الوكالة في الطلاق : الإنابة و التفويض والتمليك والتخيير

الطلاق بين المذهب المالكي ومدونة الأسرة الجديدة
الباب الأول: أحكام الطلاق
الفصل الثاني: أنواع الطلاق والوكالة فيه

المبحث الثاني: الوكالة في الطلاق
التوكيل في جميع المعاملات أمر لابد منه، لأن الإنسان اجتماعي بطبعه كما يقال، فقد تمنعه أمور معينة عن القيام بمهامه بنفسه، ومن هذه الأمور العجز، أو الحياء، أو الخوف، أو المرض، أو غير ذلك.
ومن الناحية الشرعية، فإن توقيع الطلاق هو حق من الحقوق التي تقبل الإنابة، إذ كما يمكن للزوج أن يوقعه هو بنفسه، يصح لو قانونا أن ينيب عنه الغير في توقيعه (المطلب الأول) كما يمكنه أن ينقله إلى الزوجة التي تصبح في هذه الحالة مالكة له بحكم إرادة الزوج وحده (المطلب الثاني) أو باتفاقهما معا نظر مبلغ من المالك تدفعه له وهو ما يسلح عليه بطلاق الخلع (المطلب الثالث).

المطلب الأول: إنابة الطلاق للغير
الوكالة عقد من العقود المسماة التي نظمها قانون الالتزامات والعقود في الفصل 879 إلى 942، وفي الفقه الإسلامي عموما يحق للزوج أن يوكل الغير في تطليق زوجته نيابة عنه، وعلى هذا الأساس فإن الوكيل ملزم بالإدلاء بسند الوكالة، قبل التلفظ بالطلاق، لأنه بدون هذا السند لا يملك أي صفة، وعباراته غير ملزمة ولا تنتج أي أثر، إذا أدلى بهذا السند، وتم التلفظ بالطلاق فإنه يقع وتنتج عنه جميع الآثار، ويلزم الزوج، لأن الوكيل هنا ينوب عن الأصيل هو الزوج( )، على أنه سبق للزوج بطبيعة الحال، وبعد صدور الوكالة عنه- أن يجرع في وكالته متى شاء ذلك.
بقي أن نشير إلى أن بعض الفقه قد هاجم عن فكرة استعمال الوكالة في الطلاق على أساس أنها تتنافى مع استقرار الحياة الزوجية، بحيث تجعل مشيئتها بيد شخص غريب، لأنها تسمح لهذا الأخير الاطلاع على ما لا يجب الاطلاع عليه من أحوال الأسرة وأمورها( )، فالله قد خاطب الأزواج بالطلاق ولم يخاطب غيرهم، وعليه فلا يجوز أن ينوب عنهم فيه غيرهم لا بوكالة ولا بغيرها.
والإنابة في الطلاق على ضربين:
1-توكيل: وهو أن يقيم الزوج شخصا آخر غيره مقام نفسه في تطليق زوجته وهو لا يكون عادة إلا للغير.
2-تفويض يكون للزوجة عادة ولو استعمل بصدده لفظ التوكيل وليس التفويض ( ) وهذا ما سيتم الحديث عنه، وعليه فإذا أناب الزوج شخصا آخر سمي توكيلا وإذا كان للزوجة سميت الإنابة تفويضا.

المطلب الثاني: التفويض والتمليك والتخيير
نتكلم في هذا الموضوع على التفويض والتمليك والتخيير، وهي ثلاثة أنواع من الطلاق توقعه المرأة على نفسها بناء على تفويض الزوج لها في ذلك (الفقرة الأولى) أو تمليكها (الفقرة الثانية) أو تخييرها البقاء معه أو فراقه (الفقرة الثالثة).
الفقرة الأولى: التفويض
يقصد به هنا أن يفوض الرجل لزوجته في أن توقع الطلاق على نفسها نيابة عنه، وبصفته وكيلا عنه في ذلك.
ومتى وكل الزوج زوجته على الطلاق كان لها أن تفعل ما وكلت به، ويلزم الزوج ذلك، بحيث إذا أتت بلفظ صريح يدل على الطلاق كأن تقول: أنا طالق من زوجي فلان، أو طلقت نفسي، أو أنا بائنة منه، أو أنت بائن مني، فإن ذلك يلزمه ويعتبر طلاقا واقعا، يترتب عليه جميع ما ترتب على الطلاق من أحكام.
ويحب للزوج أن يعزل زوجته عن هذه الوكالة من أراد قبل أن يوقع الطلاق وحينئذ لا يبقى لها الحق في إبقاء الطلاق، وإذا جامعها قبل أن توقع الطلاق فإن ذلك يعتبر عزلا منه لزوجته عن الوكالة، إلا إذا كان لها حق في هذه الوكالة، وذلك إذا ما وضعت الزوجة في عقد زواجها شرطا في أن لا يندرج عليها، وأنه إن فعل فلها أن تطلق نفسها، أو تطلق تلط الزوجة، فنظرا لتعلق حق الزوجة بهذه الوكالة فلا يجوز للزوج أن يعزلها عنها ( ).
الفقرة الثانية: التمليك:
وهو أن يجعل الزوج أمر زوجته بيدها، بحيث تصير مالكة لعصمتها، ولها الحق في أن توقع الطلاق متى شاءت.
وليس للزوج الذي يملك الزوجة أمر نفسها أن يرجع في ذلك، وإنما تبقى مالكة أمر نفسها إلى أن تقرر ما تشاؤه، ويمنع على الزوج أن يقرب زوجته بوطئ أو مقدماته قبل ذلك مادامت لم تأذن له.
ثم إن قررت الزوجة فك عصمتها بطلاق كان لها ذلك فيما إذا صرحت بلفظ الطلاق الصريح أما إذا صدر منها ما يحتمل الفرق والبقاء تقول قبلت أو قبلت ما ملكتني أو قامت بعقل أمتعتها من بيت الزوجية فإن تكلف ببيان أو أرادت بذلك، هل الفراق أو البقاء في العصمة ويعمل بتفسيرها وإذا قررت الفراق كان لها أن تستعمل هذا الحق عن طريق تقديم طلب إلى المحكمة طبقا للمادة 89.
وإن قررت الزوجة بقاءها في عصمة الزوج إما بالقول أو بالفعل أو بمضي المدة التي ملكها حلالها أمر نفسها من غير أن تحتار شيئا، فإن حقها في التمليك يسقط ولا يكون لها بعد ذلك أن تقرر فك العصمة.
ويرى الإمام مالك أن افتراق الزوجين عن المجلس الذي ملكها الزوج عنه أمر نفسها من غير أن تقرر شيئا يبطل حقها في التمليك( ).
وقد اختلف الفقهاء في الطلاق التي توقعه المرأة المملكة أمر نفسها هل هو رجعي أم بائن؟ فالطلاق المملك عند مالك يخضع للمبادئ العامة التي تجعل الأمل في الطلاق أن يكون رجعيا( )، ويرى أبو حنيفة أن الطلاق المملك يكون بائنا، لأنه بذلك يتم مراد المرأة إذ لو كان رجعيا لكان طلاقها خاليا من الفائدة التي قصدتها من طلب التمليك( ).
ولقد اعتمد المشرع المغربي رأي أبي حنيفة وخالف الإمام مالك من خلال المادة 123 من مدونة الأسرة عندما اعتبر أن الطلاق المملك تترتب عليه طلقة بائنة واحدة، والفرق بين التمليك والتفويض وجهين هما:
1-أن المملك ليس له أن يتصرف فيما ملكه للغير، لانقطاع ملكه عنه، فالبائع إذا باع ما يملك لآخر وقبض الثمن، ليس له أن يتصرف فيما باعه، أما المفوض فإنه يملك أن يتصرف فيما فوضه لغيره، فإن الزوج إذا قال لزوجته مثلا جعلت أمرك بيدك تطلقينني نفسك متى شئت له أن يطلقها بعد ذلك.
2-أن التمليك لا يتم إلا بمجموع الإيجاب والقبول، كما في الزواج والبيع، أما التفويض فيتم بمجرد الإيجاب من المفوض لأن التفويض بالطلاق في المعنى، تعليق الطلاق على مشيئته من فوض إليه والتعليق يتم بمرد الإيجاب( ).

الفقرة الثالثة: التخيير
التخيير وهو أن يخير الزوج زوجته بين البقاء معه أو الفراق، ولها حينئذ أن تحتار ما تشاء فقد أمر الله تعالى نبيه  بأن يخير أزواجه بين البقاء معه أو فارقه وذلك حينما طالبته بالتوسعة في النفقة فقد قال الله تعالى: يا أيها النبي، قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعتكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ( ) وقد اخترن جميعا البقاء في عصمة النبي .
وفي الأخير فإن تمليك الزوجة الطلاق لا يمنع الزوج، بأي حال من الأحوال من توقيع الطلاق عليها متى ظهر له ذلك.
______________
-محمد الأزهر، أحكام الزواج بين الفقه والقانون ، ص 175.
-محمد الكشبور، قانون الأحوال الشخصية، الزواج والطلاق، ص 214.
-محمد الأزهر، أحكام الزواج بين الفقه والقانون، ص 175.
-محمد بن معجوز: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق م أ ش، ص 264-265.
-محمد بن معجوز: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق م أ ش، ص 265-266.
-بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد الحفيد، ص 53.
-محمد بن معجوز: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق م أ ش، ص 266.
-بدران أبو العنين بدران، الفقه المقارن للأحوال الشخصية، ص 387-388.
-سورة الأحزاب، الآيات 28-29.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *