تصورات ومقترحات لتحديد دور المنظومة الأممية لمواكبة البيئة الدولية الجديدة

في النظام العالمي الجديد : التحديات التي تواجه الأمم المتحدة
الفصل الثاني: التصورات والمقترحات المتعلقة بتحديد دور المنظومة الأممية لمواكبة البيئة الدولية الجديدة.

مقدمة:
إحتفلت الأمم المتحدة مؤخرا بمرور ستون سنة على إنشاءها، ويأتي الإحتفال في ظل ظروف جد مختلفة عن الظروف التي نشأت فيها المنظمة الدولية عام 1945، والمغزى كبير ليس فقط لأن الأمم المتحدة صمدت أكثر من ستين سنة. أي عاشت عمرا أطول بكثير من عمر العصبة. ولكن أيضا لأن دول العالم مازالت متمسكة بها على الرغم من الإختلاف الجدري بين ظروف العيد وظروف النشأة.
ويجري الإحتفال بالعيد في ظل تحولات متسارعة تكاد تغطي مختلف نواحي العلاقات بين الدول وبين البشر عبر الدول وبين الدول ومواطنيها وبين الجنوب والشمال وبين الغرب والشرق وبين السلام والحرب أو الصراع من جهة ومتغيرات القيم والأخلاق من جهة أخرى وبسبب هذه التحولات وفي مقدمتها التحولات المتعلقة بالنظام السياسي الدولي، وخصوصا مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة يكاد يتوفر إجماع حول الحاجة إلى تطوير الأمم المتحدة سواء بالمعنى الشامل أي المنظمة الدولية وما يجري في فلكها من مؤسسات ومنظمات وبرامج أو بالمعنى الأقل شمولا أي الأمم المتحدة كفكرة وميثاق وجهاز في نيويورك مهمته الأولى العمل على حفظ السلام العالمي.
وساعد في تكوين هذا الإجماع إزدياد العجز في أداء المنظمات والتجمعات الإقليمية وخصوصا في التعامل مع قضايا الأمن والسلم إذ لايخفى أنه منذ نهاية الحرب الباردة تكاثرت بؤر التوثر في بقاع مختلفة من العالم تعقدت وأبرزها تلك البؤر التي تفاقم خطرها في إفريقيا وفي أوربا والوطن العربي وفي الجزء من وسط آسيا والشمال منه الذي كان منتميا إلى الإتحاد السوفياتي الغابر وقد تسبب هذا العجز في تحميل الأمم المتحدة مسؤولية أكبر من قدرتها الحقيقية وهي القدرة التي تحكمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية بالمادة والإدارة، ثم الإهمال عندما كانت تشكل القطب الأول في نظام القطبي قبل إنهياره، ثم عندما أصبحت وأعطت لنفسها صفة القطب الأوحد في نظام عالمي جديد.
إن الإحتفال بالعيد الذهبي لإنشاء الأمم المتحدة لهو مناسبة للمقارنة بين عالمين: العالم الذي نشأت في ظله المنظمة الدولية وهو عالم المنتصرين في الحرب العالمية الثانية والعالم الذي نعيشه اليوم، وهو عالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وبقدر ما يحمل هذان العالمان من عناصر التشابه، فإن الفترة الممتدة بينهما وهي _ فترة الحرب_ مثلت نقيضا للفلسفة التي نشأت الأمم المتحدة لتعبر عنها.

لقد نشأت الهيئة الأممية كتعبير عن التحالف العظيم بين الدول التي انتصرت في الحرب، أو التي دعت إلى ” مؤثمر سان فرانسيسكو ” لوضع القواعد المنظمة للعلاقات السياسية في الفترة التالية، لذلك لم يكن من الغريب أن يحتكر المنتصرون لأنفسهم ” حق النقض ” (1) في مجلس الأمن ولم يكن من الغريب أيضا أن يتضمن الفصل السابع من الميثاق والمتعلق بتدابير حفظ الأمن ومواجهة العدوان إمكانية استخدام القوة المسلحة وأن ينشئ هيئة أركان مشتركة لتنظيم تلك العمليات لقد افترض المهندسون والمؤسسون للأمم المتحدة استمرار حالة الوفاق بين هذه الدول لذلك عندما انهار الوفاق واشتعلت الحرب الباردة بين المعسكرين، واستخدمت كل من القوتين العظيمتين ” حق النقض ” لتعطيل ما تريده القوة الأخرى من قرارات. أصيب مجلس الأمن _ وهو جهاز صنع القرار في المنظمة _ بالخمول إن لم يكن الشلل الكامل في كثير من الأحيان (2) .
ومع تغير الأوضاع الدولية في نهاية الثمانينات وسقوط الإتحاد السوفياتي، وبروز القدرة الإقتصادية لألمانيا واليابان، وإنخراطهما ضمن مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى ظهرت الحاجة إلى إعاد النظر في دور الأمم المتحدة. وتحديدا فإن نهاية الحرب الباردة طرحت إنعكاساتها على الأمم المتحدة من حيث عدم استخدام ” الفيتو”، بسبب العلاقات المتضررة بين واشنطن وموسكو، وبسبب الدول المتحيزة للولايات المتحدة على قمة النظام الدولي.
والسؤال المطروح راهنا هو: كيف تتطور الأمم المتحدة في ضوء تلك التحولات السياسية ؟ وماهي مواطن الخلل في أدائها ؟ وماهي الإصلاحات الضرورية التي ينبغي إدخالها على المنظمة لكي تكون قادرة على القيام بدورها في هذا العالم المتغير ؟؟؟.
وإذا كان من المؤكد أن هيئة الأمم بحاجة ماسة إلى إصلاحات كبيرة وجوهرية. إلا أن الغرض من هذه الإصلاحات وتحديد طبيعتها يختلفان من وجهة نظر إلى أخرى وتختلف أيضا وجهات النظر فيما يتعلق بتشخيص مشكلات الأمم المتحدة، وتقدير الآفاق الخاصة بتطورها المستقبلي، فالدول الغربية الكبرى ومراكز البحوث والدراسات وصناعة الرأي التابعة لها، تعتقد أن التغيرات الكبرى التي صبت على العالم ذات طابع إيجابي وأنها تتيح فرصة ثمينة للأمم المتحدة للإنطلاق في مهام حفظ السلام.
ومتى تم اقتراح مسألة إصلاح الأمم المتحدة على جدول أعمال النقاشات الدولية الحالية، إن داخل الأمم المتحدة ذاتها أو وكالاتها المتخصصة، إن في المؤثمرات الدولية أو الإقليمية، حتى تسارع هذه الدول دائما بقيادة الولايات المتحدة إلى تعطيل المحاولات الجادة للخروج بالمنظمة من أزمتها والبحث

(1)_ الدول التي تتمتع بحق النقض ” الفيتو” هي الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن: أمريكا،  فرنسا، إنجلترا، الصين, روسيا.
(2)_ هذا الشلل يمكن لمسه في أزمة كوريا المعبرة عن الفشل المستديم.

عن حلول للمشاكل التي تعترض سبيلها، وذلك بإحداث مشاكل كبيرة وحقيقية تزيد في تعميق أزمة المنظمة وذلك عن طريق مواقفها وخططها للإصلاح.
إذ إضافة إلى ما سبق تؤكد هذه الدول على كون الأزمة التي تعيشها المنظمة ماهي إلا أزمة سوء التسيير والتدبير للشأن السياسي العالمي داخل المنظمة والمتجلية في بعض مشاكل الفساد الإداري والأخلاقي للموظفين الدوليين وبعض الصعوبات التي تعترض بعض الأجهزة والوكالات وأفرقة العمل واللجان خصوصا المتعلقة بقلة الإمكانيات البشرية والمادية، وغياب التنسيق وغيرها من الأمور التي لها علاقة وطيدة بالتسيير الإداري، موضحة لنا ومحاولة إقناعنا أن جوهر أزمة الأمم المتحدة إن هي وجدت في نظرهم_ لأن مصالحهم غير مهددة بعمل المنظمة بل الأكثر من ذلك تعتبر المنظمة حاليا أكبر وسيلة فعالة وطيعة لخدمة هذه المصالح_، ماهي إلا أزمة إدارية محظة. ولتجاوز هذه الأزمة في سوء التسيير والتدبير في المنظمة تذهب جل إقتراحاتهم إلى الجوانب المتعلقة بالإصلاح الإداري (1)، ولو على حساب تضخم الجهاز الإداري الذي يعتبر من بين أسباب الأزمة الحادة التي تعتري سير المنظمة لما يتطلبه هذا الجهاز المتضخم أصلا، من نفقات باهضة ترهق وتزيد من الأزمة المالية للمنظمة.
في حين  أن  أغلب خبراء  العالم الثالث، ودبلوماسيي  دول عدم  الإنحياز  يختلفون كثيرا  مع  هذه
المواقف السابقة ونسايرهم هذا التقدير، حيث يرون أن الأزمة الأممية ماهي إلا إنعكاس لاختلال موازين القوى في العلاقات الدولية وعدم مواكبة المنظمة تشريعا (الميثاق)، وتنظيما (الأجهزة) لمتطلبات البيئة الدولية الجديد والتي تختلف عن  مثيلتها وقت انشاء المنظمة مما يتوجوب معه وضع الأصبع على
الجرح من خلال الوقوف على مكامن الخلل و العطب وهو ما سنتطرق اليه خلال المبحث الأول،بينما سنناقش في مبحث ثاني أهم المقترحات المتعلقة بأجهزة الأمم الامتحدة تماشيا والواقع الدولي الجديد و تبيان مواقف الأطراف المختلفة مع تقييم هذه المواقف في آنها على ضوء التطور الطبيعي والموضوعي للمنظمة والواقع الدولي من جهة، وعلى مدى تمسك الأطراف بالمنظمة ورغبتهم في إنقادها من العلل التي تعاني منها مخافة هلاكها ووضعها على سكتها الصحيحة من جهة أخرى.

(1)_ تجدر الإشارة إلى أنه تمت الإشارة إلى جوانب الإصلاح الإداري ضمن الفصل الأول من هذا البحث. ومن خلاله تتضح معالم الموقف الغربي من أزمة الأمم المتحدة، ولأجل فرض وجهة نظرهم تم الضغط خلال القمة الستون للإجتماع السنوي للمنظمة لتبني هذه المواقف، وفد كان لهم ذلك من خلال تبني مجمل مقترحاتهم ضمن الوثيقة الرسمية الختامية للقمة الستون للمنظمة مقابل ترك الجوانب المهمة والأساسية في الإصلاح وهي الإصلاح السياسي وتعليقها إلى أجل غير مسمى للمزيد من النقاش والتأمل.

المبحث الأول: تشخيص علل الهيئة الأممية

إن بقاء الأمم المتحدة على قيد الحياة زهاء أكثر من نصف قرن من الزمان على الرغم من كل الأعاصير التي هبت على الساحة الدولية، ليعد مكسبا ونجاحا يسجل في رصيد المنظمة الدولية، وتجسيدا لقدراتها على التكيف مع المتغيرات التي طرأت على النظام العالمي، ويتضح ذلك جليا وأكثر وضوحا إذا قارناها ” بعصبة الأمم ” التي لم تعمر طويلا بفعل قيام الحرب الكونية الثانية.
إلا أن بقاء الأمم المتحدة ليس دليلا على فعاليتها على المستوى الدولي، مما دفع إلى كثرة وتعدد الآراء الداعية إلى تجديد شامل للهيئة لإسترجاع شبابها وتمكينها من مواجهة التحديات المستقبلية، فقبل التطرق والتعرف على الإصلاحات التي يجب أن تدخل على الهيئة، لابد من التسائل أولا عن علل وأمراض الهيئة الدولية.

المطلب الأول: الخلل على مستوى الهياكل والمسؤوليات

تعاني الأمم المتحدة من الخلل على مستوى المهام والمسؤوليات التي طبعها الغموض (الفرع الأول) من جهة، ومن جهة أخرى في هياكل صنع القرار المتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين (الفرع الثاني).
الفرع الأول: غموض في المهام والمسؤوليات:

لم تعد الصورة واضحة إطلاقا فيما يتعلق بالمهام التي يتعين على الأمم المتحدة أن تضطلع بها في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين وربما يعود ذلك جزئيا إلى التحول الذي حدث في إدراك مصادر تهديد السلم والأمن العالميين.
فعندما كان ينظر إلى إستخدام القوة بطريقة غير مشروعة على أنه يمثل مصدر التهديد الأساسي، إن لم يكن الوحيد للسلم والأمن العالميين كان من الطبيعي أن يتم التركيز في هذه الحالة على كيفية حشد القوة العسكرية الدولية الكفيلة بمواجهة هذا النوع من التهديد وهذا هو المفهوم الذي تبناه الميثاق في الواقع (1)
والذي انصرف جهده الأساسي إلى إنشاء جهاز يتمتع بصلاحيات البوليس الدولي وسلطاته، وحاول أن يضع تحت تصرفه الأداة العسكرية اللازمة لردع العدوان أو قمعه، لكن ذلك لم يعد هو المفهوم السائد، إذ أصبح الإرهاب الدولي أو الإنتهاكات التي ترتكب ضد حقوق الإنسان (وبالذات

(1)_ نظام الأمن الجماعي المنصوص عليه في الفصل السابع من ميثاق المنظمة الأممية.
ضد حقوق الأقليات)  أو الإنقلابات العسكرية ضد النظم الشرعية أو الدستورية، تشكل مصادر لتهديد السلم والأمن العالميين. فقد أصدر مجلس الأمن قرارات عديدة تجيز، أو تصرح، أو تقرر التدخل العسكري، أو تفرض عقوبات إستنادا إلى الفصل السابع من الميثاق حول قضايا تتعلق بالإرهاب الدولي (ليبيا)، أو بانتهاكات ضد حقوق الإنسان أو الأقليات (العراق، البوسنة والهرسك، هايتي…إلخ) أو للدفاع عن الشرعية الدستورية (هايتي)، أو حتى لأغراض إنسانية (حماية قوافل الإغاثة: الصومال، البوسنة والهرسك).
ولا تكمن حقيقة المرض الذي نشير إليه هنا فيما قد يمثله هذا التدخل من تعد على ” الإختصاص الداخلي أو الشؤون الداخلية ” للدول، وإنماء تكمن حقيقة المرض، في تقديرنا في عدم وجود إتفاق عام أو إجماع حول الظروف والملابسات الموجبة للتدخل الدولي، أو المانعة له، في مثل هذه الحالات، وهذا يفتح الباب على مصراعية أمام إحتمالات أو وجود شبهة التصرف وفقا لمعايير مزدوجة، فأكراد العراق استحقوا حماية الأمم المتحدة، وتدخلها، لكن أكراد تركيا لم ينالوا هذا الشرف، على الرغم من أن حالات إنتهاكات حقوق الإنسان والأقليات واضحة تماما في الحالتين، والحرب الأهلية في رواندا لم تؤد إلى تدخل يذكر من جانب الأمم المتحدة، على الرغم من أن عدد ضحاياها فاق بكثير ضحايا الحرب الأهلية الصومالية والأمثلة أكثر من أن تحصى ومن تم فإن الإنتقائية وليس مبدأ التدخل الدولي في حد ذاته، هو الذي يفتح الباب أمام عمل الشيطان هذا.
وسوف يستحيل على الأمم المتحدة أن تتحول إلى جبهة محايدة لتطبيق معايير وقواعد شرعية دولية واحدة إلا إذا كان هناك إجماع أو قبول عام على الأقل حول تعريف محدد، ليس فقط على الصعيد المضموني، وإنما أيضا على المستوى العملي لمفاهيم من قبيل_ العدوان_ الإرهاب الدولي_ والشؤون الداخلية…إ لخ.
على صعيد آخر، يوجد ما يشبه الإتفاق العام على أن الأخطار الناجمة على التلوث البيئي أو الإرهاب الدولي أو الجريمة المنظمة، أو المخدرات أو التحركات والنزوحات السكانية، أو الأمراض العابرة للقارات والتسلح والفقر…إلخ، تشكل تهديدات ضخمة تواجه السلم والأمن الدوليين لكن هذه الأخطار لايمكن مواجهتها من خلال استخدام القوة المسلحة أو فرض عقوبات، ومع ذلك فلا يوجد  أي تصور واضح لطبيعة المهام التي يتعين على الأمم المتحدة أن تقوم بها لمواجهة هذه الأخطار مواجهة فعالة.
الفرع الثاني: خلل في هياكل القرار وآلياته:
كشفت الممارسة عن أوجه خلل عديدة في هياكل صنع القرار المتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين وآلياته نجملها على النحو التالي:
1_ فيما يتعلق بالهيكل العام لنظام صنع القرار في مجال السلم والأمن الدوليين يلاحظ عدم وجود أي نوع من التوازن بين مكوناته فمجلس الأمن هو الذي يملك الصلاحيات والسلطات كلها، وهو الوحيد بين أجهزة الأمم كلها الذي يستطيع إصدار القرار الملزم والواجب النفاد، أما الجمعية العامة، وهي الفرع العام، فلا تملك سلطة موازية أو بديلة، أو حتى سلطة رقابة سياسية أو حقوق إشراف فعلي على أعمال مجلس الأمن، وعندما أصبح مجلس الأمن مشلولا بسبب _الفيتو_ وتم نقل معظم صلاحياته إلى الجمعية العامة من خلال ” قرار الإتحاد من أجل السلام ” فإن ذلك لم يشكل حلا بديلا أكثر فعالية كما أوضحنا، أما محكمة العدل الدولية، والمفترض فيها أن تكون بمثابة الجهاز القضائي للنظام، فلم تلعب سوى دورها بسبب عدم الأخد ” بمبدأ الإختصاص الإلزامي” وإحجام معظم دول العالم عن الإعتراف بالإختصاص الإلزامي للمحكمة من خلال إعلان إختياري.
2_ فيما يتعلق بهيكل صنع القرار وآليته في مجلس الأمن، كشفت الممارسة عن وجود نوعين من الخلل:
خلل يتعلق بتشكيل المجلس: زادت العضوية في الأمم المتحدة من 51 عضوا 1945 إلى 184 عضوا عام 1993 و 191 عضوا عام 2005 أي أكثر من ثلاثة أضعاف بينما زادت المقاعد المخصصة للدول في مجلس الأمن من 11 عضوا عام 1945 إلى 15 عضوا مند عام 1963 وحتى الآن, أي بنسبة تصل إلى نحو 30 بالمائة فقط، وفي الوقت نفسه، ظلت الدول الدائمة العضوية كما هي سواء من حيث العدد أو من حيث الصفة لأنها محددة بالإسم في الميثاق باعتبارها الدول الكبرى
المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، بل أكثر من هذا أصبحت ” تايوان ” (1) من الناحية الفعلية دولة دائمة العضوية بعد أن إغتصبت مقعد الصين في مجلس الأمن حتى عام 1971، أفقد ذلك كله المجلس
قدرا كبيرا من مصداقية تمثيله لخريطة وموازين القوى في المجتمع الدولي، خصوصا بعد حصول دول العالم الثلث على إستقلالها من ناحية، وتنامي القوة الإقتصادية لعدد من الدول بطريقة هائلة وبخاصة ألمانيا، واليابان من ناحية ثانية، وانهيار الإتحاد السوفياتي وتفككه من ناحية ثالثة.
خلل يتعلق بطريقة التصويت في المجلس:( وذلك بسبب حق الفيتو) (العائق القانوني) تشير الإحصاءات إلى أن الدول الدائمة العضوية استخدمت حق الفيتو 280 مرة (2) .
وقد ضل الإتحاد الوفياتي حتى منتصف الستينات هو أكثر الدول الدائمة العضوية إستخداما للفيتو (91 مرة خلال الفترة الممتدة من عام 1946 إلى عام 1962) بينما لم تستخدم الولايات المتحدة

(1)_ حتى عام 1978 لم تعترف  أمريكا بالصين الشعبية والإعتراف مقابل ذلك بالتايوان.
(2)_ مقتطف من نشرة لهيئة الأمم المتحدة.
هذا الحق على الإطلاق خلال الفترة نفسها، ثم بدأ هذا النمط ينعكس تماما اعتبارا من ذلك التاريخ، فخلال الفترة الممتدة من عام 1966 إلى عام 1975، استخدم الإتحاد السوفياتي 7 مرات مقابل 34 للولايات المتحدة، وفي الفترة الممتدة من 1982 وحتى نهاية 1992 (وهي بداية نهاية الحرب الباردة) لم يستخدمه الإتحاد السوفياتي بينما استخدمته  الولايات المتحدة 23 مرة. (معظمها للحيلولة دون صدور قرارات إدانة اسرائيل)…ومعنى ذلك في الواقع أن الدولة التي آلت إليها قيادة النظام العالمي كانت حتى قبل الحرب الباردة رسميا، وإختفاء ظاهرة الفيتو، هي التي تحول دول تجسيد إرادة المجتمع الدولي في صورة قرارات صادرة عن مجلس الأمن معبرة عن الشريعة الدولية، وتوحي هذه الحقيقة بأن الإختفاء الخالي لظاهرة الفيتو في مجلس الأمن يعكس مظاهر هيمنة أمريكية أكثر مما يعكس مظاهر الوفاق بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
وفي هذا السياق وربما سبقنا تسلسل النقاط، يحتاج هذا الخلل إلى إصلاح يسير في خطين متوازيين:
الأول: إعادة تشكيل مجلس الأمن على نحو يعكس خريطة توزيع القوى العالمية والإقليمية في العالم المعاصر، هو ما يوجب النظر في معايير العضوية الدائمة في مجلس الأمن على وجه الخصوص.
الثاني: إعادة النظر في طريق صنع القرار في المجلس والأغلبية المطلوبة لصدور قراراته، على أساس إلغاء حق الفيتو، أو على الأقل وضع ضوابط لترشيد استخدامه، وضمان أن يكون هذا الإستخدام في إطار الدفاع عن مصالح المجتمع الدولي ومقتضيات أمنه، وليس الدفاع عن مصالح خاصة.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *