مقترحات الإصلاح المتعلقة بحق النقض – الفيتو

في النظام العالمي الجديد : التحديات التي تواجه الأمم المتحدة
الفصل الثاني: التصورات والمقترحات المتعلقة بتحديد دور المنظومة الأممية لمواكبة البيئة الدولية الجديدة.
المبحث الثاني: أهم المقترحات المتعلقة بأجهزة الأمم المتحدة تماشيا والواقع الدولي الجديد
المطلب الأول: التحديات التي واجهت وتواجه كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن:
فرع ثاني: مجلس الأمن:

الفقرة الثانية: مقترحات الإصلاح المتعلقة بحق النقض ” الفيتو “.
بالرغم من أنه سوف لن يكون في إمكاننا في هذا الوقت الضيق، التعرض لحق الفيتو من كل جوانبه التاريخية المتعلقة بمجالات إستعماله وأرقام وحيثيات إستعماله من طرف مالكيه، إلا أننا سوف

(1)_ حسن نافعة، الأمم المتحدة في نصف قرن، مرجع سابق ص 428.
نكتفي بدراسة محاولات تقليل وتقييد إستعماله وكذا مستقبل هذا الحق، إرتباطا دائما مع محاولات الإصلاح الشامل لمجلس الأمن ضمن إصلاح منظومة الأمم المتحدة، والذي يعتبر من المهام والنقط العاجلة المدرجة ضمن جدول أعمال الهيئة ذاتها في السنين الأخيرة. وهكذا سوف نعالج في هذه الفقرة، محاولات تقليل إستعمال حق الفيتو (أولا)، ثم (ثانيا) مستقبل هذا الحق.
أولا: محاولات تقليل إستعمال حق الفيتو.

لاشك أن تتمتع الدول الكبرى الخمس بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن، وإشتراط موافقتها على أي قرار من المسائل غير الإجرائية هو إمتياز يحقق عدم المساواة الذي يقوم عليه التنظيم الدولي. فقد أدى تمتع الدول الكبرى بهذه الإمتيازات، إلى أن تتفق فيما بينها على حساب الدول المتوسطة والصغرى، التي حاولت مرارا وتكرارا التقليل من أثر إستعمال حق الفيتو من قبل الدول الأعضاء الدائمين الخمسة، والذي شل أعمال المجلس وعرقلة أداء المنظمة الدولية لواجبها الأساسي وهو حفظ السلام والأمن الدوليين.
فلقد ظهر واضحا أن أكبر خطر يتعرض له الأمن والسلام الدوليان، نتج عن المنازعات بين الدول الكبرى وعن عدم الإتفاق بينها خاصة في السنوات التي تلت تأسيس المنظمة الدولية، والتي إنقسم فيها العالم إلى كتلتين كل بقيادة إحدى الدول العظمى، الشيء الذي يتناقض مع ما أعلن عنه في مؤتمر سان فرانسيسكو والذي أوجب التعاون الكامل بين الأعضاء كشرط ضروري لفعالية المنظمة الدولية.
ولما كان واضحا من أن أي إنشقاق بين القوى العظمى يعرض فعالية كل الأمم المتحدة إلى الخطر، إتفق في مؤتمر سان فرانسيسكو على أن لا يستخدم حق الفيتو إلا في القضايا الجوهرية، والمتسمة ببالغ الأهمية التي تتعلق بالأمن والسلم الدوليين. كما أصدرت الجمعية العامة في دورتيها الأولى والثانية، قرارات تدعو الدول الخمس الكبرى إلى أن تبذل من الجهد ما يضمن ألا يؤدي إستخدام حق الفيتو إلى عرقلة مجلس الأمن (1).
كما قدمت إقتراحات عديدة تهدف كلها إلى تعزيز مجلس الأمن، بيث تتجه إهتماماته وجهوده إلى تحقيق الغرض الذي أنشئت من أجله المنظمة الدولية، ومنها مثلا:
(1)_ د. أحمد المعكف، حق الفيتو، الثقافة العربية (مجلة)، العدد 6 السنة 1984 عن اللجنة الإدارية للإعلام الثوري بالجماهيرية الليبية. ص 156.

إستبدال الأغلبية المطلقة للأعضاء الدائمين بثلاثة أو أربعة أعضاء دائمين فقط في المجلس، ومنها كذلك تحديد إستعمال الفيتو، بحيث يجب أن يطبق على المسائل الخاصة بالتسوية السلمية للنزاع وقبول دول جديدة في المنظمة الدولية.
كما أن من بين الإقتراحات تلك التي تنادي بزيادة أعضاء مجلس الأمن، وذلك بتوسيع وتوازن عضويته، حتى يساعد على إنعكاس كل المصالح المهمة في العالم، ليؤكد أن أي إقتراح خلافي أو جدلي يمكن أن يحمل معه تأييدا عالميا عاما، ويصبح مجلس الأمن مكانا جذابا للمباحثات الدولية والوصول بها إلى حل يرضي الجميع.
وفي سياق حديثها عن هذه الإقتراحات، نشير إلى أن هناك دولا كقوة تستطيع أن تسهم في استتباب الأمن والسلم الدوليين مساهمة فعالة، لاتقل إن لم نقل تزيد عن مساهمة الدول الدائمة العضوية حاليا . فهذا مثلا ” لال, LALL ” سفير الهند الأسبق لدى الأمم المتحدة، يقترح منح الهند واليابان والبرازيل مقاعد دائمة في مجلس الأمن، وكذلك الحال بالنسبة لدول الشرق الأوسط وإفريقيا.
ولقد سبق لكل من إيطاليا والمكسيك أن تقدمت باقتراحات تكاد تكون قريبة نوعاما من هذه الإقتراحات. كما سبق لليمن أن إقترحت بأن يكون للدول العربية مقعدان في مجلس الأمن أحدهما يمثل من قبل الدول العربية في آسيا والآخر يمثل من قبل الدول العربية في إفريقيا (1). ومن رأينا أنه لا يوجد دليل قاطع على أن زيادة عدد. القوى التي لها حق الفيتو، سوف يحسن من فعالية مجلس الأمن حيث اتضح أن الفرض الرئيسي من استعمال حق الفيتو، ليس لتعزيز التعاون، بل لمنع المنظمة من إتخاد أي عمل يتعارض مع مصالح الدول العظمى.
ومن ناحية أخرى، فإن تقييد حق الفيتو ينبغي أن يتم عن طريق تضييق مجال إستخدامه. ففي ضوء الحاجة الملحة إلى تسوية حشد من النزاعات والخلافات المستجدة ذات الطبيعة المعقدة، من المهم إخراج التصرفات التي يتعرض لها الفصل السابع من الميثاق، من مجال إستخدم الفيتو، فيما إذا توافر شرطان:
_الأول: ألا يكون ثمة إحتمال للتصعيد يقتضي التصرف وفق الفصل السابع من اليثاق.
_والثاني: ألا تكون لإي من الدول الخمس مصلحة جدية واضحة في الأمر أو تكون طرفا في النزاع.
(1)_ د. أحمد المعكف، حق الفيتو، الثقافة العربية،  مرجع سابق ص. 156.

ثانيا: مستقبل حق الفيتو وإمكانية إلغاءه:
دافع الكثير من الكتاب عن إيجابيات حق الفيتو، حتى أن بعضهم إدعى أنه لو لم يمكن للإتحاد السوفييتي، الحق القانوني لإستعمال الفيتو في مجلس الأمن، في عضون الخمس عشرة سنة التي تلت ظهور الأمم المتحدة، فإنه كان من المشكوك فيه أن تعيش الأخيرة حتى وقتنا هذا. لقد تجاهل هؤلاء المدافعون عن وجوب وجود حق الفيتو، أن استعماله كان للدفاع عن مصالح الدول الكبرى في نطاق مجلس الأمن، متناسين كذلك أنه ليس من الضروري أن يكون استعمال الدول الكبرى لحق الفيتو هو وسيلتها الوحيدة لمنع صدور مثل هذه القرارات. كما تجاهلوا إستشارة الدول العظمى بحق الفيتو عندما بالغت في استعماله ضد إدارة الشعوب المغلوبة والضعيفة والفقيرة، حتى أهدرت مصالحها فحرم البعض من إستقلاله ومن إسترداد حقه في تقرير مصيره. وحرم البعض من إسترجاع أوطانه السلبية من قبل الإستعمار، والسيطرة بالقوة من قبل الأنظمة العنصرية، كما هو حال فلسطين وقبلها جنوب إفريقيا وناميبيا وغيرها، كما تعرقل إنضمام دول جديدة إلى المنظمة الدولية، كانت كلها متلهفة لأخذ مكانها في هذه المنظمة، والمشاركة فيها، إنطلاقا مما جاء في ديباجة الميثاق والتي تنص صراحة على:
« نحن شعوب الأمم المتحدة » وإنطلاقا من أن الإنضمام إلى الأمم المتحدة، ميزة لكل الدول إستنادا إلى منطوق المادة الرابعة من الميثاق، والتي تتضمن أن العضوية في الأمم المتحدة مباحة لجميع الدول الأخرى المحبة للسلام، والتي تأخد على عاتقها بالإلتزامات التي ينضمها الميثاق، والتي ترى أنها قادرة على تنفيد هذه الإلتزامات وراغبة فيها. ولكن وبما أن مؤتمر سان فرانسيسكو وغيره من المؤتمرات السابقة وذات العلاقة بتأسيس الأمم المتحدة، قد سيطرت عليها دول غريبة كبيرة كانت غريبة، في ثقافتها وتقاليدها وعاداتها لم تشألهذه الميزة أن تبقى مطلقة. فجاءت الفقرة (2) من المادة 4 من الميثاق، لتؤكد أن أنضمام دول جديدة إلى الأمم المتحدة، يتم بقرار من الجمعية العامة بناء على توصية من مجلس الأمن.
وجاءت التوصية عمدا سابقة للقرار، الشيء الذي يعض لإستعمال الفيتو من إحدى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بغض النظر عن الأمم المتحدة منظمة دولية، وبالتالي يحق لكل دولة أن تنضم إليها وأن تقبل عضويتها. اللهم إلا إذا كان هناك سبب مانع يحول ذون ذلك. ونحن نعرف أن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، سيرشدون عنذ تصويتهم في قبول الدول الجديدة في الأمم المتحدة، باعتبارات مصلحية صرفة، بحيث تقوي من مركزهم في الأمم المتحدة (أي مركز الدول التي تصوت والكثل التي تتبعها)، ولهذا نجد أنه من عام 1950 إلى 1955، لم تدخل أية دولة جديدة إلى الأمم المتحدة، بالرغم من أنه في عام 1953 إحدى وعشرون دولة طالبة الإنضمام إلى الأمم المتحدة، إلا أنه لم تحظ به حتى 15 دجنبر 1955، عندما أقر مبدأ الصفقات الشاملة (1).
إذا كان مجلس الأمن أثناء تأسيس الأمم المتحدة يعكس حقائق القوى آنذاك، فإن هذا لم يعد صحيحا بعد. وبطبيعة الحال سوف يؤدي إلى تغيير في الأمم المتحدة، خاصة بعد التدفق الكبير للدول الجديدة وظهورها على المسرح الدولي.
وأكثر من ذلك، فهناك منها من وصل مرحلة تؤهله للحصول على العضوية الدائمة في مجلس الأمن، كبعض الدول العربية والإفريقية والآسيوية وبعض دول أمريكا اللاتينية، الشيء الذي يتمشى والبنية الجديدة للقوى. أليست الدول الصغيرة والوسطى هي التي قدمت قوات الطوارئ الدولية ؟ أليست الدول الصغيرة والوسطى، هي التي قدمت المساعدات العسكرية والمادية من أجل إستتباب الأمن والسلام الدوليين، وكونت قوات الأمم المتحدة في إفريقيا وآسيا وأوربا، حتى تمنع الصراع في تلك المناطق بين القوتين الكبيرتين ؟ ألم يأت الدعم الأساسي للأمم المتحدة من دول صغيرة ومتوسطة إذا قيست بعدد سكانها وقواتها وثروتها العسكرية وموقعها الجغرافي ؟ أليست الدول الصغيرة والمتوسطة هي التي قدمت المساهمات المعنوية عن طريق أعضاء أكفاء قادوا عمل المنظمة ؟ فحافظت الدول الإسكند نافية على مكتب الأمين العام، لمدة طويلة بكل شجاعة وكفاءة، وتولى رئاسة الجمعية أناس من الدول الصغيرة، هذا إذا أضفنا أن هذه الدول قدمت أحكم المتكلمين العالميين في جلسات الأمم المتحدة. ومما لاشك فيه أن هذه المساهمات لا تقل أهمية عن المساهمات المادية والعسكرية.
وبإختصار فإنه من المؤكد أن الدول الصغيرة والمتوسطة هي التي تؤمن بأهداف ومبادئ الأمم المتحدة وتسهم بدور فعال تبعا لوسائلها. وبالرغم من ذلك فإن حق الفيتو لايزال محتكرا من قبل خمس دول فقط، استطاعت أن تقف به حجرة عثرة أمام طموحات الطامحين في أن يلعبوا دورا أكثر فعالية في السياسة الدولية.
إن شعوب العالم الثالث وهي التي استطاعت أن تغير المنظمة (ولو عدديا). من منظمة تسودها دول من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، تتشابه كلها في أنها كانت مستعمرة وليست بيضاء وذات نمو إقتصادي متشابه، وارتبطت مع بعضها ضد أي مشكلة تتعلق بالإستعمار أو التفرقة العنصرية أو التخلف الإقتصادي، مطالبة اليوم كذلك في أن تسترد حقها لتعديل ميثاق المنظمة الدولية التي تمثل
(1)_ د. أحمد المعكف، حق الفيتو، الثقافة العربية 6/ 1984 مرجع سابق. ص 158.

فيها الأغلبية الساحقة، بما يضمن لها تحقيق مبدأ المساواة بين جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والذي خرق بوجود العضوية الدائمة لخمس دول في مجلس الأمن. لقد أصبح هذا المطلب أمرا واقعيا، وأن إفترض تحديد منح مقاعد دائمة في مجلس الأمن لدول معينة يجب أن يهجر ويبطل، ويصبح الميثاق في وضع مرن ليسجل تغييرات في وضع الدول الأعضاء ومن هذا المنطلق أخدت مجموعة من الدول على عاتقها زمام المبادرة، ودعت إلى تعديل ميثاق الأمم المتحدة حتى يتمشى وواقع العالم كله.
ففي 12 نوفمبر 1975، وجه العقيد معمر القدافي برقيات إلى رؤساء الدول التي صوتت إلى جانب القرار التاريخي، الذي اعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية، قال فيها: « إنني أتطلع إلى اليوم الذي تنتصر فيه شعوبنا إنتصارا سياسيا وتاريخيا آخر عندما نتمكن معا من إلغاء ما يسمى بحق الفيتو للدول الكبرى ذلك الحق التعسيفي الذي يشبه الحق الإلهي لملوك العصور الوسطى» (1). وتهدف المطالبة بتعديل الميثاق، وإلغاء حق الفيتو إلى خدمة الأمن والسلام العالميين وإلى تحقيق العدالة والمساواة، بين جميع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. وهو مطلب لازالت تدافع عليه مجموعة من الدول كليبيا وكوبا وفينزويلا وكوريا الشمالية والأرجنتين والصين وفيتنام…إلخ.
ويرى فريق آخر أن هناك سبيل آخر للحد من تأثير الفيتو، في إتجاه إلغاءه على مراحل، وهو حجب التصويت عليه وإسقاطه، إذ بوسعنا النص على حق إعتراض مضاد على المستوى الإقليمي، يتم على النحو التالي: أنه متى صوت أعضاء مجلس الأمن كافة من منطقة معينة ضد أي مشروع قرار ألغي هذا المشروع.
وسيكون من شأن الإلماح إلى هذا الشبح (شبح إستخدام هذا السلاح الجماعي الإضافي)، أن ينشأ موقف أكثر إتزانا_ وبالتالي، أكثر ديمقراطية_ عن إستخدام أية دولة من مجموعة الدول الخمس هذا الإمتياز.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *