النظام العالمي الجديد ودور منظمة الأمم المتحدة

في النظام العالمي الجديد : التحديات التي تواجه الأمم المتحدة

الخاتمة العامة :
عقد المجتمع الدولي آمالا عريضة على قمة العالم بعد أن قيل عنها أنها قمة إصلاح العالم بما فبه منظومة الأمم المتحدة.
و بقدر ما سعت الآمال التي كانت معقودة عليها جاءت الوثيقة التي صدرت عنها مخيبة للآمال، إذ استبعدت منها القضايا الخلافية التي كانت و لاتزال تحدث شرخا في نسيج المجتمع الدولي و كانت الدول و الشعوب تتطلع إلى أن يتوصل بشأنها إلى اتفاق.
هذا اقتصرت الوثيقة ( أو البيان الختامي ) على تحديد المواقف الدولية المعتادة من بعض القضايا، و أجل النظر في بعضها اللآخر _ رغم أهمية _ إلى أجل غير مسمى. و القضايا التي طرحتها الوثيقة تشكل الحد الأدنى لما تم عليه الوفاق بين الأقوياء و المستضعفين، أو بين الكبار و الصغار، أو بين الأغنياء و الفقراء. و هو ما يحملنا على القول إن القمة العالمية عنيت بما تم عليه الوفاق، و لم تصل في عدد من القضايا إلى اتفاق.
دولتان فقط هما كوبا و فينزويلا تحفظتا على الوثيقة لأسباب خاصة و كانتا الشذوذ الذي يثبت قاعدة الإجماع.
أعدت الأمانة العامة للمنظمة الأممية مشروع البيان الختامي و كان يتضمن القضايا الخلافية.   و من بينها عدم اعتبار مقاومة الإحتلال إرهابا، لكن الولايات المتحدة عارضته مثلما رفضت ما تقدمت به كتلة الدول النامية عن قضية تخصيص 0.7% من إجمالي الناتج المحلي للدول المتطورة للمعونات الموجهة إلى الدول الفقيرة و النامية. واكتفي لتأمين الوفاق بدعوة الدول الأعضاء إلى السير في هذا الإتجاه بدون إلزام. و كان مشروع الوثيقة يتضمن طرح قضية توسيع مجلس الأمن و رفع عدد أعضاءه إلى25 دولة، و مراجعة هيكلة المنظمة، لكن الولايات المتحدة عارضت بعلة أن هذه النقط تتطلب البحث المعمق، و الوقت لا يتسع لذلك. و للوصول إلى وفاق استبعد النظر في هذه القضايا من أعمال القمة و أرجئ البحث فيها إلى أجل غير مسمى… و لا نطيل أكثر في تعداد القضايا الخلافية فقد خصص لها الإعلام الحيز اللازم لها.
و الأهم الذي استنتج في أعقاب تلاوة البيان الختامي و المصادقة عليه هو التأكيد على أن قضايا هامة استبعدت إرضاءا لرغبات الكبار الذين إلتقوا على رفضها و في طليعتها توسعة مجلس الأمن الذي يتمتع فيه الأقطاب الخمسة بحق الإعتراض و هم لا يقبلون المساس بهذا المكتسب أو مشاركة الغير معهم فيه.
ضل الجدل مثار بين دعاة إصلاح المنظمة الأممية، و بين مؤيديه باحتشام و مؤيديه بقوة و بين معارضيه، إلى نهاية مداولات القمة الإستثنائية. لكن بيان القمة أحبط المتطلعين إلى الإصلاح الجذري الشامل و أفقد القمة نحت الإستثنائية إلا إذا كان يراد من هذا النحت المخصص تمييز هذه القمة 150 رئيس دولة من 191 الدول الأعضاء. أما فيما عدا ذلك فما صدر عنها كان عاديا و بعيدا عن أن يكون فوق العادة.
لم تتمكن المجموعة العربية من فرض طرح تعريف الإرهاب بما يفرق بينه و بين مقاومة الإحتلال، لأن الولايات المتحدة عارضت و بدلا من ذلك تبنت القمة إقتراح الولايات المتحدة و بريطانيا القاضي بتجريم و متابعة كل من يساند الإرهاب و يحرض عليه أو يمدحه و يشيد بعمله أو يلتمس له مبررا. و أصبح هذا القرار أخطر قرار إتخذته القمة أذ في ظل الغموض و الإلتباس و استبعاد التمييز بين جريمة الإرهاب و شرعية مقاومة الإحتلال سيصبح ممكنا أن يدان بجريمة الإرهاب كل من يساند مقاومة الإحتلال أو ينوه بها أو يروج لمشروعيتها.
و هذا تقييد شنيع و قمع لحرية الرأي و التعبير التي هي أساس حريات الإعلام، والتي ضمنتها له المواثيق الدولية والدساتير والقوانين. لذا لاينبغي السكوت عن هذا الزيغ الخطير الذي سقطت القمة في حمأته. ولابد من العودة إلى مناقشة هذا الموضوع في جلسات الدورة التي إبتدأت بعد نهاية القمة. وبدلا من التصويت بالإجماع على إلزام الدول الغنية بتخصيص نسبة 0.7% من إجمال الناتج المحلي لمعونة الدول المحتاجة أكتفي بحث الدول على بذلالمعونات لمحتاجيها من الدول الفقيرة. كما جاء البيان خليا من تحديد واجبات الدول المقرضة للدول الفقيرة وهو ما يعرف بقضية المديونية. كما لم يحدد البيان الوسائل اللازمة لمحاربة الفقر والأمراض المميتة كالأيدز (السيدا) وقضايا أخرى تهم عالم التخلف والفقر. وبذلك تبين أن هذه القضايا الإنسانية لا تدخل في إهتمام الكبار.
و بإختصار يمكن القول أن القمة كانت في خدمة سياسة الكبار الأغنياء أكثر مما كانت في خدمة تطلعات الضعفاء و الفقراء. وحده الإرهاب هم الولايات المتحدة المضني أخد الأسبقية، و كاد يكون الموضوع الوحيد الذي نال عناية المؤتمرين. وهذه الملاحظة لاتستهدف التقليل من أهميته.
و أخيرا ظهرت المجموعة العربية تائهة ومنقسمة على نفسها في القمة. فشارون حاول إستثمارها و توضيفها لتلميع صورته و صورة إسرائيل عندما حرص هو و وزير خارجيته على الظهور بجانب من كانوا لايعترفون بإسرائيل من القادة العرب و المسلمين و ظهر أنه حضر ليسوق تحرير غزة المنقوص في سوق الأمم المتحدة.
منظمة الأمم المتحدة التي أنشأها الحلفاء الكبار المنتصرين على النازية في نهاية الحرب العالمية الثانية فشلت في تحقيق مبادئها التي قامت عليها. لم تقض على الحروب و لم تعل عبر العالم راية السلم، و لم تباشر إحقاق حقوق الإنسان طبقا لما نص عليه ميثاقها. و عاد الكبار إلى إنتهاج سياسة الهيمنة على المستضعفين، و خذلوا القضايا العادلة و تحالفوا مع الديكتاتوريات و نصروهم في معركة تحرير الشعوب من سلطانهم. و تأتي قضية فلسطين في طليعة القضايا العادلة التي تخلى الكبار بعزم و إصرار عن نصرتها. و عجزوا عن فرض الشرعية الدولية على الكيان الصهيوني الذي لم يعترف و لا بقرار واحد من المنظمة بشأنها. من أجل ذلك و غيره فالمنظمة في حاجة إلى أصلاح جذري يعود بها إلى منطلقاتها الأولى و يشدها من جديد إلى مبادئ ميثاقها الذي يبدو و أنه دخل عند الأقطاب في طي النسيان.
و هكذا، و في هذا الصدد يأتي هذا البحث الأكادمي ليلقي نظرة عن جوانب الإصلاح الشامل و الجذري المتعددة. كخلاصة دراسة لمختلف الآراء بصدد الموضوع و تفاعل هذه المقترحات مع البيئة الجديدة للمنتظم الدولي آملين أن يكون قد حالفنا التوفيق في ذلك.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *