الطلاق بين مدونة الأسرة الجديدة والمذهب المالكي

الطلاق بين المذهب المالكي ومدونة الأسرة الجديدة
مقدمة:
تعرف المجتمعات المعاصرة تحولات دائمة تطال مختلف مجالات الحياة ومظاهرها تنعكس بصفة خاصة على الأسرة، باعتبارها أساس المجتمع.
وقد كان بروز هذه التحولات والتغييرات سببا في إفراز مساهمات نظرية من قبل كافة التخصصات… حاولت مقاربة واقع الأسرة وذلك بالبحث والتمحيص.

ولما كان عقد الزواج عقد مقدس وميثاق غليظ شرعه الله لإقامة الأسرة على أساس متين من المودة والألفة من أجل الاستقرار، واستمرار الحياة الزوجية، فقد خص الإسلام هذه الأسرة بفائق العناية من خلال وضعه ضوابط وأحكام في مختلف مراحل هذا الميثاق، إلا أنه لا يكفي بقاء الزواج مؤبدا أن تشرعه الشريعة كذلك، بل قد تتنافر القلوب ثم تستحكم النفرة بحيث لا يمكن أن تعود المودة إلى النفوس، إذاك لاشك أن المنطق السليم يوجب أن يسلك في هذه الحالة طريق الطلاق وزهو حينئذ ضرورة لابد منها. نظرا لخطورة ظاهرة الطلاق فقد جندت له مدونة الأسرة الجديدة وقبلها مدونة الأحوال الشخصية جملة من المقتضيات والأحكام من أجل ضمان حقوق طرفي الطلاق وخصوصا تلك المتعلقة بالمطلقة.

ونظرا لإيماننا الراسخ أن العمل الجاد لا يجدي أكله، لا إذا منحه الإنسان أكثر ما عنده، فقد بذلنا قصارى جهدنا ليخرج هذا العمل المتواضع في صورة مقبولة مستوفيا كافة شروط البحث العلمي وآلياته المنهجية.

فعلى صعيد المراجع حرصنا على أخذ معلوماتنا من مصادرها الأصلية، حيث اعتمدنا على مؤلفات متنوعة منها ما هو شامل لمختلف النظريات الفقهية المؤطرة لهذه المسألة أو تلك، ونذكر هنا على سبيل المثال فقط: لسان العرب لمؤلفه انب منظور، وأيضا بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد… وثلة أخرى من أنجب ما أتى به الفقه الإسلامي، وكذلك منها ما هو متخصص في رصد بعض الممارسات القضائية المغربية أو العربية دون إغفال النصوص القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية الشريفة، التي تؤطر موضوعنا إضافة إلى نصوص تشريعية لمدونة الأسرة مع الاستئناف أحيانا بأخرى لمدونة الأحوال الشخصية، وقد كانت الغاية من هذا التنوع هو مقاربة الموضوع من مختلف الزوايا النظرية والشرعية والتطبيقية والتشريعية وكذلك لتوضيح المنهج الذي سلكته مدونة الأسرة باعتبار قربها أو بعدها عن روح المذهب المالكي، كما تجدر الإشارة إلى بعض الصعوبات التي واجهتنا ونحن بصدد جمع مادتنا العلمية ونقصد هنا ندرة فيما يخص المراجع التي تحلل الجانب المسطري للطلاق وذلك اعتبارا إلى حداثة صدور المدونة حيث ثم تجاوز هذا الجانب بشيء من الصعوبة.

وكما عودنا دائما فقد كان لنصائح وخبرة فضيلة الدكتور القدير: علي أبو العكيك الأثر البالغ على عملنا هذا خلال مختلف مراحله، حيث لم يدع الفرصة تمر دون أن يشير ملاحظة أو يفسر أمرا، ونحن بدورها لن ندع الفرصة تمر حتى نقدم فائق الاحترام وعظيم الشكر لفضيلته على كل ما بذله من أجلنا.
أما على خلفية اختيارنا للموضوع، فذلك لم يكن اعتباطيا بل هو إدراك منا لخطورة الطلاق على استقرار الأسر الشيء الذي حذا بالمشرع بأن يوليه اهتماما بالغا تكرس من خلال جملة من النصوص طالعتنا بها مدونة الأسرة في حلتها الجديدة تضمن تطبيقا قانونيا سليما أكثر حماية وجدية.

ونظرا لأهمية وحساسيته فقد ارتأينا أن نستهل موضوعنا هذا بتمهيد يرصد المسار الذي عرفته مدونة الأسرة الشخصية على مر التاريخ ثم المخاض الذي أفرز ولادة مدونة الأسرة الجديدة بعد طول انتظار، هذا ويشتمل هذا البحث أيضا على جانب هذه المقدمة والفهارس وأيضا خاتمة وعلى بابين يتطرق الأول إلى أحكام الطلاق ويشمل فصلين ويضم الباب الثاني فصلين أيضا يتطرق فيها إلى حالات التطليق والإجراءات المسطرية للطلاق.، وذلك على الشكل التالي:
الباب الأول: أحكام الطلاق
الباب الثاني: حالات التطليق والإجراءات المسطرية

تمهيد:
تحتاج المجتمعات المسلمة تحولات جذرية منذ قرن تقريبا، مست الأوضاع السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، وتصوراتها الأساسية التي تؤطر مواقفها اتجاه العالم واتجاه المجتمع، وما يصاحب ذلك من جدل واسع يتمحور حول مواضيع أساسية مثل: دور الدين في السياسة وأوضاع المرأة والأسرة والتربية والتعليم والصحة الخ…
لقد أعطى المسار الحالي الداعي لحرية التعبير والاندماج الحقيقي داخل المجتمع إلى خلق نوع من الجدال والنقاش الواسع داخل عدد كبير من البلدان، مما مكن قوى اجتماعية واقتصادية مختلفة من الظهور علنا، ومن سير مواقع حساسة وواضحة المعالم والتعبير عنها في الساحة العامة وتجنيد أنصارها داخل المجتمع قصد الدفاع عنها لدى عامة المواطنين ومحاولة تفعيلها في الواقع ( ). حيث شهدت بلدان المنطقة المغاربية على الخصوص تلك التحولات خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين ( ). والتي زعزعت بشكل جذري أسس النظام الاجتماعي التقليدي بما في ذلك توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة ومجموع التصورات التي كان يرتكز عليها ذلك النظام، أدى ذلك كله إلى خلق معسكرين متعارضين بشكل جذري، دخلا في نوع من حرب المواقع” يتم خلالها التراشق بشكل مستمر ومنقطع بشعارات وتصورات جامدة دون أن يحدث ذلك أي تطور لتلك المجتمعات ودون أن ينجح أي طرفين في إقناع الآخر، وحسم الصراع لصالحه.
ولما كان تطور المجتمعات يتم من خلال رصد مختلف التعديلات التي تطال المقتضيات المنظمة للأسرة باعتبار أن هذه الأخيرة هي ركيزة كل مجتمع، فإن موضوع التنظيم القانوني المغربي للأسرة بشكل عام وموضوع  المرأة بشكل خاص كان في قلب الصراع السياسي و الثقافي بين مختلف الفاعلين، و هذه الصورة تتجسد بشكل جلي من خلال رصد التحولات ومختلف المراحل التي مرت منها مدونة الأحوال الشخصية وصولا إلى مدونة الأسرة وذلك على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: التشبث بالمذهب المالكي وصدور المدونة سنة 1957.
ظهر مذهب الإمام مالك في المغرب في عهد دول الأشراف الأدارسة، وانتشر بعد ذلك فتوطدت دعائمه حتى أضحت المالكية جزءا لا يتجزأ من شخصية الإنسان المغربي في كافة عصوره.
وينسب هذا المذهب إلى إمام الهجرة مالك بن أنس الأصبحي المني المولود سنة 93 هـ والمتوفى سنة 2197 هـ، هاجر مع أسرته من اليمن وحلت بالمدينة وعكفت على العلم والرواية بسمع مالك العلم عن كبار شيوخ العرب، حيث يذكر أنهم بلغوا تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائة من التابعين والباقي من أتباع التابعين، كان رحمه الله عالم المدينة وإمامها وفقيهها ومحدثها لا يخاف في الله لومة لائم، قوي العقيدة متين الإيمان غزير العلم حتى قيل في شأنه: لا يفتى ومالك بالمدينة( ).
يقوم المذهب على الكتاب والسنة ولو ثبت عن طريق الآحاد إضافة إلى فتاوي الصحابة وأقضيتهم وعمل أهل المدينة كما أنه يأخذ بالقياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع، ومن أثره الخالد كتاب الموطأ، الذي يعتبر أول كتاب ألف في الحديث، رتبه مالك على أبواب الفقه، ومن أهم كتبه مذلك “المدونة” وهي عبارة  عن مجمعة من المسائل تضم نحو ست وثلاثون مسألة جمعها سحنون عبد السلام بن الحبيب المتوفى سنة 140 هـ.

وقد كان لتشبث المغاربة بهذا المذهب أن عرف المغرب استقرارا شمل ما هو اجتماعي وفكري وسياسي، فالشعب المغربي الذي وحدت عقيدته الشريعة الإسلامية منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري، كان يرى في الاحتلال الأجنبي آنذاك هجوما على العقيدة ومحاولة للقضاء عليها، ولذلك فالشعور العام الناشئ عن تلك العوامل كان يفرض رحيل المستعمر وإلغاء قوانينه، وإحلال أحكام الشريعة محلها، وكذلك الرجوع إلى تعاليم المذهب المالكي الذي تدين به المملكة، فكان طبيعيا أن تعمل السلطة السياسية المغربية بعد رحيل الاستعمار على جمع أحكام الشريعة الإسلامية في جميع المجالات بما فيها العلاقات الأسرية مع الأخذ بالاعتبار الراجح والمشهور وما جرى به العمل عن مالك مع الاستئناس بباقي المذاهب السنية الأخرى.

وعلى هذا التوجه تم تعيين لجنة ضمت نخبة من رجالات الفقه والقانون والقضاء عملت على جمع تلك الأحكام وإصدارها في مجموعات قانونية وذلك بمتقضى ظهير شريف رقم 190-57-1 المؤرخ ب 21 محرم 1377 الموافق لـ غشت 1975 أسمتها “مدونة الأحوال الشخصية” وقد استغرق عمل تلك اللجنة سبعة أشهر وتم إصدار تلك المدونة على مراحل من ستة كتب وهي:
-الكتاب الأول: يتعلق بالزواج ويتألف من 43 فصلا (ظهير 22 نونبر 1957).
-الكتاب الثاني: ينظم انحلال ميثاق الزواج ويضم 39 فصلا (نفس الظهير السابق)
-الكتاب الثالث: يرتب أحكام الولادة ونتائجها (ظهير 18 دجنبر 1957)
-الكتاب الرابع: يتعلق بالأهلية والنيابة الشرعية (ظهير 25 فبراير 1958)
-الكتاب الخامس: ينظم أحكام الوصية (ظهير 20 فبراير 1958)
-الكتاب السادس: أحكام الميراث (ظهير 3 أبريل 1958) ( ).
إن هذه المرحلة التي وضعت فيها المدونة كانت تجسد الوضع السياسي العام للبلاد فالقوتين السياسيتين آنذاك والتي تحددان في المؤسسة الملكية وحزب الاستقلال، كانتا متفقتين حول (مرجعية مدونة الأحوال الشخصية). فقد جاءت آنذاك في إطار سياقي يروم تأكيد سلطة الدولة خاصة وأنها كانت حديثة العهد بالاستقلال وتسعى إلى تأكيد سلطتها و إلى توحيد المساطر والمقتضيات القانونية التي يخضع لها المواطنون.

المرحلة الثانية: تعديلات 1993 والانفتاح السياسي
عرفت المدة الفاصلة بين وضع مدونة الأحوال الشخصية سنة 1957 وتاريخ إدخال أول تعديل عليها في سنة 1993، تطورات سياسية واجتماعية وثقافية عرفها المغرب طالت أوضاع المرأة بالخصوص وبالتالي كان هناك حاجة إلى مواكبة هذه التطورات باللجوء إلى تعديلات للمقتضيات القانونية المنظمة لأوضاعها.
لقد انعكس هذا التطور في ظهر تنظيمات نسائية شعرت في صياغة مجموعة من المطالب والبحث عن آليات للضغط من أجل تحقيقها ك “اتحاد العمل النسائي” الذي تأسس سنة 1987 أو “منظمة المرأة الاستقلالية” التي أسست بدورها سنة 1988 رغم تباين توجهات التنظيمات النسائية حول مسألة الأولويات على مستوى المطالب، فقد توجت الجهود سنة 1992 بتوجيه مذكرة إلى الديوان الملكي تتضمن مختلف المطالب النسائية، وقد تزامن ذلك مع اللحظة التي كانت مقدمة إصدار دستور 1992 في إطار البحث عن التوافق، حيث حرص المغفور له الملك الحسن الثاني على تعديل المدونة من خلال تشكيل لجنة ملكية أنهت أشغالها سنة 1993 وذلك بعيدا عن أي تدخل للأحزاب السياسية حيث اندرجت تلك التعديلات ضمن اختصاصات الملك كأمير المؤمنين إلى جانب العلماء وليست من اختصاص السلطتين التنظيمية أو التشريعية.

المرحلة الثالثة: إصلاح 2003 والمشرع الديمقراطي الحداثي :
عندما وصل جلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى سدة العرش، بعد وفاة أبيه يوم 23 يوليوز 1998، وجد جلالته نفسه أمام وضع محقن بسبب الانقسام حول “أوضاع المرأة” حيث كانت حكومة الوزير الأول السابق السيد عبد الرحمان اليوسفي من خلال كتابة الدولة في شؤون الأسرة قد تقدمت بمشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية في مارس 1999، وقد بلغ الانقسام أوجه في مسيرتي الرباط والدار البيضاء يوم 12 مارس 2000، وأمام هذا الاحتقان بادر جلالته إلى تشيل لجنة لإعادة النظر في مقتضيات مدونة الأحوال الشخصية في أبريل 2001 وكان نصره الله قد رسم الخطوط العريضة لعمل اللجنة بحيث ترتكز على أحكام الشريعة الإسلامية وفق منظور اجتهادي يتلاءم ومتطلبات التوجه الحداثي للعهد الجديد، وأمام تعثر أشغال اللجنة برئاسة السيد إدريس الضحاك، قام جلالة الملك بتعيين السيد امحمد بوستة في يناير 2003 على رأسها خلفا له، و الذي تمكن بتاريخ 12 شتنبر 2003 من تقديم خلاصات أشغاله إليه، ولمك يتأخر الملك محمد السادس نصره الله في الحسم في الموضوع إذ أعلن عن التعديلات الجديدة في خطاب تاريخي لافتتاح الدورة البرلمانية الخريفية في أكتوبر 2003 وقد تحكمت في تلك التعديلات الرغبة في بناء هذا المشروع، حيث وضع مفهوم المجتهد إذ تكونت اللجنة التي تكلفت بالإصلاح من علماء الشريعة وأعضاء من مختلف التخصصات والتوجهات إضافة إلى كون جلالة الملك قرر عرض تلطك التعديلات على أنظار البرلمان اعتبارا لكون جلالته يحرص على إضفاء طابع الشورى في الفصل في الأمور الشرعية وخاصة ما يتعلق بالجوانب الحكمية في مدونةالأسرة.
______________
-مقدمات: المجلة المغاربية للكتاب، عدد خاص رقم 2، طبعة النجاح الجديدة، بتصرف ص 2.
-دخول المرأة إلى مجال العمل على نطاق واسع، وتدني مستويات العيش لدى فئات واسعة.
-د.علي أبو العكيك، مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ص 231.
-مرجع سابق، ص 228، بتصرف.
-مجلة الفرقان، عدد 50، ص 48.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *