تدابير الإصلاح الإداري لتعزيز المساءلة، والأداء الإداري في الأمم المتحدة

التحديات التي تواجه الأمم المتحدة في ظل النظام العالمي الجديد
الفصل الأول: أهم الأفكار المتعلقة بفلسفة الإصلاح

قررت الدول الأعضاء في الجمعية العامة للألفية منذ السنوات الماضية القليلة، جعل الأمم المتحدة أداة أكثر فعالية لمتابعة تنفيذ الأولويات المعتمدة في إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية. ولم يكن الإحساس بالحاجة إلى مؤسسة متعددة الأطراف قويا في أية وقت مضى مثلما هو الحال اليوم، في عصر العولمة. وقد تحقق الكثير بالفعل. وكانت الإصلاحات التي بدأت في عام 1998 تهدف إلى تكييف الهياكل والثقافة الداخلية للأمم المتحدة مع التوقعات والتحديات الجديدة. ومنذ ذلك الحين تحققت بعض الإنجازات الهامة، ولم يكن أقلها الإعلان بشأن الألفية ذاته، والذي يحتوي على مجموعة واضحة من الأولويات، بما في ذلك أهداف إنمائية دقيقة ومحددة زمنيا. وهي تعتبر الآن بمثابة إطار للسياسة العامة لمنظومة الأمم المتحدة بأكملها.
وقد كانت الأمم المتحدة في طليعة المعركة للقضاء على الفقر ومكافحة وباء فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز). ويؤدي تنفيذ تقرير الفريق المعني بعمليات الأمم المتحدة للسلام إلى تحسين قدرة المنظمة على الإنتشار وإدارة عمليات حفظ السلام وبناء السلام، كما أنها استجابت بصورة جيدة للتحديات الجديدة وغير المتوقعة في سيراليون وكوسوفو وتيمور الشرقية. وقد جرى بناء شراكات مثمرة مع مجموعة كبيرة من العناصر الفاعلة غير الحكومية. وباختصار فالمنظمة تتطور مع مرور الوقت.
ولكن هناك حاجة إلى المزيد من التغيرات. ويقترح هذا التقرير عددا من التحسينات ترمي إلى كفالة تكريس المنظمة لإهتمامها بالأولويات التي حددتها الدول الأعضاء . وإلى أن الأمانة العامة تقدم خدمة أفضل. غير أنه يتعين على الهيئات الحكومية الدولية أن تتغيرأيضا . ويحتاج كل من الجمعية العامة والمجلس الإقتصادي والإجتماعي إلى التكيف بغية إدراك إمكانياتهما، بينما تحتاج عملية الإصلاح المتوقفة لمجلس الأمن إلى زخم جديد.
وبالتالي ينبغي أن يكون برنامج عمل المنظمة ككل مركزا بصورة أفضل مع اجتماعات أقل ولكن منتجة بدرجة أكبر، ومع وثائق أقل ولكن مفيدة بدرجة أكبر.

المبحث الأول: تدابير الإصلاح الإداري لتعزيز المساءلة، والسلوك الأخلاقي، والأداء الإداري

تأتي مرحلة الإصلاح الحالية في وقت ذي أهمية حيوية للأمم المتحدة. فقد واجهت الأمانة العامة سلسلة لم يسبق لها مثيل من التحديات التنظيمية التي كشفت النقاب في الطريقة التي تؤدي بها عملها. ونتيجة لذلك، يتعين على الأمم المتحدة أن تتخذ إجراءات فعلية الآن في المجالات التي يكون للأمين العام سلطة اتخاذها بصورة مباشرة، لاسيما في المجالات الهامة للإدارة والرقابة والمساءلة. وقد بدأ العمل فعلا في مبادرات الإصلاح وسينفذ معضمها تنفيذا كاملا في غضون الأشهر المقبلة، باستثناء تلك التي تتطلب موافقة الدول الأعضاء. ولئن كان الإعداد لكثير من الخطوات يسبق اكتشاف المشاكل التي كشف عنها النقاب إبان العام الماضي، والتوصيات التي وضعتها لجنة التحقيق المستقلة برئاسة بول فولكر في برنامج النفط مقابل الغذاء.
المطلب الأول: تعزيز الرقابة والمساءلة

لعل أوضح النقائص التي حددها تحقيق فولكر والأزمات الأخرى هي تلك التي توجد في مجال الرقابة والمساءلة. ذلك أن نظم “المراقبة” الحالية لرصد أداء الإدارة والحيلولة دون حدوث الغش والفساد غير كافية ويجب تعزيزها بشدة.

الفقرة الأولى: مجلس الأداء الإداري:

نظرا للرغبة الملحة من طرف الدول الأعضاء، فقد تم إنشاء مجلس للأداء الإداري وذلك من أجل كفالة مراقبة الكاتب والمديرين. وسوف يقيم هذا المجلس بصورة منهجية أداء كبار المديرين، ويعرض على الأمين العام الحالات التي تتطلب توجيه اهتمامه إليها، كما يقدم إليه المشورة بشأن الإجراءات التصحيحية المقترحة حسب الإقتضاء.
وفي الوضع الحالي فقد أكدت عضوية وصلاحية مجلس الأداء الإداري. وسيرأس المجلس نائب الأمين العام وسيضم وكيلين دائمين للأمين العام وأحد كبار الموظفين السابقين. وسيكون رئيسا إدارة الشؤون الإدارية ومكتب خدمات الرقابة الداخلية عضوين بحكم المنصب. وقد تم عقد الإجتماع الأول للمجلس قبل نهاية شهر حزيران/ يونيه.

الفقرة الثانية: لجنة الرقابة للأمانة العامة للأمم المتحدة:

جرى أيضا إنشاء لجنة جديدة للرقابة لمعالجة النقائص التي حددتها الجمعية العامة وتحقيق فولكر، ولزيادة فعالية مهمة الرقابة. وستعمل اللجنة، التي ستضم ثلاثة أعضاء داخليين وعضوين خارجيين، على تأمين اتحاذ الإجراء الإداري المناسب من أجل تنفيذ توصيات مكتب خدمات الرقابة الداخلية ومجلس مراجعي الحسابات ووحدة التفتيش المشتركة. ويجري كذلك إنشاء نظام جديد للتتبع من أجل تحسين مثابعة ما يزيد على 500 توصية هامة لمراجعة الحسابات تصدر كل سنة.
وفي الوضع الحالي، فقد بدأت الأمم المتحدة اختيار الأعضاء، الذين سيشملون فردين من خارج الأمانة العامة. ويجري وضع الصيغة النهائية لإختصاصات اللجنة في منشور إداري رسمي. وقد عقدت اللجنة أول اجتماع لها هذا الصيف (2005) ثم تجتمع بعد ذلك كل ثلاثة أشهر.
الفقرة الثالثة: استعراض شامل لمكتب خدمات الرقابة الداخلية:

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004، أوصى الأمين العام الجمعية العامة بأن يخضع مكتب خدمات الرقابة الداخلية لاستعراض خارجي شامل لتوطيد استقلاله وسلطته مع تأمين تجهيزه الكامل فيما يتعلق بالموارد والخبرات والقدرات التي تمكنه من أداء جميع الجوانب المتعلقة بعمله. وقد أعاد الأمين العام تأكيد هذه التوصية في تقريره المعنون ” في جو من الحرية أفسح “. وإضافة إلى ذلك، طلبت الجمعية العامة إلى الأمين العام أن يقدم تقريرا حول كيفية ضمان استقلال مكتب خدمات الرقابة الداخلية استقلالا تاما في عمله.
وبالتالي فتوصية الأمين العام معروضة حاليا على الجمعية العامة، في حين يجري إعداد تقرير الأمين العام إلى الجمعية العامة.
الفقرة الرابعة: تعزيز سياية مكافحة الغش والفساد:

يوجد لدى الأمم المتحدة بالفعل قواعد وسياسات شتى منفصلة تستهدف منع الغش والفساد. غير أن المنظمة تقوم الآن، عقب توصية من المراجعين الخارجيين لحسابات الأمم المتحدة، بتجميعها في سياسة مستقلة شاملة لمكافحة الغش والفساد. وسوف تستند هذه السياسة إلى أفضل الممارسات القائمة، بما في ذلك النمودج الذي وضعه مؤخرا البنك الدولي.
وفي الوضع الحالي يقود المراقب المالي للأمم المتحدة فريقا عاملا لصياغة السياسة. ومن المقرر الإنتهاء من وضع السياسة النهائية في نهاية السنة.

المطلب الثاني: كفالة السلوك الأخلاقي

تقوم الأمم المتحدة باتخاذ خطوات محددة في استجابة مباشرة منها للشواغل بشأن الإنصاف والنزاهة التي أثيرت في الدراسة الإستقصائية للتصورات المتعلقة بالنزاهة فيما بين موظفي الأمم المتحدة التي أجريت في العام الماضي، ومن أجل الحيلولة دون تكرار وقوع حوادث ضارة من قبيل الإستغلال الذي أبلغ عنه في بعثات معينة لحفظ السلام، وسوء سلوك كبار الموظفين، والمضايقة في أماكن العمل.

الفقرة الأولى: الإستجابة لادعاءات سوء السلوك الجنسي للموظفين الميدانيين:

تتخذ المنظمة بصورة منتظمة إجراءات تأديبية في الحالات الفردية التي يتم فيها تحديد وقوع استغلال جنسي أو اعتداء جنسي. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها جرى التحقيق مع 147 من حفظة السلام إبان الأشهر الستة عشر الماضية، وقد فصل خمسة موظفين مدنيين من الأمم المتحدة، كما طرد من البعثة 77 من ذوي الخوذات الزرقاء. ولاتزال التحقيقات تجري هناك، مثلما تجري التحقيقات في ليبريا وهايتي. وإضافة إلى ذلك، يجري اتخاذ عدد من المبادرات قصيرة الأمد ومتوسطة الأمد وطويلة الأمد، وهي كالتالي:
● بدأ تطبيق معيار موحد للسلوك عبر جميع فئات موظفي حفظ السلام. وقد أدرج التدريب في جميع برامج التعيين بالبعثات. وأنشئت آليات للشكاوي ذات المصداقية في جميع البعثات.
● أجرى مكتب خدمات الرقابة الذاحلية استعراضا عالميا بشأن حالة الإنضباط في بعثات حفظ السلام وعلاوة على ذلك. فإن البعثات تكفل إحالة ضخايا الإعتداء الجنسي إلى هيئات المساعدة الطارئة الموجودة في منطقة البعثة (الطبية والنفسية ـ الإجثماعية والقانونية).
● وفي الأجل المتوسط، سيشمل تعزيز القدرة على معالجة سوء السلوك إنشاء وحدات متخصصة في مقر الأمم المتحدة وفي الميدان لكفالة منع تلك الحالات وتحديدها فضلا عن تأمين الإمتثال وتنفيذ المعايير. وقد عين في البعثات ضباط ومنسقون لشؤون سلؤك الموظفين، مع إقامة شبكات داخل البلدان لتحسين التنسيق والتشارك في المعلومات.
● وفي الأجل الطويل، سوف يجري الأمين العام استعراضا شاملا لاحتياجات جميع موظفي بعثات حفظ السلام فيما يتعلق بالإستجمام والترفيه، كما سيضطلع بوضع استراتيجية شاملة لمساعدة الضحايا. ومن المقرر وضع وإصدار اتفاقات جديدة مع البلدان المساهمة بقوات وشركاء الأمم المتحدة. وإضافة إلى ذلك، سيقوم فريق من الخبراء القانونيين بدراسة الوسائل الكفيلة بتحميل موظفي الأمم المتحدة وخبرائها الموفدين في بعثات المسؤولية عن ثبعات الأعمال الإجرامية التي ترتكب في بلدان لايوجد فيها نظام قضائي عادل.
وحاليا هناك طلب بموارد إضافية معروضة على الجمعية العامة. ويجري طلب موارد لتعزيز قدرة الأمم المتحدة على التحقيق ولإنشاء وحدات معينة بالسلوك في جميع بعثات حفظ السلام. وستنشأ وحدة معينة بالسلوك في مقر الأمم المتحدة داخل إدارة عمليات حفظ السلام وذلك في يوليوز/ تموز 2005.

الفقرة الثانية: حماية المبلغين عن سوء التصرف:

أوضحت نتائج الدراسة الإستقصائية للتصورات المتعلقة بالنزاهة أنه ليست لدى الموظفين ثقة تذكر بقدرة المنظمة على توفير حماية كافية لمن يبلغون عن سوء التصرف. وأجري استعراض للأفضل الممارسات وذلك باستخدام خبرة مستشار أوصت به منظمة الشفافية الدولية. وقد أصدر الأمين العام الآن سياسة جديدة ناشطة بشأن المبلغين عن سوء التصرف، ويسعى للتعرف على آراء الموظفين قبل أن يعلنها رسميا. وتستهدف هذه السياسة توفير آلية صالحة للموظفين كي يشعروا بأن لهم الحرية في أن يعرضوا شواغلهم، واثقين من أنهم سيتمتعون بالحماية من العقاب. وقد صحب إعلان مشروع السياسة إصدار منشور يحدد للموظفين جميع السبل المتاحة للإبلاغ عن أي سوء تصرف.  وتجري حاليا مشاورات بين الموظفين وستصدر السياسة الجديدة فور اكتمال هذه العملية.

الفقرة الثالثة: إدراج الأخلقيات في برنامج تدريب الموظفين:

يقوم مكتب إدارة الموارد البشرية بتجربة نموذج تدريبي جديد في شكل قرص حاسوبي مدمج بشأن الأحكام المتعلقة بالنزاهة والأخلاقيات، أخذ عن مبادرة صدرت عن مكتب الأمم المتحدة في فيينا، والهدف المقصود هو أن يطلب إلى موظفي الأمانة العامة من جميع الرتب إكمال هذا النموذج. وإضافة إلى ذلك، أضيفت نماذج للأخلاقيات إلى جميع برامج التدريب الحالية للموظفين والمديرين في الأمم المتحدة. وبالتالي سيوزع القرص الحاسوبي المدمج على جميع موظفي الأمم المتحدة وذلك ابتداءا بحلول شهر أيلول/ شبتمبر 2005.
الفقرة الرابعة: تعزيز مدونات قواعد السلوك/ قواعد تنازع المصالح:

على الرغم من أن لدى الأمم المتحدة مدونة مفصلة لقواعد السلوك، فإنها  لم تعمم على الموظفين بطريقة أفضل وفعالة. ويقوم مكتب إدارة الموارد البشرية باستعراض الممارسات التي تتبعها المنظمات الأخرى في تعميم مثل هذه المعلومات بشكل أسهل منالا وأيسر قراءة ( صفحات الشبكة العالمية، والكتيبات، والأدلة التوجيهية، إلخ). ويجرى أيضا قواعد إضافية خاصة للموظفين المنخرطين في أنشطة الشراء. كما يجرى صياغة مدونة لقواعد السلوك لموردي مشتريات الأمم المتحدة. ومن المنتظر أن تصدر الموارد وتكون جاهزة للتعميم في وقت قريب.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *