توسيع مجال التعاون في اتفاقية التعاون لسنة 1976 مع الإتحاد الأروبي

العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوربي: “في مرحلة ما بعد انهيار جدار برلين”
القسم الأول: العلاقات بين المغرب و المجموعة الاقتصادية الأوربية
الفصل الثاني: محدودية العلاقة بين المغرب والمجموعة الأوربية
إن الاتفاقيات التي ربطت المغرب مع المجموعة الأوربية خلال فترة الحرب الباردة لم تكن عموما في صالح المغرب لأن العوامل التي بلوزرت هذه الاتفاقيات كانت أقوى من إرادة المغرب، الذي أراد من هذه الاتفاقيات تقوية اقتصاده والاستفادة من الاستثمارات الأوربية.
وإذا كان المغرب طرفا يتمتع بكامل سيادته واستقلاله على المستوى النظري، فإنه عمليا كان طرفا مسلوب الإرادة ويعيش حالة تبعية اقتصادية خلفها االاستعمار الذي لم يكن ليتحلى عن المغرب (استعماريا) لولا تثبيته لعلاقات استغلال وتبعية تربط المغرب بتلك الدول الاستعمارية.
إن منطق الولاء السياسي الذي تعاملت به المجموعة الأوربية عمل على خلق اتفاقيات تتضح مع مرور الوقت جوانبها السلبية أكثر من تلك الإيجابية.
وهذا الوصف السلبي لهذه العلاقة يمكن استخلاصه من مضمون اتفاقيات الشراكة والتعاون لسنتي 1969و 1976. وقد كان طبيعيا أن تحمل هذه الاتفاقيات على اختلاف مضمونها وعلى اختلاف درجة استفادة المغرب منها، طابعا واحدا يمكن التعبير عنه في جملة واحدة: “محدودية العلاقة بين المغرب والمجموعة الأوربية”، لأن هذه الاتفاقيات وبكل بساطة انطلقت من خلفية ورؤية واحدة.
فكما يظهر من الاستقراء السطحي لمضمون الاتفاقيات التي ربطت بين الطرفين فإن العلاقات بينهما ميزتها ميزة أساسية ومركزية، إلا وهي أنها علاقات ميركنتيلية تجارية صرفة.
إن العوامل المؤثر على علاقة المغرب والمجموعة، كلها عوامل متداخلة وتمرابطة تمازجت مع بعضها البعض لتضفي تلك الصبغة الخاصة على العلاقات بينهما. ولهذا وجب التطرق لمضمون تلك الاتفاقيات لتأكيد أو لنفي الصفات والسلبيات التي تم بها نعت تلك العلاقة بين الطرفين.
هكذا إذن سيتم تقسيم هذا الفصل إلى مبحثين: المبحث الأول: سيوضح مظاهر المحدودية من خلال اتفاقية الشراكة لسنة 1969، والمبحث الثاني سيوضح مظاهر المحدودية من خلال اتفاقية التعاون لسنة 1976.

المبحث الأول: محدودية اتفاقية الشراكة لسنة 1969.
بطلب من المغرب انطلقت المفاوضات من اجل التعاون بين المغرب والمجموعة الأوربية كان هو الأول من نوعه بين الطرفين. وفي سنة 1969 تم التوقيع على هذه الاتفاقية التي كانت محددة بالزمن والمجال، حيث أن مدتها محصورة في خمس سنوات، وكذلك في أن مجال تدخلها يقتصر على الجانب التجاري، فرغم تسمية الاتفاق بالشراكة فهذه التسمية ليست إلا وصفا دبلوماسيا.
عن وصف هذه الاتفاقية بالمحدودية يمكن التعبير عنه من نقطتين: محدودية مرتبطة بالاتفاق نفسه، ومحدودية من خارج الاتفاق.

المطلب الأول: المحدودية المرتبطة باتفاقية الشراكة
إذا كان اتفاق الشراكة لسنة 1969 قد هدف إلى إقامة أول إطار للتعاون المغربي الأوربي، فإنه لم يستطع التخلص من الطابع التجاري المحض. فهو اتفاق جزئي محدد في التبادل التجاري ولا يتضمن أحكاما مرتبطة بالإشراف التقني والمساعدة المالية، وحركة اليد العاملة، كما أن مدته محددة في خمس سنوات، من جهة أخرى فإن دائرة تطبيق الاتفاق ضيقة جدا لن بعض البضائع فقط هي لتي يشملها الاتفاق، فالبواكر والفلين وهما من أهم الصادرات المغربية لا يدخلان ضمن الاتفاق، كما أن الخمور والحبوب –باستثناء القمح الصلب- لا يستفيدان من أية أفضلية داخل السوق الأوربية( ).
وبخصوص القكاع الصناعي فالمنتجات الفلاحية المصنعة لتي لا تستجيب إلى التعريف الذي أعطته معاهدة روما للمنتجات الصناعية ، لا يمكنها الاستفادة من الأفضليات الممنوحة لهذه المنتجات داخل السوق الأوربية. فهنا نوجد أمام تقييد صارم لإمكانية التصدير المغربية، هذا في الوقت الذي تمثل في المنتجات المغربية الفلاحية المحولة ومنتجات الصيد البحري 10 % من الصادرات المغربية، بينما المنتجات الصناعية المطابقة لمنتوج المجموعة لا تمثل سوى 8% من صادراته( ).
وحتى بالنسبة للمنوجات ذات الطبيعة الصناعية المحضة والتي تعتبرها المجموعة صناعية، فإن المحدودية تشملها أيضا، فهذه المنتوجات تكون مقبولة عند استيرادها من المجموعة بدون قيود كمية وبإعفاء من حقوق الجمرك والرسوم المماثلة بشرط أن تكون 50 % من المواد الأولية الأصلية مصدرها المغرب أو السوق الأوربية المشتركة. بالإضافة إلى ذلك فالمنتوجات التي تتضمنها معاهدة المجموعة الأوربية من فحم والفولاذ والمنتوجات المصنعة من الفلين لا يمكنهما أن تستفيدا من نظام لتعريفة التفضيلي( ).
كما أن الامتيازات المحدودة جدا والتي يستفيد منها عدد محدود من المنتوجات الفلاحية يفسر كلك بالسياسة الحمائية في الميدان الفلاحي المطبقة من طرف المجموعة الأوربية.
من خلال هذه الأمثلة يتضح لنا جليا محدودية الاتفاقية، بل وكلما تم الخوض في تفاصيل وجزئيات هذه الاتفاقية إلا ووجدنا صفة المحدودية تزداد اكثر واكثر.
إن المجموعة الأوربية كانت خلال تلك المرحلة في طور بناء اتحادها، كانت ترغب فقط في جمع نقط القوة واستغلال نقط الضعف التي تساعدها في أن تصبح قوة اقتصادية عالمية.
كما أن المجموعة كانت ترغب في إقامة شراكة مع المغرب أو بالأحرى تقنين التبادل التجاري معه، وذلك تن اجل التناغم مع مقتضيات معاهدة روما المعبر عن مصالح دولة أو إحدى دول هذه المجموعة، فالمادة 238 من معاهدة روما المنشئة للمجموعة تمنح الحق لها في إبرام اتفاقات مع دول غير أو اتحاد دول أو منظمة دولية بغرض خلق شراكة تكون محددة من خلال الحقوق والواجبات.
عن المغرب وجد نفسه مضطرا لن يقبل مجموعة من الشروط التي تقدمت بها لجنة المجموعة الأوربية إلى المغرب قبل توقيع اتفاقية الشراكة لسنة 1969، هذه الشروط شكلت مكونات اتفاقية الشراكة وبالتالي فإن الاتفاقية كرست هيمنة والتفوق واضح للمجموعة على حساب المغرب من أول مرحلة في إبرام الاتفاقية، (المفاوضات) إلى آخر مرحلة (تطبيق الاتفاقية).
من هنا يتضح لنا أن محدودية اتفاقية الشراكة برزت بشكل جلي من خلال مضمونها. إلا أن هناك مجدودية جاءت هذه المرة من خارج اتفاقية الشراكة لسنة 1969.

المطلب الثاني: المحدودية المرتبطة بالظروف الاقتصادية و السياسية للطرفين:
وهي على ثلاثة أنواع: التباين الحاصل في البنيات الاقتصادية للطرفين من جهة، ومن جهة ثانية وجود نظام حمائي صارم يعطي أسبقية للمنتوجات الأوربية على ما عداها، ومن جهة ثالثة وجود معاملة تفضيلية من قبل المجموعة لفائدة بلدان تعتبر منافس قوي للمغرب الشيء الذي يحد من فعالية الاتفاق على مختلف المستويات( ).
بخصوص النوع الأول: يلاحظ أن هناك تباين في البنيات والهياكل المتقدمة لأوربا والهياكل المغربية المتخلفة والتقليدية. فاتفاق الشراكة لسنة 1969 ضم كيانين لهما سيادة مطلقة ومتساويين من زاوية القانون الدولي العام ، إلا أنه وأمام هذه المساواة النظرية تظهر عدم المساواة الفعلية على مستوى الاقتصادي.
ف المجموعة الأوربية لها بنيات معقدة رأسمالية ترغب في تكوين قوة اقتصادية ثالثة ، مقابل المغرب البلد السائر في طريق النمو، الذي يغلب على بنياته الاقتصادية الطابع الفلاحي وتهيمن عليه القوى الأجنبية من خلال العلاقات التجارية والمالية.
ولهذا فإن المنتجات الصناعية المغربية لا تحظى بإقبال داخل السوق الأوربية حيث نجد المنافسة أكثر وضوحا فترتسم محدودية واقعية بسبب المعطيات الهيكلية.
رغم هذا الاختلاف الكبير في بنية الطرفين فإن المجموعة ظلت متمسكة بتطبيق مبدأ مماثلة الامتيازات باعتباره الأساس الأول لتنظيم علاقاتها مع البلدان الشريكة ومنها المغرب. فالمبدأ بصفة عامة أن الامتيازات الممنوحة إلى البلدان الشريكة تعرف مقابلا موازيا.
اما بخصوص النوع الثاني من المحدودية فيتجلى في النظام الحمائي للفلاحة داخل المجموعة الأوربية، حيث أن السياسة الفلاحية للمجموعة عنصر أساسي في سياسة الاندماج الأوربي، فهذه السياسة تهدف إلى التنسيق بين الهياكل الفلاحية للدول الأعضاء وإعطاء الأسبقية للمنتوجات الأوربية من أجل بلوغ الاكتفاء الذاتي الأوربي في الميدان الفلاحي. وبالتالي فإن نظام الحماية الفلاحية للمجموعة يظل قاعدة تحد من أبعاد تطور الصادرات المغربية بينما هذا التطور يعتبر الهدف الأسمى الذي يرمي إليه عبر نظام التعريفة التفضيلية الذي يستفيد منه المغرب.
وبخصوص النوع الثالث من المحدودية فهو متنعلق بما يمكن تسميته بجهوية المجموعة الاقتصادية الأوربية. فالبحث عن سياسة تجارية متوازنة في حوض البحر المتوسط يقود المجموعة إلى منح بعض الدول الغير الشريكة والمحادية للبحر المتوسط امتيازات تعريفية موازية لتلك البلدان التي تعتبر شريكة لها.
هكذا وأثناء التوقيع على اتفاقية الشراكة مع المغرب (وحتى مع تونس) منحت المجموعة تخفيضا تعريفيا يقدر ب 40 % لفائدة الحوامض الآتية من إسبانيا وإسرائيل، و 50 % لتلك الآتية من تركيا( ). هذه المحاولات ترمي إلى إيجاد توازن جهوي للمجموعة ولكنه يحد من مدى الأفضليات المتفقة عليها لفائدة المغرب.
إن هذا العجز والنقص الحاصل في اتفاقية الشراكة لسنة 1969، والذي تبلور من خلال مضمون الاتفاقية نفسها ومن خلال ظروف اقتصادية وسياسية مرتبكة بالمغرب و المجموعة الأوربية، جعل هذه الاتفاقية لا تحقق التعاون المنشود، وبعيدة كل البعد عن تسميتها “الشراكة”، وتظل الاتفاقية جد محدودة وغير قادرة على تأطير علاقات تعاونية بين الطرفين.
لهذه الأسباب ونظرا لضعف مردودية اتفاقية الشراكة، فقد كان من الضروري إعادة النظر في هذه الاتفاقية من اجل إقامة علاقات متوازين بين المغرب والمجموعة الأوربية. وفي محاولة منها لتجاوز سلبية هذه الاتفاقية وقعت المجموعة مع المغرب اتفاقا جديدا يرمي إلى سد ثغرات الاتفاق السابق.
وهكذا تم التوقيع على اتفاقية التعاون لسنة 1976، إلا أن هذه الاتفاقية عقبتها اتفاقية تعبر جزءا لا يتجزأ من اتفاقية التعاون ألا وهي اتفاقية المواءمة لسنة 1988.
فهل استطاعت اتفاقية التعاون لسنة 1976 تحقيق تعاون حقيقي بين الطرفين أم أنها ورغم توسيع مجالات تدخلها ظلت هي الأخرى متسمة بصفة المحدودية.

المبحث الثاني: توسيع مجال التعاون في اتفاقية التعاون لسنة 1976.
بعد أن أبنت اتفاقية الشراكة لسنة 1969 عن عجزها وقصورها في خلق تعاون اقتصادي حقيقي بين المغرب والمجموعة الأوربية، وبعد أن أصبح فكرة الشراكة –كما تم تصورها- فكرة متجاوزة تم تبني فكرة التعاون لتوسيع مجال العلاقات بين المغرب و المجموعة.
إلا أن اتفاقية التعاون هي الأخرى اتسمت بالمحدودية، بل إنها كانت اكثر سلبية مما أدى بالمجموعة إلى محاولة مواءمتها مع الظروف والتحولات التي عرفها عقد الثمانينات (انضمام إسبانيا والبرتغال إلى حظيرة المجموعة الأوربية، اشتداد التدابير الحمائية للمنتوجات الزراعية…) وذلك بإضافة برتوكولين إلى اتفاقية التعاون.

المطلب الأول: محدودية اتفاقية التعاون لسنة 1976.
نصت المادة 14 من اتفاقية الشراكة لسنة 1969 على إمكانية إعادة فتح المفاوضات بين الطرفين على اكثر تقدير منذ بداية السنة الثالثة التي تلي تطبيق الاتفاقية، بغرض إبرام اتفاق جديد يقوم على أسس موسعة ويدمج في إطار مقترب متوسطي للمجموعة الأوربية حيث يشمل بلدان المغرب العربي الثلاث (تونس، الجزائر، المغرب) وتوصل الطرفان إلى إبرام اتفاقية التعاون بالرباط بتاريخ 27 أبريل 1976 إلا أنها لم تدخل حيز التنفيذ غلا في فاتح نونبر 1978 ( ).
ويضم الاتفاق أربع مجالات للتعاون:
القطاع التجاري، حيث يهدف التبادل التجاري حسب المادة 8 من اتفاقية التعاون إلى النهوض بالمبادلات التجارية بين الطرفين مع مراعاة مستوى تنميتها وضرورة تبادل أحسن في مبادلاتها، مع تنشيط الحركة التجارية بالمغرب.
آما بالنسبة لقطاع الفلاحي فقط استفادت الصادرات المغربية بمقتضى هذه الاتفاقية من تخفيضات جمركية تتراوح بين 20 % و 100%( ).
وبخصوص التعاون المالي والتقني فإنه وفي هذا الإطار الجديد من التعاون تم تحديد المبادئ المتعلقة بالتعاون المالي والتقني (مبدأ التشاور، مبدأ عدم التمييز…) والجهات المستفيد من المبالغ الممنوحة: دولة المغرب، الخيئات العمومية للتطوير، الهيئات الحرة التي تعمل عل التطوير الاقتصادي للمغرب، الأشخاص المعنويون، تجمعات المنتجين، أصحاب المهن والمتدربون المغاربة، إضافة إلى كل شخص ذاتي أو معنوي يمكنه الاستفادة من المساعدة المالية والتقنية شريطة أن تضمنه دولة المغرب.
وقد تم إبرام ثلاث برطوكولات مالية بين المغرب و المجموعة، تم بموجبها منح مبالغ مالية للمغرب.
أما المجال الرابع و الذي يمكن تسميته مجازا: المجال الاجتماعي، فقد اقتصار التعاون في هذا المجال على بعض المبادئ المتعلقة بالعمل ذوي الجنسية المغربية والعاملين بتراب المجموعة وكذلك نظائرهم الأوربيون الموجودون بالمغرب.
ولكن ورغم الطابع الشمولي للاتفاقية فإنها لم تنعكس إيجابا على الاقتصاد المغربي وذلك راجع لسببين:
-الكساد الاقتصادي الذي عرفته أوربا، وتفشي البطالة وتراجع الإنتاج مما أثر على المساعدات المالية التي تقدمها المجموعة للمغرب.
-غياب أي تنسيق بين دول المغرب العربي مما يؤثر على القوات التفاوضية لهذه الدول مقابل شمولية السياسة المتوسطية التي وضعها الأوربيون.
فهذه الاتفاقية عرفت بدورها عدة نقائص، فهي تتضمن بنودا حمائية تضعف قوتها وتجعل المستفيد الأول منها فيما يخص التعاون التجاري هو المجموعة الأوربية. فالصادرات المغربية للمنتوجات الفلاحية عرفت تناقصا كبيرا بسبب التدابير التي نهجتها المجموعة الأوربية في إطار السياسة الحمائية للسوق الأوربية المشتركة، حيث انخفضت من 56% 1970 إلى 39.9% سنة 1979، في حين ارتفعت الواردات من منتوجات الفلاحة الغذائية في نفس الفترة من 9.5% إلى 13.4% ( ).
كما أدخلت ضمن اتفاقية التعاون لسنة 1976 تحديدات كمية، ومن جهة اخرى فغن المستوى المفرط للأسعار المرجعية إلى جانب السقف الزمني لدخول المنتوجات المغربية إلى السوق الأوربية أديا إلى نزول منتظنم لصادرات المغرب من الطماطم نحو السوق الأوربية.
وهناك معطى اقتصادي ساهم في فشل التعاون التجاري، وهو أن سياسات التعديل الهيكلي التي ينهجها المغرب تخضع لوصاية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتعمير والتنمية دون أن يكون للمجموعة الأوربية أي دخل فيها( ).
من جهة أخرى فإن المساعدات المالية التي تمنحها المجموعة للمغرب تبقى متواضعة بالمقارنة مع حجم المساعدات الإجمالي الذي تقدمه المجموعة. كما أن المبالغ التي تمنحها المجموعة الأوربية في إطار التعاون المالي تبقى ضعيفة: (155 مليون دولار للمغرب على امتداد 9 سنوات) خصوصا عند مقارنتها مع المبالغ التي تمنحها الولايات المتحدة الأمريكية في نفس المجال (463 مليون دولار).
وكمثال آخر فإن المساعدات العمومية للتطوير التي تمنحها دول الأوبيك للمغرب تفوق 17 مرة المساعدات التي تمنحها المجموعة الأوربية.
وهكذا اكتست اتفاقية التعاون لسنة 1976 طابعا سلبيا خاصة بالنسبة للجانب المغربي، وبدل تطويل التجارة المغربية وتنمية الاقتصاد المغربي عملت الاتفاقية على تقليص حجم الصادرات المغربية وزيادة حجم الواردات.
لكن الاتفاقية ستصبح اكثر محدودية واكثر سلبية بالنسبة للمغرب مع ظهور ظروف وتحولات جديدة في بداية الثمانينات، ويتعلق المر بانضمام إسبانيا والبرتغال إلى المجموعة الأوربية، واشتداد التدابير الحمائية الأوربية للمنتوجات الزراعية، هكذا تمت مواءمة اتفاقية التعاون مع هذه الظروف وذلك بإبرام برتوكولين أحدهما مالية والآخر تجاري سنة 1988.

المطلب الثاني : مواءمة اتفاقية التعاون لسنة 1976.
بالنسبة للقطاع التجاري تجدر الإشارة إلى أن المجموعة الأوربية اعتبرت أن اتفاقية التعاون تخول المنتوجات الصناعية الدخول الحر والإعفاء الكامل من حقوق الجمارك داخل السوق الأوربية، وتبعا لذلك فإن البروتوكول التجاري لم يتطرق لهذا النوع من المنتوجات بل اكتفى بالمنتوجات الفلاحية التي منحت عدة امتيازات.
أما بخصوص التعاون المالي والتقني فقد تم التوقيع على بروتوكول مالي بعد عدة مشاكل أثارها، حيث أن البرلمان الأوربي رفض هذا البروتوكول ولكنه قبله بعد قراءة ثانية، إلا أن المغرب رفضه بسبب هزال المبالغ المقررة وما تحمله من إهانة الصيغة التي استعملها البرلمان الأوربي: “المغرب يعرف نقصا في مجال الديمقراطية ولا يحترم حقوق الإنسان ويرفض إجراء استفتاء في الصحراء”. صيغة غريبة في وقت كان ينادي فيه المغرب منذ 1981 بإجراء استفتاء وفي وقت اتخذت فيه إجراءات مشجعة في يمدان حقوق الإنسان.
وقد كان هذا البرتوكول المالي هو الرابع بين المغرب و المجموعة، ووصلت القيمة المالية لهذا البروتوكول إلى 438 مليون إيكو أي حوالي 4860 مليون درهم، بزيادة قيمتها 35 % عن البروتوكول المالي الثالث( ).
هذه المواءمة عن طريق هذين البروتوكولين استهدفت الحفاظ على امتيازات المغرب وتحسين الفوائد الموجودة. لكن اتفاق المواءمة ظل يعتريه نقص كبير، من ذلك أن الاتفاق لم ينظم الصادرات المغربية الصناعية بدعوى صلاحية اتفاقية التعاون لهذا النوع من المنتوجات، ناسية أو متناسية التأثير السلبي الذي سيلعبه توسع المجموعة على الصادرات الصناعية المغربية، خاصة النسيجية والجلدية.
ومن بين المظاهر السلبية في الاتفاق نجد أن المجموعة الأوربية رفضت التنازل عن الإجراءات التشريعية التي تحاول من خلالها تقديم الدعم والعون للفلاحين الأوربيين، مما يشكل تهديدا حقيقيا للصادرات المغربية.
من ناحية اخرى فإن الصعوبات المتعددة التي واجهت الاقتصاد المغربي في حقبة الثمانينات لم تسمح له بتوظيف مضمون الاتفاقية مع المجموعة لصالحه، زيادة على وجود مشاكل داخلية مثل مشكل المديونية الخارجية.
إن الإطار القانون الناتج عن مختلف الاتفاقات المبرمة خلال فترة الحرب الباردة بين المغرب و المجموعة الأوربية لم يكن كافيا في مختلف الأحوال سواء لتنويع المبادلات الخارجية وتنميتها أو لتقليص نسبة العجز التجاري، وبعبارة أخرى فهذه الاتفاقيات لم تسفر نتائج تطبيقها عن ضمان التوازن الاقتصادي اللازم للجهود التي يبذلها بلد نام كالمغرب لتحقيق أغراض التنمية.
ف المجموعة تحظى بمركز ممتاز ومهيمن في بنية التجارة الخارجية المغربية، مما يعني أن المغرب يولي لعلاقاته مع المجموعة أهمية بالغة، وينفذ التزاماته إزاءها بالشكل الذي يعمل على تعزيز علاقاتهما، بينما الطرف الأوربي تظل طبيعة التعاون التي ينهجها كاستراتيجية في التعامل الدولي هي حماية المصالح الاقتصادية والسياسية للمجموعة، واعتبارهما مسألة حيوية بالنسبة لمستقبلها دون النزر لما قد تخلفه هذه السياسة من آثار سلبية مع الذين يتعاملون معها.
إن العلاقات التعاونية بين المغرب والمجموعة الأوربية على امتداد فترة الحرب الباردة كرست تبعية اقتصادية بل وسياسية للمغرب تجاه المجموعة. وبدل أن يستفيد المغرب من هذا الإطار التعاوني من اجل تنمية اقتصاده، استفادا المجموعة وقوت نفوذها واقتصادها على حساب المغرب. وتم بالتالية استنزاف خيرات المغرب الذي تعتبره المجموعة شريكا لها، فعن أي شراكة تتحدث؟ !
عن المنطق الذي اعتمدته المجموعة منطق نفعي محض، منطق يعمل لصالح المجموعة ودول المجموعة دون مراعاة للطرف الآخر ودون الأخذ بعين الاعتبار مشاكل المغرب –والتي ساهمت المجموعة في تكريس جزء منها- ستؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على مصالح المجموعة.
إنه منطق تجارب منطق لربح ، منطق القوي تجاه الضعيف، فهل ستغير نظرة المجموعة إلى علاقاتها مع المغرب، خصوصا بعد تغير عدة عوامل ومتغيرات دولية في مقدمتها انهيار جدار برلين الذي كلن سقوطه بمثابة إيذان لانتهاء عصر الحرب الباردة وبداية عصر جديد اصطلح عليه النظام الدولي الجديد.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *