مباشرة أو الأمر بمباشرة البحث التمهيدي

مفهوم قرينة البراءة لدى القضاء الجنائي
الفصل الأول : القضاء الواقف – النيابة العامة
المبحث الثاني: سلطات النيابة العامة

المطلب الأول: مباشرة أو الأمر بمباشرة البحث التمهيدي
نصت المادة 71 من قانون المسطرة الجنائية على أنه «يستلزم حضور ممثل النيابة العامة في حالة وقوع جناية أو جنحة تخلي ضابط الشرطة عن العملية» وأضافت المادة 78 من نفس القانون قائلة «يقوم ضباط الشرطة القضائية بأبحاث تمهيدية بناءا على تعليمات النيابة العامة أو تلقائيا.
يسير هذه العمليات وكيل الملك أو الوكيل العام للملك كل فيما يخصه»
وفحوى هذان النصان تقودنا إلى أن المشرع قام بإسناد إجراءات البحث التمهيدي أصلا إلى النيابة العامة في حالة وجودها في مسرح الجريمة مع إمكانية إسنادها لضباط الشرطة القضائية في حالة عدم حضورها أو بناءا على رغبة قضاة النيابة العامة مع ضرورة خضوعهم لسلطة هذه الأخيرة والتي تقوم بتسييرهم علما بأن المشرع قد أغفل ذكر معنى هذا التسيير وكيفية القيام به. ولا يهمنا حاليا سوى معرفة أن هناك حالتين لممارسة النيابة العامة (أو من يقوم مقامها) لهذا البحث، الحالة العادية وحالة التلبس. حيث لا تختلف المسطرة في الأحوال العادية عنها في حالة التلبس من حيث الخطوات والتحريات التي يقوم بها ضباط الشرطة القضائية. لكنها تطرح اختلافا جوهريا من حيث السلطات المخولة لهم في تطبيق هذه المسطرة، وهذا الاختلاف يتجلى في سلطتين هما سلطة الوضع تحت الحراسة النظرية ومسطرة تفتيش المنازل( ) وهاتين الحالتين تهدمان مبدأ البراءة المفترضة والتي يبرره البعض بوقوع المجرم في يد العدالة في حالة تلبس وما يؤدي إليه ذلك من نتائج تؤثر لا محالة على هذا المبدأ.

نص المشرع في المادة 56( ) على حالات التلبس واعتبرها بمثابة دليل قاطع على ارتكاب المتهم للجريمة وبالتالي رتب عليها نتائج خطيرة وقد ذهب البعض( ) إلى تقسيم حالات التلبس إلى نوعين:

الفقرة الأولى: حالات التلبس الحقيقية:
وهي الحالات التي تنم حقا عن وجود علاقة قوية بين المتهم والفعل الإجرامي حيث يمكن وبسهولة أن نثبت من خلال هاته الحالات أن المتهم هو الفاعل وهذا ما أدى بالفقه إلى تسميتها بحالات التلبس الحقيقي وتتمثل في:

أولا: حالة ضبط الفاعل أثناء ارتكابه الجريمة:
وهذه الحالة تعني أن الفاعل يشاهد من طرف النيابة العامة عن طريق قضاتها (أو من يقوم مقامهم) وهو ينفذ الركن المادي للجريمة خاصة إذا كانت هذه الجريمة تستغرق وقتا لتنفيذها، حيث يدق تحديد حالة التلبس وتزداد صعوبة كلما كانت الجريمة تنحو إلى السرعة في أدائها حيث يشكل عنصر الزمن أهمية بالغة في تحديد حالة التلبس من عدمها ذلك أنه وفي حالة ارتكاب الفعل الجرمي خلال ثوان معدودة كالطعن بالسكين مثلا فإن الزمن الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار حتى نكون إزاء حالة التلبس الفعلي للفاعل أثناء ارتكابه الجريمة هي تلك المدة الفاصلة بين دخول السكين جسد الضحية وخروجه منه وهذا ما يميز هذه الحالة عن الحالة التالية.
ثانيا: حالة ضبط الفاعل على إثر ارتكابه الجريمة:
حيث تتحدد هذه الحالة بناء على عنصر الزمن وإن كانت تؤدي إلى نفس النتائج التي تؤدي إليها الحالة الأولى، إلا أنه يجب التمييز بينهما من حيث الزمن والذي يتمثل في هذه الحالة في الوقت الفاصل بين خروج السكين من جسد الضحية في المثال السابق ووقوع الضحية على أبعد تقدير بناء على اتجاه أغلب الفقه الذي ذهب إلى تفسير تعبير المشرع (على إثر إنجازه) على أنه قصد بذلك حصول اكتشاف الجريمة في اللحظة التي يكون الجاني يقوم فيها بآخر عمل يندرج ضمن ماديات الجريمة( ).
وسواء كنا أمام الحالة الأولى أو الثانية فإن تحديد حالة التلبس بالشكل المذكور يتطلب تكوين قانوني جيد على الأقل بالنسبة للأشخاص الذين يقومون بمعاينة الجريمة والحكم بوجودها في حالة تلبس وهذا ما ينطبق على الحالات الأخرى التي تشكل التلبس الافتراضي مع كثير من التحفظ.

الفقرة الثانية: حالات التلبس الافتراضي:
لقد ميز الفقه المغربي بين الحالتين الأوليين واللتين تجسدان التلبس بمفهومه الحقيقي وبين الحالات الآتية التي اعتبرها المشرع بمثابة التلبس مع ما يطرحه ذلك من إشكاليات عميقة.

أولا: مطاردة المشبوه فيه من طرف الجمهور:
إن أصل ونشأة هذه الحالة جاءت أساسا كأثر من آثار متابعة الجماعة المعتدى عليها للمعتدي بالصياح في محاولة للانقضاض عليه والانتقام منه على جريمته( ).
وهذه الحالة تقتضي وجود متهم فارا بعد وقوع جريمة وأن الجمهور يتابعونه على أساس أنه هو مرتكب الجريمة وهذا يعني أن المشرع توسع في أخذه بمفهوم التلبس حيث تمادى في استخدام عنصر الزمن وتراخى هذا العنصر بين وقوع الجريمة وهروب الفاعل وقد يتزامن أن يكون هناك شخص مارا وبمحض الصدفة يرى المجني عليه واقعا فيقترب منه لتفقده فإذا به بصراخ الجمهور من ورائه مما يثير فزعه ويجعله يلوذ بالفرار فيتم إلقاء القبض عليه واعتباره في حالة تلبس، وإذا ما نحن أخذنا بهذا المعيار وأكدنا على هذه الحالة باعتبارها حالة تلبس فإننا بذلك نكون قد أجهزنا على المتهم وبالتالي على حقوقه وإنما يستغرب له فعلا هو كون بعض الحقوقيين يعترفون بأن هذه الحالة تعتبر تلبسا فعلا وهذا ما أكد عليه وزير العدل حيث قال في هاته الحالة «وهي حالة نفترض أن مرتكب الفعل الجرمي لم يتم إيقافه بمكان الجريمة وأنه تمكن من الإفلات، ولكن الجمهور  طارده في الحين، وسواءا تم توقيفه آنذاك أو لم يتم توقيفه فإن الجريمة تعتبر جريمة متلبسا بها»( ). إن ما يلاحظ على السيد وزير العدل أنه توسع جدا في أخذه لمفهوم التلبس حيث قال بأنه حتى لو لم يتم التوقيف آنذاك فإن الجريمة تعتبر متلبسا بها، وأي قول هذا؟ إنه يتنافى حتى مع المنطق العقلي السليم لشخص عادي وليس لشخص حقوقي مارس العمل في مجاله سنوات طوال. فكيف يمكن أن نقول بأن الشخص متلبس بجريمة ما وهو ليس بمسرح الجريمة؟ حيث أننا نعتبر أن التلبس يجب أن يكون بمعاينة ضباط الشرطة القضائية للفعل الجرمي أثناء ارتكابه أو على إثر إنجازه على أبعد تقدير وأنه وفي حالة المعاينة من طرف الجمهور فإننا نكون إزاء جريمة عادية مشهودة ويعتبر أولئك الأشخاص شهودا حيث يوجد فرق كبير بين الجرم المشهود والجرم المتلبس به، فهما يشتركان في وجود أشخاص شاهدوا الجريمة ويختلفان فقط من حيث صفة الشاهد، فإذا كان يوصف على أنه أحد أفراد الشرطة القضائية اعتبر الجرم متلبسا به، أما إذا كان الشاهد شخصا لا يحمل صفة الشرطي القضائي فلا يعتبر الجرم إلا جرما مشهودا يطبق عليه البحث في الحالة العادية.

إلا أنه ليست هذه هي الحالة الوحيدة التي توسع فيها المشرع واعتبرها حالة تلبس حيث قام بإدراج حالتين أخرتين لا تشكلان إلا افتراضا لوجود حالة تلبس وهي:

ثانيا: ضبط المتهم حاملا أسلحة أو عليه آثار بعد مرور زمن قصير على ارتكاب الجريمة:
وتقتضي هذه الحالة حسب منظور المشرع أن يكون هناك متهم ثم إلقاء القبض عليه ومعه أدوات لها علاقة بالجريمة التي حدثت أو عليه آثار تدل على ارتكابه أو مشاركته في الفعل الجرمي. وهذا القبض يتم بعد مرور وقت قصير حسب تعبير المشرع. إن أول ما أثار التساؤلات في هذه الحالة هو التعبير الذي استعمله المشرع (وقت قصير) فهو تعبير فضفاض ومرن يطرح تساؤل من له سلطة تحديد هذا الزمن؟
ولقد درج الفقه على محاولة إكمال النواقص التي تعتري النصوص القانونية وهذا ما قام به في هذه الحالة حيث قال البعض بأن هذا التحديد متروك للقاضي لإعمال سلطته التقديرية حسب كل حالة، إلا أن هذا الرأي اعترض عليه البعض بدعوى محاربة تحكمية القضاة وحاولوا تحديد مدة  24 ساعة كحد أقصى لهذه المدة، ولا شك أن هناك اتجاه فقهي آخر أكد على أن هذا الزمن لا يجب أن يتجاوز عدة ساعات، وإن ما يحزننا هو أن نرى المشرع المغربي قد نص على هذا في المادة 56 من المسطرة الجنائية وكذلك المشرع المصري في المادة 30 من قانون الإجراءات الجنائية والمشرع الفرنسي في المادة 53 من قانون المسطرة الجنائية. ولا نغفل وجود بعض الاجتهادات القضائية في هذا الأمر حيث اعتبرت محكمة النقض الفرنسية أن حالة التلبس قائمة رغم مرور 28 ساعة على ارتكاب الفعل.
إن ما نريد التأكيد عليه هو أن مفهوم التلبس يعني وجود فاعل (الجاني) ومفعول به (ضحية) وضابط للشرطة القضائية أثناء ارتكاب الجريمة، وما عدا ذلك يجب أن يعتبر جريمة عادية وإن كانت الأدلة والقرائن قوية في مواجهة المتهم، وهذا ما يجعلنا نرفض وجود زمن يفصل بين ارتكاب الجريمة وحضور ضابط الشرطة القضائية (وإلقائه القبض على المتهم) إنا نرفض وجود هذا الزمن جملة وتفصيلا إلا إذا وجد متهم (غبي) يجلس بجانب ضحيته في انتظار حضور ضابط الشرطة القضائية لعدة ساعات أو أيام حسب بعض الفقهاء.
إن المنطق القانوني السليم يذهب إلى ضرورة إلغاء هذا الفصل من جذوره من جميع هاته الدول التي تدعي أن الأصل هو البراءة قولا وتنافي ذلك فعلا حيث أعجبني قول أورده الأستاذ الحسن البيهي في كتابه يذهب إلى أن «المشرع المغربي لم يكن في اعتقادنا موفقا كل التوفيق حينما أقر المبدأ أعلاه (مبدأ قرينة البراءة) دون آليات ومبادئ عامة كفيلة بتوضيحه وتفسيره»( ) وهذا القول ينطبق على كل التشريعات السابقة الذكر خاصة إذا ما علمنا وكما سبق أن أشرنا بأنها تخول لضابط الشرطة القضائية سلطات تختلف في حالات التلبس عنها في الحالات العادية.

ثالثا: حالة التماس مالك المنزل من النيابة العامة أو ضابط الشرطة القضائية معاينة الجريمة المرتكبة بداخله:
بكل وضوح لا علاقة لهذه الحالة بمفهوم التلبس، فهي أكثر من أن تعتبر حالة تلبس افتراضي قياسا مع الحالات التي أشير لها سابقا والمنصوص عليها بالمادة 56 من قانون المسطرة الجنائية( ) فهي تعتبر أنه وفي حالة حدثت الجريمة في منزل معين والتماس صاحب هذا المنزل من ضباط الشرطة القضائية معاينة الجريمة كشرطان لقيام هاته الحالة فإننا نكون إزاء حالة التلبس، ولا حاجة لنا بالتذكير على أهمية عنصر الزمن كعنصر أساسي لقيام حالة التلبس وبالتالي إعطاء نتائجها.
فلو افترضنا جدلا بأن صاحب منزل دعا أصدقائه إلى منزله وبعد انقضاء السهرة وخروج الأصدقاء تبين لصاحب المنزل اختفاء شيء ثمين من منزله وبالتالي عمد إلى إبلاغ النيابة العامة والتمس منهم معاينة الجريمة، وبناءا على الفصل المذكور ستقوم النيابة العامة بإلقاء القبض على الأصدقاء كلهم باعتبارهم متلبسين بالجريمة ! فكيف يعقل أن يكون كل الأفراد متلبسين في محضر النيابة العامة وبعد صدور الحكم نجد أن الفاعل هو شخص واحد، إن معنى التلبس يقضي حتما إلى ضرورة إتهام الفاعل ما لم يبرء لفائدة الشك أي أنه لا يوجد دليل يؤكد على أنه المرتكب سوى مشاهدة ضابط الشرطة القضائية.
ونستنتج مما سبق أن حالات التلبس الافتراضية هي حالات بعيدة عن حالات التلبس فعلا وهذا ما يجعلنا نطالب بإصلاح هاته المواد والتأكيد على أن حالات التلبس تقتصر على الحالتين الأولتين والتي صنفهما الفقه على أساس أنهما تشكلان تلبسا حقيقيا.
______________________________
– محمد احذاف: “م.س، من ص458 إلى 464.
– المسطرة الجنائية المغربية، المادة 56.
– نذكر على سبيل المثال الأستاذ أحذاف، م، س، ص372.
– “شرح قانون المسطرة الجنائية”، منشورات وزارة العدل، ج.1، ط.2، ع.2. 2004.
– عمار عبد الحميد النجار: “الادعاء العام والمحاكمة الجنائية وتطبيقاتها”، الهامش رقم 1. ص14.
– شرح قانون المسطرة الجنائية، منشورات وزارة العدل، م.س. ص 106.
– لحسن بيهي: “دراسات وأبحاث في قانون المسطرة الجنائية الجديدة”، ط.1، دجنبر 2003، ع.2، ص59.
– ذ. محمد أحذاف: م، س، ص386.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *