السياسة الخارجية كأداة لفرض القيم والنموذج الأمريكيين

دور العامل الديني في السياسة الخارجية الأمريكية
الفصل الأول: دراسة في الصهيونية المسيحية الأمريكية المعاصرة
المبحث الأول: مسار تطور المسيحية الصهيونية الأمريكية
المطلب الأول: الأصول العقدية التي بنيت عليها أمريكا

المطلب الثاني: السياسة الخارجية كأداة لفرض القيم والنموذج الأمريكيين
رأينا فيما سبق كيف أن حركة الإصلاح الديني بزعامة مارتن لوتر لخصت شعارها في العودة إلى الأصول، أي العودة إلى حرفية الأسفار المقدسة، ورأينا أيضا كيف دفعت هذه العودة الآلاف من البيوريتانيين إلى العالم الجديد باعتباره أرض الميعاد وطلبا للحرية الدينية، وما صاحب هذه المغامرة من إسقاط حكايات وأساطير الكتاب المقدس على أنفسهم، حتى:« أصبح يهوه إلها اليهود إلها للمسيحية وحل أبطال العهد القديم، وأنبياؤه محل قديسي المسيحية » .

وبذلك نما في أمريكا هذا التيار المسيحي وهو يشق طريقه بقوة وينظر إلى المستقبل بعين النبوءات التي يزخر بها العهد القديم ويرى لزاما عليه أن يساهم في تحقيقها ، فإنهم إنما يتصرفون بمشيئة الله وإرادته، فرغم أن المواطن الأمريكي حر في أن يعتنق دينا ما أو يرفضه أو حتى يرفض جميع الأديان، ورغم أن الدستور بنص صريح أقام جدارا فاصلا بين الدين والدولة، فرغم كل هذا تبقى المسيحية هي الديانة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية وأن المذهب الرئيسي فيها هو البروتستانتية.كما ينبغي أيضا إدراك أن للدين تأثير قوي في مسيرة التاريخ الأمريكي، نلمحه في تطور نظام الحكم والتداول على السلطة، كما نلمحه في نمط العيش وما يلازمه من سلوكات وعادات وحركات دينية مختلفة ومتشعبة تتمتع بشعبية كبيرة وتأثير قوي ومستمر في الفكر الأمريكي، والسياسة الأمريكية، إلا أنه بات لزاما علينا ونحن ننبش في تاريخ المجتمع الأمريكي أن نقف عند أهم التطورات الدينية والسياسية والاجتماعية التي شكلت النسق الفلسفي للفكر الأمريكي، وبخاصة الأفكار والأحداث التي ساهمت في تكوين بنية الفكر الديني في مرحلته الأولى ولعل الهدف من دراسة هذه الأفكار والمفاهيم والأحداث وتعقب مسار هذا التراث عبر التاريخ الأمريكي هو الوقوف على مدى تأثيرها في صياغة وتوجيه سلوك أمريكا الثقافي والسياسي نحو العالم .وبعودتنا إلى سلوك وكتابات العديد من الآباء المؤسسين نجد مدى اعتقادهم بوجود خطة إلهية من تدبير الإرادة الإلهية، والتي نجد جذورها في سفر صامويل الثاني من الكتاب المقدس إذ ينص: « وعينت مكانا لشعبي إسرائيل فسكن في مكانه ولا يضطرب بعد »، فالآباء
المؤسسون في نظر ״كوتون ماذر ״كان هدفهم الوحيد هو حمل مسؤولية تنفيذ قضاء الله، هذه المسؤولية التي رفعتهم فوق الأمم وجعلت بركة الإله تصحبهم في مسيرة السبي والمذابح والإبادة المقدسة، فجورج واشنطن في خطاب تعيينه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية أكد أنه:« لا يوجد شعب أكثر جدارة من شعب الولايات المتحدة بألا يملك إلا أن يشكر ويعبد اليد الخفية التي تقود شؤون الإنسان، كل خطوة قادته إلى طريق الاستقلال الوطني تحمل في طياتها علامة التدخل الإلهي » إن تدبير الإرادة الإلهية التي عبر عنها واشنطن «باليد الخفية» هي التي ستشكل المبدأ الأساسي لسلوك أمريكا السياسي والاقتصادي مستقبلا حيث عبر بها- آدم سميت- في الاقتصاد عن القانون الأساسي للتجانس بين المصالح الشخصية والمصلحة العامة، إنها في الحقيقة مصلحة مملكة الرب التي كانت موجودة في عقل الله لأهداف عظيمة ومحددة منذ بداية الخلق، إنها خطة إلهية بهدف تنوير وتحرير جزء من البشرية التي لا تزال تعاني من الاستبداد ..فأمريكا خلقت بيد الله من أجل أن تكون المسرح، حيث على الإنسان أن يصل إلى وضعه وقيمته الحقيقية، كما عبر عن ذلك جون أدمز، وبعد هذا لن تستغرب إن سمعت عن نيكسون يقول : «الله مع أمريكا، الله يريد أن تقود أمريكا العالم » . فعلى ظهر كل دولار أمريكي طبع تصفعك صورة جورج واشنطن وبجانبه عبارة « في الله نثق » هذه الثقة في الإرادة الإلهية جعلت البيوريتانيين يعتقدون أنفسهم طرفا في علاقة تعاقدية مع الله، اختارهم واصطفاهم، دون غيرهم لأنهم شعبه المختار وألزمهم رسالة تخليص وتنوير بقية أمم العالم وهدايتها وتحريرها من قبضة الشيطان، بمباركة من الإله لمسعاهم على أمل العيش في مملكة الرب السعيدة .إن هذه الشريعة التي في الأساس عقيدة تعاهدية جعلت كما يقول – جون بريستون : «إن مبدأ العهد هو أساس كل أمالكم وهو الأساس الذي نشأ عليه كل إنسان، ليس أمامكم من مبدأ سواه، فقد عقد الله عهدا معكم وأنتم طرف في هذا العهد معه» هذا العهد الذي ألزمكم بمسؤولية نشر الكتاب المقدس، لذلك دعا ووستر المبشرين بقوله : «إذهبوا ومن أعالي كالغازي، وجبل صهيون، أعلنوا لقبائل إسرائيل في التيه، ولأتباع النبي الزائف، ولجميع شعوب الأرض أن ينبوع النور قد تدفق لتطهير جميع الأمم، وأن الراية قد رفعت لتلتف حولها » .
ولا شك أن حركة التوسع الاستيطاني التي شهدتها أمريكا هي أساس النماء الاقتصادي الأمريكي، وأن رغبة النماء وتحقيق حلم بناء إمبراطورية الكونية يستوجب استمرار التوسع وعدم إطفاء نار الحرب حيث انه لابد« من شق قناة لهذا التوسع عبر المحيط، والاستفتاح بضم الجزر والبلدان القريبة، إنها حتمية الولادة الأبدية للثغور التي تتقدم باستمرار وحتمية الولادة الأبدية للمياه الأمريكية على هذه الثغور والجبهات التي ستصل الغرب بالشرق لتكمل شمس الحضارة الأنغلوساكسونية دورتها حول الأرض» إن هذه العقيدة تلازم الأمريكيين وما من مرة عبر عنها رؤسائهم، فالرئيسي ماكلني ذهب لغزو الفلبين من أجل «رفع شأنهم وتحضرهم، وتحويلهم إلى المسيحية * » بل إن الرئيس تافت عندما قم بغزو المكسيك أعلن “« يجب علي أن أحمي شعبي وممتلكاته في المكسيك حتى تفهم الحكومة المكسيكية أن هناك إلها في إسرائيل تجب طاعته» إنها ولادة أبدية للحياة الأمريكية على كل الثغور والبقاع فالعالم كله مجاهل وأن قدر أمريكا الذي لا ينازعها فيه أحد أن تملك منه ما تشاء من أرض لأن ذلك حقها الطبيعي ، ولأن إله الطبيعة والأمم هو الذي أورثها هذه الأرض وجعلها كائنا حيا لا يتوقف عن النمو» إن هذا الاعتقاد في فكر الأمريكيين الأوائل قد تطور بعد وصول حركة التوسع الاستيطاني نحو الغرب بانتهاء الجبهة القارية الداخلية لما وراء المحيط حيث «ضل الغرب يفر أمام زحفهم ويتراجع إلى أن لم يبقى أمامهم من غرب وإلى أن صار عليهم أن يخترعوا لزحفهم غربا آخر ولو في أول الشرق» .
فالعناية الربانية جعلت البيوريطانيين يعتبرون المصير المبين الذي قدره لهم الرب بأن وهب لهم إسرائيل الحديثة – أمريكا – وما يفرض ذلك من عمل وحركة وتقدم استيطان تجاه الغرب ، أي غرب في أي مكان من الأرض قصد ابتكار مجتمع جديد بأمر من الرب يكون فيه«عالمنا كله يعيش تحت رحمة ما . فيا كولمبس الذي أوصى باستثمار ذهب في تحرير أورشليم » حيث تناسلت في الثقافة الأمريكية حب التملك والاستزادة فأصبح كل فرد تتحدد مكانته دينيا ودنيويا بالعمل، حتى أن العمل سيصبح فيما بعد تجسيدا حقيقيا للفضيلة قصد تحقيق الثروة والعيش في الفردوس الأرضي. إن البيوريتانية «وضعت الأمريكي وجها لوجه أمام مصيره مثلما وضعته وجها لوجه أمام الله» كما أكد هارولد لاسكى، فأصبحت البروتستانتية الأمريكية دين العمل في محاولة لخلق توافق مع الفردية الأمريكية ، فالفرد مسؤول عن أعماله ومصيره دون تدخل أي طرف ، فلا وساطة بينه وبين الله وليس هناك من يمنعه من تفسير النص المقدس . وفي هذا الصدد أكد والتر سكوت ويب – أن الأمريكي قد اتبع فطرية “دعه يعمل…دعه يمر” قبل حوالي قرن من اعتمادها وصياغتها من طرف آدم سميت .ومما لاشك فيه أن الفردانية ستنعكس على الكنيسة البروتستانتية حيث أنه«تعددت المذاهب بين معمدانيين بيض وسود، ومورمون، ومشيخيين ، ومنهجيين، وأسقفيين، وكويكرز، وشهود يهوه، وتتكاثر الجماعات الدينية والنحل لتتجاوز 3500جماعة دينية » . وأصبح بذلك« السوق السوق القومي للدين» الأمريكي مفتوحا أمام حرية التنافس بين شبكات وجماعات دينية كنسية على نفس الشكيلة التي تعرفها

السوق الإقتصادية من مضاربات .وأكيد أن الحرية الدينية والتعددية المذهبية ستشكل أساسا للتقاليد الديموقراطية في الممارسة السياسية الأمريكية في إطار تدبير الإختلاف عن طريق التعددية السياسية.
لقد انسجمت البروتستانتية الأمريكية مع أفكار ومفاهيم كالحرية الفردانية والسوق الحرة والديمقراطية، وبالتالي فالتاريخ الأمريكي راكم تجربة داخلية أكثر براغماتية من خلال تفشي البعد الديني في الحياة العامة على شكل اعتقادات وطقوس وممارسات عامة خارج إطار الكنيسة. وفي موازاة مع الممارسات الكنسية. إن هذه التجربة التي تعلي من مصلحة الفرد الأمريكي الأنكلوساكسوني الأبيض بوصفها قيمة فوق كل القيم لا تؤمن إلا بالنتائج العملية الملموسة كما ساهمت هذه التجربة أيضا بفضل تراكم مجموعة من السمات التي حدده الآباء الأولون للفرد الأمريكي من تشكيل الشخصية الأمريكية النموذجية. هذه السمات هي التي ستحدد المبادئ الكبرى للسياسة الأمريكية تجاه الآخر، الأمر الذي يجعل من الشخصية والسياسة الأمريكية خليط من المفاهيم المتناقضة التي استطاعت أن تؤسس لسياسة القوة لدى إمبراطورية المتناقضات حتى ضلت في أغلب أحيانها تنظر الى ذاتها كأمة قوية للغاية تستحق أن تقود العالم بل وأن تتملكه. وفي ضل هذا يؤكد «أوجيني في روستو»:”«نحن ننجدب إلى المبادئ المتعارضة بحماسة متساوية ونتمسك بها بعناد متساو ، هل يجب أن سياستنا الخارجية على القوة والأخلاق ؟ الواقعية أو المثالية ؟ البراغماتية أو المبدأ ؟ وهل ينبغي أن يكون هدفها حماية المصالح أو تشجيع القيم ؟ وهل يجب أن نكون قوميين أو عالميين ؟ ليبراليين أو محافظين ؟ ونجيب بخليط من الفرح والسذاجة، كل ما سبق ذكره » .إن هذه المبادئ التي أصبحت تقليدا أصيلا هي التي تشكل دعامة المعجم الدائم لخطب الآباء الفاتحين وأحفادهم من بعدهم حيث استطاعت أن تجد صداها لدى عامة الأمريكيين في سيرتهم الحضارية لمشروع نهاية التاريخ ، لا لشيء إلا لأن أمريكا الأمة هي« إسرائيل التوراة »التي ساقتها الخطة الإلهية الى قيادة العالم طالما حفظ شعبها وصايا عهدهم القديم، وبذلك فحركات وسكنات السياسة الخارجية الأمريكية تكون في سياق إنعاش هذه المفاهيم التي تربطها ارتباطا وثيقا بالفضيلة والإيمان .

إن تتبع السياسة الخارجية الأمريكية يفصح عن مجموعة من التقاليد والمفاهيم التي تقود وتوجه ديبلوماسييها، فالأمريكيون « يملكون كتابا مقدسا للشؤون الخارجية، استغرق تقنينه قرنين وانقسم الى عهدين كل منهما » من أربعة كتب، عهدنا القديم ساد على الجانب الأكبر من ممارساتنا الدبلوماسية منذ 1776وحتى تسعينات ق19، وعهدنا الجديد الذي سيطر على الجانب الأكبر من دبلوماسية الولايات المتحدة الأمريكية المعاصرة » .
إن هذين العهدين اللذان يحملان التقاليد الثمانية الكبرى للشؤون الخارجية سيجعلون أمريكا بالتأكيد كائنا مخلوقا للعلاقات الدولية.وإذا أردنا أن نفهم ونعي أكثر هذه الأفكار والمفاهيم التي أنعشت السياسة الخارجية الأمريكية وأطرتها لمدى طويل من الزمن علينا أن نسلم بفضل البراكماتية الأمريكية التي استطاعت بعد قرنين ونيف من الزمان أن تحصر لائحة من المفاهيم والتقاليد بدقة حيث أن «أي مبدأ أو إستراتيجية ليتأهل كتقليد أصيل يجب أن يحوز دعم الحزبين ، وأن يعمر بأبعد من المدى الذي ولد فيه ..ويكون له صداه عند عامة الأمريكيين ،حتى في الفترات التي لم يلهم فيها السياسة» .وبذلك تكون السياسة الخارجية الأمريكية من خلال هذه التقاليد قد أفصحت عن مرحلتين منسجمتين من مسار الأمة الأمريكية، صورة لأمريكا كأرض ميعاد وكهبة مهداة من الرب لبني إسرائيل في العهد القديم ، وكدولة صليبية ترعاها يد الله في العهد الجديد؛رسالتها إنقاد العالم وتحريره.
وبعودتنا إلى”الكتاب المقدس للشؤون الخارجية “من خلال رصد المبادئ الثمانية للعلاقات الأمريكية في مسار الأمة الأمريكية نجد أن البيوريتانيين الأوائل كانوا يعتقدون بأن “الحرية “هبة من الله”«لأن هذا العالم الجديد كان الملجأ للمضطهدين المحبين للحرية المدنية والدينية من كل مكان في أوربا، وإذا كان الصوت الشرعي للناس يجب أن يعلن الاستقلال فلدينا كل فرصة وكل تشجيع أمامنا لنضع أنبل وأنقى دستور على وجه الأرض؛ ولدينا من قوتنا ما يمكننا من أن نعيد بدء العالم » .إن هذا الارتباط القوي بالحرية كمبدأ من طرف امة بني تاريخها على أساس استعباد الآخر وحرمانه حتى من حقه الطبيعي في الحياة والموت، سيشكل مع بداية استقلال أمريكا دافعا أساسيا لتعزيز روح الوطنية «فأمريكا لن تذهب إلى الخارج بحثا عن وحوش لتقضي عليهم، إنها ترغب في الحرية والإستقلال للجميع ، إنها بطلة نفسها فقط .وسوف توصي بالمصلحة العامة بالاعتماد على صوتها وبضربها المثل في تعاطفها اللطيف ..إن الولايات المتحدة يمكن أن تكون ديكتاتورية العالم، ولكنها لن تعود المسيطرة على روحها هي » .فالفهم الصحيح للحرية جعل السياسة الخارجية الأمريكية تدافع وتطعم الوحدة والحرية الداخلية للشعب الأمريكي من خلال صيانة حريات الأفراد المطلوبة للسمو والطهر الروحي، وبذلك فالآباء المؤسسون تنبهوا لما كان مستبعدا في حياتهم من انتشار الرذيلة في المجتمع الحر واستفحالها حتى أن “ونتروب”عملا بما قام به موسى في خطبة الوداع بسفر التثنية حيث حذر من أنه «إذا تعاملنا بزيف مع الرب، فإنه سوف يسحب عونه الحالي لنا ، وسنكون حكاية وموضع سخرية العالم، وسوف نخيب آمال خدام الرب ونجعل صلواتهم تتحول إلى لعنات علينا حتى نهلك في الأرض الطيبة التي نحن ذاهبون إليها» . إنها صورة رائعة من التجانس بين الحرية كمطلب غال وبين الفضيلة كثمن لها. إنهم ينظرون إلى أمريكا “الجمهورية”-في العالم-بعيون الكتاب المقدس باعتباره النظام الوحيد الذي يعكسها دائما ويتولاها، إن هذا الإرتباط جعلهم يحسون بأنهم وحدهم دون غيرهم “شعب الله المختار” ترعاهم قدرة
الله وهم بذلك يؤسسون لنا في أكبر التقاليد في السياسة الخارجية الأمريكية “مبدأ الأحادية”إنهم بمبدئهم هذا يخشون وعيد الرب حيث يقول:«”ويل للبنين المتمردين الذين ينفذون خطة ولكنها ليست خطتي، والذين يسعون الى تكوين عصبة ولكنها ليست من روحي، والذين ينهبون لينزلوا الى مصر ولم يطلبوا نصحي، ولم يسألوا في» وعلى غرار هذا النص المقدس أسقط جورج واشنطن معانيه ليعظ به أتباعه بقوله:«لتضع ثقتك في الحلفاء خصوصا أولئك الذين هم أقوى منك ، ففي أفضل الأحوال سيجعلونك قطعة شطرنج في ألعابهم، وبالعكس عليكم أن تثقوا في الرب وفي أنفسكم في تعاملكم مع الغرباء، ولا تكونوا بعيدين في الحماية التي تكفلها العناية الإلهية الكريمة » . إن الذاكرة الأمريكية لن تنسى سياسة الحياد التي تشبع وعي الجمهور الأمريكي بها وأضحى يؤرخها على قطعة الدولار الأمريكي الذي زين بصورة واشنطن وبجنبه عبارة “في الله نثق “، وبذلك كان هم أمريكا أن تبتعد بوضوح عن النزاعات الأوربية صونا لمصالحها وضمان لحرية أفرادها. وقد عبر عن هذا “إيول بومفريت ” في رسالة إلى مجلس اللوردات *عام 1755إذ أكد: «أن الطبيعة فصلتنا عن القارة – أوربا-، وكما أنه ما من أحد ينبغي أن يسعى لفصل ماربطه الإله الأعظم، فلا أحد ينبغي أن يسعى لربط ما فصله الإله الأعظم » .هذه الحرية الكاملة للحركة الأحادية جعلت أمريكا تنظر إلى العالم بعين الاحتراز، وبسياسة هادئة كمرحلة أولى لاستكمال عرش هذه الأمة الشابة إنه بعد النظر الثاقب الذي عبر عن دهاء الآباء المؤسسين، وقد عبر الوزير السويسري عن هذا عندما قال لجون آدامز الرئيس الثاني لأمريكا :–«سيدي إنني أعده أمرا مسلما به أنك سوف يكون لديك الإحساس الكافي لترانا في أوربا يقطع كل منا رقبة الآخر، بينما تراقبنا بهدوء فلسفي» وبذلك يمكن اعتبار المصلحة الأمريكية تستلزم البعد بقدر الإمكان من اشتباكها مع سياسة وتناقضات الآخرين وخاصة الأوربيين حيث أجمع جل الآباء الأوائل على أن آلام وجراح أوربا يجب أن تبقى خارج الإرتباط العاطفي بالسياسة الأمريكية، بل استطاعوا أن يقنعوا الشعب الأمريكي بأن سعادته الحقيقية في ألا يكون مرتبطا بالمصالح الأوربية والسياسة الأوربية وقد عبر عن هذه القناعة جون أدامز كويني بقوله : «هل هان الإخلاص البطولي والجود بالنفس من آلاف الأصدقاء والإخوة الذين أقبلوا على التضحية عند الهيكل المقدس للاستقلال الأمريكي ، حتى يتبخر ذلك الاستقلال لفقعات ينفخها النفوذ الأجنبي فتتطاير كالهباء ويتلاعب بها طبقا لمصالحه وأهوائه ..الهلاك للأمريكي التي تكون روحه قابلة للخضوع لمثل هذه العبودية المتدنية» إن هذا المبدأ العام للسياسة الخارجية جعل أمريكا تتحدى التهديدات الخارجية بل أكثر من ذلك فهي أصبحت تفرض احترام حيادها وذلك من خلال قدرتها على اختيار السلام أو الحرب ليس كما يقرر الآخر بل طبقا لمصالحها ، وبذلك فالحقيقة التي تفهم جيدا هي أن الأمريكيون استطاعوا أن يجعلوا رايتهم محترمة بل ومخيفة في بعض الأحيان .إن الثقة في الله دون غيره جعل هاملتون يشير على أنه«من الحماقة أن تطلب أمة من أخرى معروفا لا يتفق مع مصالحها، ولا يتم هذا إلا بالتنازل عن جزء من استقلالها ..ليس هناك خطأ أعظم من أن تتوقع امة –أو تعمل حسابها – على مساعدة أو جميل من دولة أخرى » .فضمان استقلال أمريكا وحريتها الداخلية يفرض عليها أن تنأى بنفسها عن حروب أوربا وأطماعها غير أن هذا لن يجعل أمريكا في أمان ما لم تحرص على عدم انتقال القوى الأوربية إلى أمريكا، وبذلك فكرت منذ البداية في صياغة “نظام أمريكي” فريد تضمنته الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي جيمس مونرو إلى الكونغرس عام 1823، حيث أصبح هذا النظام في ما بعد يعرف بمبدأ مونرو، وهو بذلك يسعى إلى حماية المصلحة القومية لبلده ضد “الحلف المقدس” الذي تشكل في أوربا بعد هزيمة نابليون، فمؤتمر فيينا* الذي أعاد بناء نظام أوربا من جديد وما يعنيه هذا كله لأمريكا ومصالحها، فأوربا الموحدة الرجعية يمكن أن تشكل تحديا قويا للمصالح الأمريكية، وبذلك فالنظام الأمريكي الذي أعلنه مونرو وهو الإعلان عن تصميم أمريكي محكم للدفاع عن أي مصالح قومية حيوية آنية أو مستقبلية على الشق الغربي للمحيط الأطلسي.وفي الحقيقة فإن هذا النظام يجد جذوره في فكر الآباء الأوائل. حيث أكد أدامز في رسالة الى مجلس الشيوخ يقول فيها: «..ألم يحن الوقت للأمم الأمريكية لإبلاغ السادة الأوربيين بأن القارتين الأمريكيتين لم تعودا مفتوحتين أمام إقامة مستعمرات أوربية جديدة » .وأكيد أن هذا الإعلان سيثير حفيظة الضفة الشرقية للأطلسي من خلال القضاء على مصالحها في الأمريكيتين وبذلك كما يقول المؤرخ “طوماس باترسون” فإن :«مبدأ مونرو كان يمثل دفاعا عن المثل الأمريكية، وأمن أمريكا وتجارتها
أي تأكيد المصالح القومية ..ووضع آخرون مبدأ مونرو في إطار آخر، وأشاروا إلى أن الإعلان قد يكون معناه إرفعوا أيديكم أيها الأوربيين، ولكن سمح للولايات المتحدة بأن تضع أياديها» . فأمريكا من خلال مبدأ مونرو تؤكد على أنه من أجل ضمان حرية أمريكا ووحدتها الداخلية عليها أن تنفصل عن شباك التحالف مع سياسات ومصالح الآخرين من التأثير. فهي التي تقرر حسب مصلحتها القومية. ما إن كانت ستلجأ للحرب أم تختار السلام، إن هذه الفلسفة جعلت أمريكا تزحف أمام ” المجاهل”الأمريكية في اتجاه الغرب والشرق متجاهلة مسألة الحدود، وهي بذلك تؤسس لمبدأ التوسع، المبدأ الرابع ضمن هذه الترسانة من المفاهيم التي شكلت التقاليد المقدسة للشؤون الخارجية. وبعودتنا إلى تاريخ أمريكا نجد هذا المبدأ يربطنا بمبدأ ” المصير المبين كما يعتقد جون أوسوليفان حيث أن “ميلادنا بداية لتاريخ جديد، يمكن أن تفترضه بثقة، إن مصير أمتنا هو أن تصبح أمة المستقبل العظيمة، فالمستقبل البعيد وغير المحدود سيكون عصرا للعظمة الأمريكية التي قدر لها أن تبين الجنس البشري عظمة المبادئ السماوية ..وان تؤسس على الأرض أنبل معبد تم بناؤه لتسبيح وعبادة الأعلى والأقدس والحق وستكون أرضه عبارة عن نصف الكرة الأرضية وسقفه السماء المرصعة بالنجوم ..وجنوده من المصلين عبارة عن اتحاد من جمهوريات عديدة تضم مئات من ملايين السعداء » إنهم يجمعون بين توسيع النطاق الجغرافي الأمريكي بنشر الكتاب المقدس وتحرير الإنسان من قبضة الشيطان ومنحه نطاقا واسعا من الحرية والسعادة التي تستوجبها الأهداف العليا للعناية الإلهية الحكيمة، وبذلك تكون هذه التقاليد الأربع قد أتمت حلقة العهد القديم ومرحلة “مجاهل العالم الجديد”وأرض الميعاد مرحلة الارتباط بالرب والالتزام بعهد مرحلة شعب الله المختار الأمريكي التي وضع لها البيوريتانيون شعار :” « يجعلك الرب إلهك مستعليا على جميع قبائل الأرض، وتأتي عليك جميع هذه البركات وتدركك إذا سمعت لصوت الرب إلهك»
إن هذه المبادئ الأربع كشفت عن تأثير فكرة أرض الميعاد على السياسة الخارجية الأمريكية من خلال تقوية شوكة هذه الأمة الشابة التي فتحت عيونها على العالم في محاولة منها لفرض قيمها وثقافتها فيما أصبح يعرف بالنموذج الأمريكي وهم بذلك يؤسسون لدولة صليبية شعارها: «فاذهبوا إذن وتلمذوا جميع الأمم » هذا الشعار الذي سيتحول إلى مبدأ خامس في السياسة الخارجية فيما يصطلح عليه بالإمبريالية التقدمية، فألبرت جي بيفريدج استحضر نفس خط السابقين وأضاف : « رفاقي المواطنين إنها أرض نبيلة التي أعطاها الرب إياها، أرض يمكن أن تطعم وتكسوا العالم ..أليست لدينا رسالة لنؤديها، واجب نتحمله تجاه رفاقنا ؟وهل منحنا الأب القدير هبات وراء صحارينا، وميزنا باعتبارنا شعبه المختار لنبلى ونتعفن – فحسب- في أنانيتنا ».

وهو بذلك يدشن انطلاقة مرحلة جديدة في التاريخ الأمريكي تكون فيه الثورة الصناعية عمود السيطرة على العالم، إذ حقق الأمريكيون لأول مرة في تاريخهم فائضا في الميزان التجاري. اعتمادا على المضاربة التجارية. ومما لاشك فيه فإن هذا الفائض سيدفع الصناعيون والممولون والساسة للحديث عن الحاجة لمنافذ خارجية للطاقات والسلع الأمريكية فأصبحت فيه أمريكا في عالم تتنافس فيه الدول على التجارة والملاحة، ولم تعد تضمن سلامتها ولا سلامة نفوذها إلى الأسواق: « إنني امبريالي ببساطة لأنني لست انعزاليا »كما قال مهان، إنها امبريالية بضمير ذاتي، امبريالية تقدمية –توسعية- تولدت من إدراك الأمريكيين للرسالة الدينية ليس من خلال تعطشهم لمزيد من الأرض فحسب، فالمستعمرات لم تكن صالحة للمشاركة كليا في الحياة القومية، ولكن من خلال هذه المرحلة على العالم تعلم الطريقة الأمريكية حيث « كان الحل الإمبريالي الوسط هو السماح للعلم الأمريكي بالتقدم مع إنكار أن الدستور يتبع العلم » ونتج عن هذا في السياسة الخارجية التزام قوي بالسعي وراء أفكار مجردة مثل الحرية والديمقراطية والعدالة، وتكون بذلك قد وضعت اللبنة الأولى لتأسيس الدولة الصليبية. هذه الدولة التي بزغت ملامحها مع خطاب ويلسون غداة الحرب العالمية الأولى حيث أكد: «إننا -كأمة أمريكا-مشاركون سواء أردنا أو لم نرد –في حياة العالم ومصالحه التي هي في الأصل مصالحنا.

نحن شركاء مع الباقين «إن الولايات المتحدة الأمريكية راغبة في أن تصبح شريكا في أي جمعية ممكنة للأمم، تتشكل لتحقيق تلك الأهداف وجعلها آمنة من الانتهاك، و ليمنحنا الرب فجر ذلك اليوم الذي يتحقق فيه التعامل الصريح والسلام المشترك والتوافق والتعاون» حيث تحركت ” صوت أمريكا من خطاب ويلسون – الذي أخذ اسمه فيما بعد يطلق على المبدأ السادس للشؤون الخارجية في مسعاها لتحقيق مملكة الرب وهي تصف انخراطها في أحداث الحرب العالمية الأولى بأنها انطلاق حملة صليبية لردع العالم وجعله سالما وأكثر ديموقراطيا، فالقدرة الإلهية التي أناطت لأمريكا هذه المهمة«لا تدع أحدا يفترض أنه يمكن فصل التقدم عن الدين والإنسان الذي يتجدر إيمانه بالكتاب المقدس يعرف أن الإصلاح لايمكن أن يتوقف..فمع الرب كل الأشياء ممكنة». وبذلك ولصيانة مبادئ السلام والعدل في العالم كان لزاما على ويلسون أن يقحم جنوده في حملة صليبية لإنهاء الحرب الأوربية وجعل العالم آمن من أجل الديمقراطية وهو يعتقد أن الرب غرس فينا رؤية الحرية ..إنه يمكنني أن أحرم من آمل أننا مختارون ، مختارون بوضوح لنري أمم العالم الطريقة التي يسيرون بها في دروب الحرية …وسوف نقاتل من أجل الديمقراطية، من أجل حقوق الإنسان وحريات الأمم الصغيرة ..من أجل هيئة عالمية للأمم الحرة ستأتي بالسلام والأمن لكل الأمم وتجعل العالم نفسه في النهاية حرا” وبذلك أحس ويلسون أن الليبرالية العسكرية هي المنقذ الوحيد للحضارة من الفوضى، وأن الرغبة في القوة مسألة عظيمة إنه في الحقيقة اقتداء بآلهته لم يأت بسلام ولكن بسيف. وبظهور القوى الأوربية الكبرى التي حدت من الليبرالية العسكرية وتراجع مصالح أمريكا أمام الزحف الشيوعي دفع دبلوماسيا إلى تطوير إستراتيجيتهم من خلال التفكير في “احتواء” الأزمة بدل مواجهتها وهم بذلك يؤسسون لسابع مبدأ في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية الذي كان في البداية عبارة عن مشروع بسيط لإعادة إعمار أوربا وتأهيلها في إطار ما يعرف بمشروع مارشال ليتوج بمحاصرة المد الشيوعي وتحرير شعوب شرق أوربا، لتدخل أمريكا في مرحلة انسجمت فيها سياسة الاحتواء مع الليبرالية التقدمية لتحقيق إرادة الرب التي عبر عنها ترومان بقوله “لقد خلقنا الرب ونصبنا في موقع السلطة والقوة التي ننعم بها الآن من أجل غرض عظيم” .
و في هذه الظرفية فطن الخبراء الأمريكيون إلى أن سياسة “الاحتواء” ستمهد لتأسيس عالم حر ديمقراطي مسالم يكون فيه النموذج الأمريكي هو المثال الأفضل.

وبعودتنا إلى المبادئ السبع واستحضارنا للرسالة التي حملها البروتستانت إلى العالم الجديد المتمثلة في تحضير أممه وإقامة مملكة الرب نكون قد كشفنا على نية في “تحسين العالم”من خلال دمج هذه المبادئ مع رسالتهم المقدسة. إنهم بذلك يؤسسون لمبدأ ثامن يتجلى ببساطة في التعبير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي عن التزام أمريكا بتحضير العالم، تمهيدا لإقامة مملكة الرب السعيدة. فالدبلوماسيين الأمريكيين ينظرون إلى المستقبل باعتبارهم مبشرين مخلصين للأمم إنهم كما يقول ” جونسون “: إننا نحلم بعالم حيث الكل يحصل على الطعام ومليء بالأمل وسوف نساعد في صنع ذلك” إنه أمل الارتقاء بكل الناس إلى حالة صاعدة من الحضارة المسيحية بتوزيع الكتاب المقدس وتعميمه وتبسيط مهارة قراءته فقد حان الوقت كما يقول “هنري والاس”من أجل بدرة تفاح “جون جي ماكوني ” الحديثة ترعاها الروح التبشيرية ..لتذهب في العالم كله وتعظ بالإنجيل ..الاستثمار والعلم والتكنولوجيا، والإنتاجية لكل الشعوب .”إنها حرب علماء الاجتماع والمبشرين الملزمين بإجبار العالم على أن يتشكل وفقا للقالب الأمريكي كمرجعية للعالم أكثر من رجل شرطة العالم” .إن هذه المبادئ الثمانية التي صيغت في مراحل مختلفة وتطلب تقنينها ردحا من الزمن ليس باليسير شكلت صفحات من تراث المجد الأمريكي الذي سيوجه السياسة الأمريكية في تحركاتها في الفترة المقبلة “لتقيم العدل وتسير في تواضع مع الرب “إلى نقطة مبهجة حرة من بين أمم أخرى حرة، أعطيتنا أيها الرب الكثير وندين لك، باستقلال أرضنا وكم هي سعيدة أمتنا ” هذه الأمة التي استطاعت أن تجمع الطيب بالقبيح وأن تزاوج الأخلاق بالسياسة، فنصبت نفسها إلها وأمرت العالم بالسجود طوعا أو كرها إنها كما يقول أرنولد توينبي “:إن أمريكا كلب ضخم ودود في غرفة صغيرة جدا، وفي كل مرة يهز فيها ذيله فرحا يحطم شيئا”.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *