أولا: البعد الفكري لهذا النظام
سبق القول أن لكل من النظامين السابقين عيوب لا يمكن تجاهلها، فالنظام الاتهامي يترك عبأ الاتهام والإثبات كلية للمضرور من الجريمة لا يضمن الوصول إلى الحقيقة في كثير من الأحيان، نظرا لأن الإثبات الجنائي وجمع الأدلة ضد المتهم عملية فنية شاقة يعجز الأفراد عن القيام بها إن لم يجدوا تعاونا من السلطة العامة.

أما النظام التفتيشي فيؤخذ عليه أنه يتطلب السرية التامة في كل إجراءات الدعوى، وإباحته لجميع الوسائل الممكنة في سبيل تحري الحقيقة بما فيها تعذيب المتهم معبرا في ذلك عن النزعة العدوانية التي تكنها الضابطة القضائية للمتهم من جهة وتعبر بوضوح عن المفهوم القاصر لمبدء البراءة كأصل ومبدء من مبادئ القانون الجنائي.

فقد كان لهذه العيوب الأثر الكبير في نشوء وبروز النظام المختلط( ) الذي اجتهد واضعوه في جمع مزايا النظامين وتجنب عيوبهما، ويقوم النظام المختلط على التمييز بين مراحل الدعوى الجنائية، مرحلتي الاتهام والتحقيق الابتدائي ومراحل المحاكمة، وبعد المرحلة الأولى يغلب عليها الطابع التفتشي، أما المرحلة الأخيرة -مرحلة المحاكمة- فيغلب عليها الطابع الاتهامي تاركا بذلك عبئ الإثبات كليا للمضرور في الجريمة.

ثانيا: خصائص هذا النظام
تميز هذا النظام عن النظامين السابقين بالخصائص التالية:
1)يباشر سلطة الاتهام في هذا النظام موظفون مختصون هم أعضاء النيابة العامة كما يسمح للمتضرر من الجريمة أن يحرك الدعوى العمومية لأي فرد لا علاقة له بالجريمة بتحريك الدعوى الجنائية كما هو الشأن في النظام الاتهامي.
2)يتولى الفصل في الدعوى قاضي متخصص معين من قبل السلطة العامة يصدر حكمه فيها حسب اقتناعه، غير مقيد إلا بالقواعد التي نص عليها القانون في إقامة الدليل. أما قوة هذا الدليل في الإثبات فمسألة متروكة لتقدير وقناعته بمفهوم البراءة كباب أول للقانون الجنائي من جهة، وكمبدأ راسخ لا يجب المساس به لتحقيق العدالة الجنائية التي هي حمى القانون الذي هو القاعدة التي تنبني عليه كل الدول.
4)يسعى هذا النظام لإقامة التوازن بين حقوق الاتهام ودعمها لمفهوم البراءة كأصل ومبدأ، وحقوق الدفاع. إلا أنه لم يصل إلى المساواة التامة.
5)يأخذ هذا النظام بمبدأ حرية القاضي في الإقناع، فلا يفيده بأدلة معينة يحددها القانون، فالقاضي حر في أن يأخذ بما شاء من الأدلة وأن يستخلصها من أي مصدر يراه، دون التقيد بأدلة معينة أو بأشكال معينة للأدلة.

ثالثا: عيوب هذا النظام
رغم إيجابية هذا النظام المتمثلة في محاولته معالجة عيوب النظامين السابقين–الاتهامي والتفتشي- والتوفيق بين سلطة الدولة في العقاب والحرية الشخصية للمتهم، إلا أنه عيب عليه أنه يفتقد إلى أساس فكري يعكس حدود هذا التوفيق ويبعده عن شبهة التصنع، ولهذا فإن هذا النظام يغلب عليه طابع البراغماتية –حسب تعبير بعض الفقهاء- وبالتالي فهو محل تغير وتعديل وفقا للتجارب والنظام السياسي في الدول المتخلفة.

مفهوم قرينة البراءة لدى القضاء الجنائي
الفصل التمهيدي : مفهوم قرينة البراءة لدى القضاء الجنائي
المطلب الأول: ماهية المبدأ
المطلب الثاني: نشأة المبدأ وتطوره
المطلب الثالث: الأنظمة الإجرائية وانعكاساتها على قرينة البراءة
المحور الأول: النظام الاتهامي
المحور الثاني: النظام التفتيشي (أو التنقيبي)
المحور الثالث: النظام المختلط
_____________________
– بدأ هذا النظام في الانتشار مع بداية القرن التاسع عشر بواسطة التشريعات الحديثة، وقد طبق هذا النظام في فرنسا عام 1808 ثم تأثر به عدد من الدول الأوربية وهي بلجيكا وهولندا وسويسرا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وبولندا ورومانيا، ويبدو هذا التأثر واضحا في الأخذ بنظام النيابة العامة وإضفاء ملامح والتنقيب على مرحلة التحقيق الابتدائي وإضفاء صفة الاتهام على مرحلة المحاكمة والأخذ بمبدأ حرية اقتناع القاضي… وامتد تطبيق هذا النظام إلى دول أمريكا اللاتينية وإلى عدد من الدول الإفريقية التي استقلت عن الاحتلال الفرنسي.