية التحتية وتنمية القطاع الخاص والشراكة، في إطار التسهيلات الأورومتوسطي للاستثمار والشراكة.
-فتح تدريجي أو مساهمة متزايدة في بعض الهيئات والبرامج الأوربية، ولا سيما في المجالات التي يشملها مخطط العمل.
-إقامة حوار بناء حول قضية التأشيرة “الفيزا” بين المغرب والاتحاد الأوربي يضم تسهيلات في الحصول على التأشيرة مع الحفاظ على المكتسبات.
-تقوية التعاون المباشر بين الإدارات التي تشارك في اللجن الفرعية الموضوعاتية الممأسسة..
وقد أوضح السيد الطيب الفاسي الفهري الوزير المنتدب في الشؤون الخارجية و التعاون، أن خطة العمل لسياسة الجوار ترتكز في جوهرها على تكثيف وانتظامية الحوار السياسي والاستراتيجي والأمني، وتبادل الخبرات وتعزيز التعاون في الميادين الاقتصادية والتجارية والمالية، وتدعيم المجال الثقافي والعلمي والتواصل بين المجتمع المدني. وأكد السيد الوزير أن خطة العمل تمكن من ولوج برامج أوربية ستمنح العضوية للمغرب في بعض الأجهزة الأوربية تساعد على تبوء مكانة متميزة في منطقة البحر المتوسط( ).
وبناء على إنجاز هذا المخطط والتطور العام في العلاقات الأورومغربية تكون هناك إمكتانية علاقة تعاقدية جديدة ممكنة. وقد دعت اللجنة الأوربية إلى أن تتخذ شكل اتفاقية أوربية للجوار، وقد عبر المغرب من جهته عن دعمه لما طرحته اللجنة. وبالتالي قد يصبح الحديث عن بديل أو مكمل لاتفاقية الشراكة، في شكل اتفاقية جديدة ستحمل على الأرجح اسم “اتفاق الجوار”.
لقد دأب الاتحاد الأوربي عند كل توسيع على اللجوء إلى إعادة قراءة علاقاته مع محيطه الأورومتوسطي، وهذا ما أوحى في ظل التحاق عشرة بلدان جديدة إلى حظيرة الاتحاد، إلى البحث عن صيغة جديدة تحدد علاقاته المستقبلية مع البلدان المحيطة به.
وتعني سياسة الجوار على السعيد الواقعي أن الاتحاد الأوربي قد توسع بما يكفي ولم يعد راغبا أو قادر على الاستجابة لطلبات الانضمام التي قد تأتيه من بعض البلدان التي توجد في أوربا الشرقية أو تلك لتي تطل عليه من البحر المتوسط( ).
ويبدو أن الاتحاد الأوربي يحاول من خلال مخططات سياسة الجوار استباق التحولات الاقتصادية و السياسية والأمنية التي يمكن أن يفضي إليها توسعه. غير أنه يظل حريصا على ضمان حدود آمنة تقيه موجات الهجرة والجريمة المنظمة وتحفظ مناصب الشغل التي يوفرها لمواطنيه.
لكن هل يفتح الاتحاد الأوربي آفاقا جديدة أمام دول المتوسط ويمنحها فرصا للرخاء الاقتصادي والاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي؟
خاتمة البحث :
إذا كانت دول أوربا قد استطاعت هدم جدار برلين وإعلان الوحدة الألمانية ومن خلالها الوحدة الأوربية، فإن الممارسة في غطار علاقات أوربا مع دول جنوب المتوسط تظهر أن الاتحاد الأوربي يبني جدار برلين آخر في المتوسط.
إن الاختلالات التي تزعم أوربا بانها تريد تصحيحها من اتفاقية لأخرى بين الاتحاد الأوربي والمغرب (ونفس الشيء بالنسبة لباقي دول الجنوب المتوسط)، غنما تزداد هذه الاختلالات وتزداد الهوة بين الطرفين ومن خلالها الهوة بين شمال وجنوب المتوسط.
عن اتحاد المغرب العربي يظل احد الحلول واحد المنافظ التي ستمكن المغرب (وكذا الدول المغاربية) من النهوض باقتصاده ومواجهة تحديات العولمة وتحدجيات التةوسع الأوربي وسيمكن المغرب من تعزيز قوته التفاوضية خاصة اتحاه الاتحاد الأوربي.
كما أن مشروع منطقة التجارة العربية الذي دخل حيز التنفيذ مع فاتح يناير 2005 يعتبره المراقبون أكبر حدث اقتصادي في العالم العربي خلال الخمسين سنة الماضية. والاتفاقية المنشئة للسوق العربية المشتركة تقضي بإلغاء الرسوم الجمركية بنسبة 100 % بين الدول الأعضاء بشرط أن تكون المنتجات ذات منشأ عربي. وستوفر هذه الاتفاقية نوعا من التوازن بين التكامل الاقتصادي العربي من خلال فتح الأسواق العربية والانفتاح على الاقتصاد العالمي.
من جهة أخرى فإن توقيع المغرب لاتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وغيرها من الدول، يؤكد عزم المغرب نهج سياسة اقتصادية منفتحة، وعزمه على مواجهة تحديات الغد التي لا مفر منها، وهو بتوقيعه على هذه الاتفاقيات يدعم استراتيجية تنوع الشركاء الاقتصاديين والبحث عن أسواق جديدة تحميه من الاستغلال والاحتكار الأوربي.
-إن ضرورة تأهيل المغرب ليس فقط اقتصاديا ولكن أيضا سياسيا والأهم ثقافيا، لأن قوة المجتمع تقاس بعلمه ومعرفته، فالقوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية… تصنعها قوة واحدة وهي القوة المعرفية العلمية.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *