التحديات التي واجهت وتواجه الجمعية العامة

في النظام العالمي الجديد : التحديات التي تواجه الأمم المتحدة
الفصل الثاني: التصورات والمقترحات المتعلقة بتحديد دور المنظومة الأممية لمواكبة البيئة الدولية الجديدة.
المبحث الثاني: أهم المقترحات المتعلقة بأجهزة الأمم المتحدة تماشيا والواقع الدولي الجديد
تقديم:
في سبتمبر 2005، نظر مؤتمر القمة العالمي في مقترحات يمكن أن تحقق أوسع وأشمل عمليات إصلاح الأمم المتحدة على مدى تاريخها الذي يمتد ستين عاما. فالقوة الدافعة للتغيير ظلت تتراكم من أجل الإستجابة بصورة أكثر فعالية لطائفة واسعة من التهديدات، التحديات. وفي مناسبة مرور ستين عاما على توقيع ميثاق الأمم المتحدة، يقول كوفي عنان، الأمين العام، ” إن الوضع ما كان يمكن أن يكون أكثر أهمية، وربما لن تتكرر الفرصة المتاحة لنا الآن لصياغة إستجابة مشتركة للتهديدات المشتركة التي تواجهنا وهذا هو السياق… الذي تشتد فيه الحاجة لإصلاح الأمم المتحدة وتدعيمها “.
وبدعوته قادة العالم إلى إعادة الثقة بالأمم المتحدة والعمل معا لمواجهة التحديات إفتتح الأمين العام للأمم المتحدة كوفي القمة العالمية بمناسبة الذكرى ستون لتأسيس المنظمة الدولية، وقال عنان في كلمة ألقاها أمام أكثر من مائة وسبعين من قادة العالم ” سواء كان التحدي يكمن في الحفاظ على السلام أو تقديم الدعم لدولة أو إعطاء دفع للديمقراطية أو التعامل مع كوارث طبيعية أو من عمل الإنسان، تبين لنا أنه حتى الأكثر قوة بيتنا لا يمكنهم أن ينجحو وحدهم. وأضاف قبل سنتين قلت من على هذا المنبر أننا نقف على مفترق طرق، لم أقصد بكلامي أن المنظمة في عامها الستين تعاني من أزمة وجود، فالمنظمة مازالت منهمكة تماما في حل النزاعات الدولية وحفظ الأمن والدفاع عن حقوق الإنسان والتنمية في العالم وإنما قصدت أن الإنقسامات الحادة بين أعضاءها والإنجاز دون المستوى منعنا من العمل معا لمواجهة التهديدات التي تواجهنا”.
وبعد ثلاثة أسابيع من الجهود الدبلوماسية الشاقة توصلت الأسرة الدولية في اللحظة الأخيرة إلى تسوية على إصلاح الأمم المتحدة والتنمية.
عدد كبير من الدبلوماسيين رأو أنها أفضل تسوية ممكنة بين الدول المائة وواحد وتسعين الأعضاء، إلا أنها لم ترقى من جهة إلى المشروع الطموح الذي تقدم به الأمين العام للمنظمة كوفي عنان الذي أعرب عن إرتياحه للتوصل إلى هذا التفاهم لكنه عبر في الوقت نفسه عن أسفه لفشل الدول الأعضاء في التفاهم على واحدة من القضايا الكبرى في الوقت الراهن وهي مسألة الحد من التسلح ومنع إنتشار أسلحة الدمار الشامل.
ومن جهة أخرى فإذا كان التفاهم حاصلا بين معظم الدول والحكومات كما عبر عن ذلك عنان، إلا أن ماجاءت به الوثيقة الرسمية لأشغال مؤثمر القمة العالمي للأمم المتحدة، يبقى بعيدا جدا عن آمال الشعوب وطموح بعض الدول والحكومات الديمقراطية التي تحترم شعوبها وتعبر عنها، والتي كان لها رأي يخالف إتجاه الدول العظمى في تصورها للإصلاح.
وحتى لا نطيل في هذه التوطئة سنمر لمعالجة ما جاءت به الوثيقة بخصوص إصلاح أجهزة الأمم المتحدة مع إيراد بعض المواقف الكبرى والهامة لبعض الدول والحكومات في حينه. وخلال هذه المعالجة سنتطرق لجوانب مهمة من الإصلاح المقترح وكذا المنشود مع إعطاء موقفنا كباحثين في الموضوع من كل المقترحات والجوانب المتعلقة بإصلاح أجهزة الأمم المتحدة، أثناء استعراضها.

المطلب الأول: التحديات التي واجهت وتواجه كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن:
فرع أول: الجمعية العامة:

إن القيمة الخاصة للجمعية العامة تتمثل في عالميتها، وقدراتها على أن تكون منبرا يمكن فيه سماع صوت كا الدول الأعضاء، ذلك أن إتاحة الفرصة للبلدان لمناقشة القضايا، وطرحها للنقاش العام، وتقديم أفكار جديدة في لجان الجمعية، أمر له أهمية حيوية لسلامة المجتمع الدولي، وإضافة إلى إعتبارها منبرا للدول تطرح فيه آراءها بشأن الأمور ذات الأهمية الدولية، وسياساتهم ومشاكلهم، والتزاماتهم والقيود التي تكبلهم، وآمالهم في الأمم المتحدة وإنتقاداتهم لها.
إن الجمعية العامة، التي تضم الدول الأعضاء ال 191 جميعها، تلعب دورا في المداولات وعملية صنع القرار في الأمم المتحدة. وهي مخولة سلطة النظر في الميزانية وإقرارها، كما أنها تنتخب أعضاء الهيئات التداولية الأخرى، بما في ذلك الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن، كما أنه أيضا يدخل في إختصاصاتها مايلي:
■ النظر في المبادئ العامة للتعاون في حفظ السلام والأمن الدوليين، بما في ذلك نزع السلاح، وأن تقدم توصيات بصدد هذه المبادئ؛
■ أن تناقش أي مسألة تكون لها صلة بحفظ السلام والأمن الدوليين وأن تقدم توصيات بشأنها، إلا إذا كان مجلس الأمن يناقش نزاعا أو وضعا يتعلق بتلك المسائل؛
■ أن تناقش، مع انطباق الإستثناء ذاته، أي مسائل تندرج ضمن الميثاق أو تِثر على وظائف وسلطات جهاز من أجهزة الأمم المتحدة، وأن تقدم توصيات بشأن تلك المسائل؛
■ أن تشرع في إجراء دراسات وتضع توصيات لتعزيز التعاون السياسي الدولي وتطوير وتدوين القانون الدولي وإعمال حقوق الإنسان والحريات الساسية والتعاون الدولي في الميادين الإقتصادية والإجتماعية والإنسانية والثقافية والتعليمية والصحية؛
■ أن تقدم توصيات لتسوية أي وضع قد يعكر صفو العلاقات الودية بين الدول تسوية سلمية؛
■أن تتلقى تقارير من مجلس الأمن وأجهزة الأمم المتحدة الأخرى وأن تنظر فيها؛
وحاليا تتناول الجمعية العامة عددا ضخما من القضايا التي كثيرا ما تتداخل فيما بينها، فجدول أعمال دورة العام الماضي كان يضم أكثر من 150 بنذا، كثيرا منها مستمر من السنوات السابقة، أما جدول أعمال الدورة الستين الأخيرة للجمعية العامة، فقد حدد المجالات الرئيسية التي ستناقش:
_ إتفاقية عالمية بشأن الإرهاب؛
_ منع الصراعات المسلحة والإتفاق على طرائف عمل لجنة بناء السلام المقترحة؛
_ متابعة تدابير لبلوغ الأهداف الإنمائية المتفق عليها دوليا، بما في ذلك تمويل التنمية؛
_ تنسيق المساعدة الإنسانية بما في ذلك جهود الإغاثة من آثار تسونامي وقدرة الإستجابة   الإنسانية؛
_ إصلاح آلية حقوق الإنسان والإتفاق على طرائق عمل مجلس حقوق الإنسان المقترح؛
_ تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها لمجلس الأمن، والمجلس الإقتصادي والإجتماعي والأمانة العامة للأمم المتحدة. بالإضافة إلى تنشيط الجمعية نفسها؛.
لذلك فإن الحاجة إلى تفعيل سلطات الجمعية العامة تبدو ملحة وضرورية لكون اتخاد إصلاحات جديدة على الجمعية من شأنه أن يحقق أهداف المجتمع الدولي، والتي مازالت تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد، ومن تم توفير الإطار اللازم، والواضح والمضبوط لذلك، الذي لن يكون إلا بتفعيل سلطات الجمعية العامة ؟ وكيف يمكن لهذه المقترحات أن تنفذ وتخترق الواقع الدولي المتصلب من جراء الأوضاع التي أصبح يعرفها العالم بسبب سيادة القطب الواحد بقيادة الو.م.أ.
الفقرة الأولى: المواقف والمقترحات الرسمية بشأن إصلاح الجمعية العامة:

نقصد بالمقترحات الرسمية، تلك المقترحات الصادرة، إما عن الأمين العام للأمم المتحدة أو الأفرقة واللجان المنكبة على دراسة ووضع تقارير بخصوص الإصلاح، وإما تلك التي أصدرها ويصدرها ممثلوا الدول والحكومات خلال النقاشات العامة للجمعية أو على هامش إنعقاد مؤتمر الدورة الستين لأعمال الأمم المتحدة (شتنبر/ دجنبر 2005).
وفي هذا الإطار، فقد إنصبت معظم المواقف والمقترحات الرسمية بخصوص إصلاح وتفعيل أداء الجمعية العامة على النقاط الأساسية التالية:
_ تبسيط إجراءات الجمعية وهياكلها حتى يتسنى تحسين عملية التداول وزيادة فعالية الجمعية العامة.
_ ترشيد أعمال هذا الجهاز الرئيسي، وتبسيط جدول أعماله وهيكل لجانه وإجراءاته.
_ تعزيز دور الرئيس وسلطته.
_ على الجمعية العامة أن توضح مسؤولياتها في مواجهة مسؤوليات المجلس الإقتصادي والإجتماعي ولجان الفنية، ولا سيما فيما يتعلق بمتابعة المؤتمرات بطريقة تمكن الجمعية العامة من تعزيز أعمال هذه الهيئات وإضافة قيمة لها.
_ إنتخاب رئيس الجمعية ورؤساء اللجان المختلفة قبل أشهر (ثلاثة)، بدلا من اليوم الأول للدورة، وسيجعل هذا من الممكن إجراء تخطيط أفضل للجدول الزمني للجمعية العامة وبالتالي تيسير الإصلاحات الأخرى التي يلزم إجراءها بشدة.
وهكذا جاهد دبلوماسيو الأمم المتحدة لإنقاد القمة العالمية الأخيرة من الإنهيار، في مساعيهم للخروج منها بتسوية مقبولة بخصوص النقاط المهمة في جدول أعمال الدورة، وفعلا فقد تم التوافق بشأن وثيقة الإصلاحات التي حاولت التوفيق بين المصالح المتنافسة للدول ” الغنية والفقيرة “، إلا أن ما خلصت إليه هذه الوثيقة لم يرقى إلى مستوى طموحات الشعوب ولا المجتمع الدولي للرفع من قيمة ومضمون وثيقة الإصلاحات من مجرد آمال، وتوقعات زائفة إلى وثيقة هامة تتبنى إصلاحات جادة، جريئة وحقيقية.
ومقابل هذا الموقف المحتشم، والمريح الأطراف الرسمية المهتمة بشأن المنظمة الأممية واقعا وآفاقا، مما جاءت به الوثيقة بخصوص تفعيل دور الجمعية العامة. نجد موقفا آخر غير رسمي يعبر عن رأي كبار السياسة والفقهاء والباحثين في حقل العلاقات الدولية والقانون الدولي، وكذا بعض المواقف المهمة لبعض الحكومات والدول المعروفة بمعارضتها لسياسات الغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، من هذه الوثيقة ومن ممكنات إصلاح الجمعية العامة أو تفعيل دورها ضمن إصلاح شامل وسياسي الأمم المتحدة.

الفقرة الثانية: المواقف والمقترحات غير الرسمية بشأن إصلاح الجمعية العامة:

بخصوص هذه المقترحات نجدها متفرقة ومتعددة حد صعوبة جمعها في فقرة واحدة لكن مع ذلك سنكتفي بالمواقف التي نراها بارزة ومهمة، آملين أن يحالفنا التوفيق في جمعها بما يليق وموضوع البحث. هكذا سنبدأ بمقترحات لجنة ” إدارة شؤون المجتمع العالمي ” الواردة في تقرير لهذه اللجنة والمنشور في ” سلسلة عالم المعرفة “._ مجلة_ العدد 201. وهو_ نص التقرير_ حصيلة جهد جماعي أنجزته مجموعة مستقلة من 28 شخصية عالمية، تتنوع خبراتهم ومسؤولياتهم، ثم فيما بعد سنرجع على مواقف كل من الصين الشعبية وإيران وبعض القادة والمفكرين السياسيين الدوليين…
● ففي جانب الرقابة على الميزانية:
تدعو المادة 17 من الميثاق الجمعية العامة للنظر في ميزانية المنظمة وتصدق عليها وتفرض إلتزامات على الدول الأعضاء للوفاء بنفقات المنظمة حسب الأنصبة التي تقررها الجمعية العامة، وكان في الإمكان استخدام سلطة التصديق هذه لتقويم دور الجمعية العامة، في إدارة الشؤون العالمية. وكان يمكن أن يشكل هذا أساسا لممارسة الجمعية العامة لتأثير حقيقي في سياسات الأمم المتحدة وبرامجها عنذ مناقشة الميزانية في لجنتها الخامسة (1). بيد أن البلدان الصناعية_ وهي الدول ذات المساهمة الأكبر في ميزانية الأمم المتحدة بالمقاييس المطلقة_ قيدت بشدة ممارسة السلطة الجماعية للمنظمة، رغم أنها لا تملك أي امتيازات خاصة في الجمعية بمقتضى الميثاق.
وأثناء قيام هذه اللجنة بعملها، كان أحد أعضاءها وهو بريان أوركوهارت، يجري مع إرسكين تشاريلدرز دراسة عن الأمم المتحدة، حيث دحضا في مؤلفهما ” تجديد منظومة الأمم المتحدة”، الإدعاء القائل إنه لم يقدمون أكبر المساهمات المالية أن يحصلوا على إمتيازات خاصة في أمور الميزانية، فالفكرة هي أن البلدان تدفع حسب قدرتها. ومن المرجح أن عبء الإسهام المقدر أو الإلزامي لأصغر البلدان

(1)_ باختتام المناقشة العامة، تبدأ الجمعية العامة النظر في البنوذ الموضوعية المدرجة على جدول أعمالها. ونظرا لضخامة عدد المسائل التي يتعين عليها النظر فيها توزع الجمعية العامة على لجانها الرئيسية ليست بنود جدول الأعمال المتصلة بأعمال هذه اللجان، حيث تناقشها وتسعى قدر الإمكان إلى تحقيق التوافق بين الإتجاهات المختلفة للدول، ثم تعرض نزع السلاح والأمن الدولي (اللجنة الأولى) بنزع السلاح ومسائل الأمن الدولي ذات الصلة. وتتناول لجنة المسائل السياسية الخاصة وإنهاء الإستعمار (اللجنة الرابعة) مجموعة من الموضوعات السياسية التي لا تتناولها اللجنة الأولى كما تتناول إنهاء الإستعمار. وتعني اللجنة الإقتصادية والمالية (اللجنة الثانية) بالمسائل الإقصادية. وتتناول اللجنة الإجتماعية والإنسانية والثقافية (اللجنة الثالثة) المسائل الإجتماعية والإنسانية. وتتناول لجنة الشؤون الإدارة وشؤون الميزانية (اللجنة الخامسة) المسائل المتصلة بإدارة الأمم المتحدة وميزانيتها بينما تتناول اللجنة القانونية (اللجنة السادسة) المسائل القانونية الدولية. بالإضافة إلى لجنتين إجرائيتين هما: اللجنة العامة ولجنة فحص أوراق الإعتماد.
وأكثرها فقرا في الميزانية العادية للأمم المتحدة، أشد وطأة وأعلى أحيانا من حيث نصيب الفرد منه بالنسبة للبلدان الأكثر ثراء، بسبب القاعدة التي تقضي بأن تدفع كل دولة عضو 0.01 في المائة على الأقل من الميزانية العادية، وأنه ينبغي ألا يدفع أي عضو ما يزيد عن 25 في المائة (1).
ومن الملائم تماما أن تمارس الجمعية العامة سلطة الرقابة على الميزانية المنصوص عليها في الميثاق. ومن المؤكد أنه من المفيذ لعملية تنشيط الجمعية العامة، أن تمارس العضوية الجماعية_ بصورة أكثر أصالة_ سلطة الموافقة على ميزانية المنظمة وتحديد أنصبة الإشتراكات. وقد أقنعت الدول الصناعية الجمعية العامة بأن هذه القرارات ينبغي أن تتخد بإجماع الأراء. ولا شك أن ذلك إجراء سليم، لكنه غير متوازن بسبب تهديد الأمر الواقع الذي يقوم به أي بلد غني مالك لحق النقض. وينبغي لأعضاء الجمعية العامة أن يحموا سلطاتهم الممشروعة في الموافقة على الميزانية وتخصيص الإشتراكات فيها.
● وفي جانب تبسيط الإجراءات:
ترجع الجهود المبذولة لتنشيط عمل الجمعية العامة، إلى فترة طويلة مضت، ففي السنوات الأخيرة بدأت الجمعية العامة تمسك بزمام طائفة واسعة من الشؤون الإجرائية والإدارية التي تؤثر في فعاليتها. وفي عام 1990 وافقت الجمعية العامة على النتائج التي خلصت إلها ” اللجنة الخاصة حول ميثاق الأمم المتحدة وحول تدعيم دور المنظمة فيما يتعلق بترشيد إجراءات الأمم المتحدة ” (2). وفي السنة التالية، إعتمدت الجمعية فرارا حول وظائف ومسؤوليات رئيس الجمعية العامة، وتلك علامات مشجعة على التنشيط، ونحن نعتقد أنه يمكن تحقيق إستفادة أكبر بموقع رئيس الجمعية العامة في منظومة الأمم المتحدة. فمنصبه له مكانة سامية، ويتم تناوبه بين كل الأقاليم ويمكن جعله أكثر فعالية، والمطلوب هو الإستعداد لتعزيز مكانة الجمعية العامة باعتبارها ” جهازا رئيسيا “. ويمكن أن يصبح الرئيس هو حلقة الوصل التي يتحقق من خلالها أحد عناصر التعزيز_ حلقة وصل بمجلس الأمن من خلال عمليات الإطلاع والتشاور، وبالأمين العام على أساس إتصال متطور يشكل إكتمتلا، وبالدول الأعضاء من خلال الزيارات التي تساعد في الوصول بالأمم المتحدة لشعوب العالم.

(1)_ نص تقرير لجنة ” إدارة شؤون المجتمع العالمي “. جيران في عام واحد، مجلة سلسلة عالم المعرفة العدد 201_ شتنبر 1995. ص 271.
(2)_ نص تقرير لجنة ” إدارة شؤون المجتمع العالمي “. جيران في عام واحد، مجلة سلسلة عالم المعرفة العدد 201_ شتنبر 1995. ص 272.
وفي منظومة الأمم المتحدة المثقلة بالأعباء، ينبغي إستغلال منصب رئيس الجمعية العامة بطريقة خلاقة لخدمة إدارة شؤون مجتمعنا الدولي.
● وفي جانب تجديد ثقافة الحوار:
لقد أصبح العالمفي حاجة إلى تحقيق إستفادة أكبر من وجود زعمائه السياسيين في نيويورك في وقت المناقشة العامة أو في المناسبات الخاصة الأخرى، ويقتضي الأمر أن تنمي الأمم المتحدة التفاعل الفكري بين الزعماء إذ أنهم يقصرون جهودهم في الوقت الراهن على الحديث إلى بعضهم البعض من خلال الخطب الرسمية، أو مع بعضهم البعض من خلال أساس ثنائي بصفة رئيسية، ولا توجد فرصة للتفكير الجماعي.
ولا تعد جمعية عامة تضم 191 عضوا المكان الأمثل لمثال هذا النشاط، لكن الحل لا يتمثل في تجنبها كلية، ففي الدورة الثامنة والأربعين وكذا الدورات الللاحقة، نحيت جانبا الإجتماعات الموسعة، للنظر في مسائل محددة، وينبغي بذل جهد واع للمضي قدما في هذا الإتجاه. وقد يتمثل أحد الأساليب في عقد إجتماع للجمعية العامة في النصف الأول من العام ينظم لتشجيع التفاعل الجماعي، ويمكن إجراء تجربة بمنبر يضم ممثلين من المجموعات الإقليمية (1) ذات الصلة، ويقام باعتباره جهازا فرعيا تابعا للجمعية العامة، للنظر في المسائل السياسية الرئيسية الواردة في جدول أعمال الجمعية. إن قضايا مثل اللاجئين. والأمن الغذائي، وندرة المياه، والمخدرات، والفقر…، ستستفيد جميعا من مثل هذا الحوار دون إنتظار لإقامة مؤتمر دولي على نطاق ضخم وبالغ الفخامة.
وينبغي للجمعية العامة ألا تسمح لمجلس الأمن بأن يستحوذ كلية على مناقشة أمور السلم والأمن. فالجمعية نفسها تستطيع أن تقدم إسهامات مهمة في مجال حل المنازعات، وهناك لجنة قائمة بالفعل هي اللجنة الخاصة لعمليات حفظ السلم التابعة للجمعية .

(1)_ إنبثقت عن الجمعية العامة على مر السنين مجموعات إقليمية غير رسمية متنوعة كوسيلة للتشاور وتيسير الأعمال الإجرائية. والمجموعات هي مجموعة الدول الإفريقية، ومجموعة الدول الأسيوية، ومجموعة دول أوربا الشرقية، ومجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، ومجموعة دول أوربا الغربية ودول أخرى وتركيا، التي تعد لأغراض الإنتخاب ضمن مجموعة دول أوربا الغربية ودول أخرى، عضو أيضا في المجموعة الأسيوية، ويجري تناوب منصب رئيس الجمعية العامة بين المجموعات الإقليمية. وبالنسبة للدورة التاسعة والخمسين, إنتخب الرئيس من مجموعة الدول الإفريقية.
ويمكن للجمعية العامة أن تقترح عمليات السلم لا تتطلب مكونا عسكريا، وكمثال لذلك عملية السلطة التنفيذية المؤقتة التابعة للأمم المتحدة في غينيا الغربية (إيريان الغربية)، بشأن الإدارة المؤقتة التابعة للأمم المتحدة ونقل السلطة من هولاندا إلى إندونيسيا (تقررت في 1962). وقد اكتسب العمل الإنساني أهمية حاسمة في عمليات السلم الأخيرة للأمم المتحدة. مثلما حدث في روانذا، والصومال، وكرواتيا، والبوسنة. وتقع مثل هذه الأعمال ضمن ولاية الجمعية العامة، وليس هناك مبرر يحول دون تقديمها لإقتراحات في هذا المجال. ويعد قرار الإتحاد من أجل السلم الصادر في 1950 أكثر إثارة للجدل ولكنه يمثل أداة متاحة للعمل، وبمقتضاه تستطيع الجمعية العامة أن تتخد قرارات بشأن عملية السلم عندما يواجه مجلس الأمن طريقا مسدودا، وقد تم وضعه موضع التنفيذ عام 1956 لإقامة قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة في مصر.
فعلى مستوى الحوار العالمي، ينبغي للعالم أن ينمي القدرة على الحوار وعادة الحوار على كافة المستويات، ليس فقط بين اللذين يعتنقون فلسفات سياسية أو إقتصادية لها أصل واحد أو اللذين ينتمون للإقليم نفسه، وإنما بين الأطراف المختلفة.
● وفي جانب تنشيط الجمعية العامة:
يحتل تنشيط الجمعية العامة باعتبارها منبرا عالميا لدول العالم مكان الصدارة بين التغييرات التي ينبغي أن تسم الذكرى الستين للأمم المتحدة، وحتى مع وجود مجلس أمن تم إصلاحه، ومع إنشاء مجلس جديد للأمن الإقتصادي، ستبقى في صفوف المتفرجين دول أعضاء عديدة لديها القدرة على الإسهام بصورة كبيرة في سياسات الأمم المتحدة وبرامجها في إدارة الشؤون العالمية.
إن جمعية عامة تحتل مكانا أكبر من المسرح وتعيد تنظيم عملها لجعله أكثر تركيزا وتوجيها نحو تحقيق النتائج، ستتيح لهذه البلدان دورا نافعا في إدارة الشؤون العالمية من خلال عملها في الجمعية العامة، والأمر المطلوب على كل المستويات في الأمم المتحدة_ مكتب الأمين العام، ومجلس الأمن، والوكالات المتخصصة وجميع أجهزة المنظمة الدولية_ هو الإعتراف بأن وجود جمعية عامة أكثر قوة وفعالية أمر يتفق ومصلحة المنظومة ككل، فهي تستطيع وينبغي لها أن تلعب دورا حيويا في إضفاء المشروعية في الأمم المتحدة يتفق مع عالمية عضويتها. وفي السنوات القادمة، ينبغي النظر للجمعية العامة باعتبارها    ” جهازا رئيسيا ” في منظومة الأمم المتحدة، يحقق ما وعد به الميثاق (1).

(1)_ نص تقرير لجنة ” إدارة شؤون المجتمع العالمي “. جيران في عالم واحد، مجلة سلسلة عالم المعرفة. عدد 201. ص 275.
كان هذا بخصوص موقف لجنة ” إدارة شؤون المجتمع العالمي ” كما سبق الإشارة إليه سابقا، ويمكن بذات الصدد أن نضيف مواقف الصين الشعبية وإيران، بينما تمثلت مواقف كل من كوبا وكوريا الشمالية وفينزويلا من إصلاح الجمعية العامة، في إعطاء صلاحيات التقرير، مع فرض إلزامية قرارات الجمعية العامة في الأمور الهامة، إذ يجب إعمال إحترام قرارات الجمعية العامة من طرف الدول الأعضاء كافة بخصوص مسائل، مثل الميزانية، بدءا من تحديد أنصبة الإشتراكات إلى التصديق. كما تضيف هذه الدول البحث عن إمكانات أخرى للتمويل بشكل مستقر ومستقل عن الدول، كفرض ضريبة رمزية على الشركات المتعددة الجنسية أو فرض دولار واحد على تذاكر الطيران في العالم. لدعم ميزانية الأمم المتحدة، فلا تحتاج لأي دعم مالي من أي دولة، لأن السيطرة دائما تأتي من خلال الدعم المالي الذي تدفعه الدول وهذا يضرب إستقلالية المنظمة كشخص معنوي دولي، ويجعل من تبعيتها بالتالي لبعض القوى والدول العظمى أداة من أدوات خدمة المصالح الإقتصادية القومية لهذه الدول والإبتعاد عن مبادئ ومقاصد وأهداف المنظمة الأممية.
وفي ورقة عن موقفها بشأن إصلاحات الأمم المتحدة، عبرت الحكومة الصينية عن آرائها بشأن الإصلاحات السياسية وقدمت سلسة من الإقتراحات البناءة الهامة والتي تعتبر ذات صلة بالموضوع بشكل واقعي.
ففي النقطة الرابعة المعنونة بإصلاح الأجهزة السياسية للأمم المتحدة ينبغي أن يكون وفقا لمبادئ الديمقراطية والعدالة والكفاءة نجد:
« إن إصلاح جميع أجهزة الأمم المتحدة بما في ذلك الجمعية العامة وأجهزة حقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية، ينبغي أن يهدف إلى المساعدة في تحسين كفاءة هذه الأجهزة وجعلها تعمل بشكل أكثر فعالية.
وباعتبارها منظمة دولية عامة وممثلة وذات سلطة للحكومات، تلعب الأمم المتحدة دورا لاغنى عنه في الشؤون الدولية.
إن الجهاز العالمي الذي يعمل في إطار ميثاق الأمم المتحدة، ينبغي عليه إصلاح نفسه بشكل نشط ومطرد تماشيا مع مبادئ إحترام حكم القانون والديمقراطية والعدالة وعدم الإنحياز والكفاءة.
إن مثل هذه الإصلاحات ينبغي أن تؤدي إلى تعزيز الديمقراطية وحكم القانون في العلاقات الدولية ومساعدة الجهاز العالمي في القيام بدوره كمنتدى للعمل الجماعي لمواجهة التهديدات والتحديات المختلفة وكرسول للحفاظ على السلام العالمي. وهو أمر سيمثل دون شك مصلحة مشتركة للبشرية».

أما بخصوص الموقف الإيراني فقد انتقد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد سياسة الإنفراد بالقرار والنزعة العسكرية والإستحواذ على الإمتيازات التي تعتمدها الولايات المتحدة. وفي أول كلمة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قال أحمدي نجاد:” إن امتلاك قوة كبرى أو ثروة يجب ألا يمنح أي عضو في الأمم المتحدة حقوقا موسعة ويجب ألا تتمتع الدولة المضيفة بأي حق أو امتياز عن بقية الأعضاء منددا بالنهج الفردي وإنتاج أسلحة الدمار الشامل واستخدامها والترويع واللجوء إلى التهديد بالقوة أو استخدامها وفرض حروب تدميرية على الشعوب من أجل أمن ورخاء عدة قوى. ودعا الرئيس الإيراني إلى تبني مفاهيم عامة منها التوصية بأن تقوم الأمم المتحدة بإقرار العدالة في إطار مؤسسي على الصعيد الدولي وضمان تمتع كل الدول الأعضاء بحقوق متساوية”.
وفي جانب آخر نعتبر الجمعية العامة التي دأبت ومنذ زمن على الإذن بإنشاء أفرقة عاملة للتركيز على مسائل ذات أهمية، ومن هذه الأفرقة الفريق العامل المفتوح العضوية المخصص المعني بأسباب الصراع وتعزيز السلم الدائم والتنمية المستدامة في إفريقيا، والفريق العامل المخصص المعني بالتنفيد والمتابعة المتكاملين والمنسقين لنتائج المؤتمرات الرئيسية ومؤتمرات القمة التي تعقدها الأمم المتحدة في الميدان الإقتصادي والإجتماعي، وقد انتهى كلاهما من أعماله. أما الفريق العامل المفتوح العضوية المعني بمسألة التمثيل العادل في مجلس الأمن وزيادة عدد أعضائه والمسائل الأخرى المتصلة بمجلس الأمن، فقد أنهى هو الآخر أعماله بتقرير سيتم الإضطلاع على بعض فقراته ومقترحاته خلال هذا البحث في النقطة الموالية المتعلقة بمجلس الأمن.
في الأخير نشير إلى أنه إن كان من جهاز من أجهزة الأمم المتحدة في حاجة ماسة لإصلاح جذري وعميق، لما يحتله من موقع هام إن ضمن المنظومة الأممية، إن لماله من صلاحيات واسعة في حفظ السلم والأمن الدوليين أحد أهداف الميثاق، وبما له كذلك من تأثير على إختلال هذه المنظومة وعرقلة مرامي وأهداف ميثاق الأمم المتحدة. فلعله جهاز مجلس الأمن وهو ما سننتقل إلى دراسته ضمن الفرع الثاني.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *