الصحوة الدينية الثانية وبزوغ المحافظون الجدد

دور العامل الديني في السياسة الخارجية الأمريكية
الفصل  الثاني: المحافظون الجدد وصناعة القرار الأمريكي.
لعل الحضور الديني في الخطاب السياسي الأمريكي، جاء بتزامن مع التأثيرات التي شكلها صعود تيار المحافظين الجدد الذي عرف طريقه إلى العمل السياسي، ليشكل عنصرا ضاغطا على الإدارة الأمريكية؛ حيث استطاع أن يخترق المؤسسات الدستورية الأمريكية – البيت الأبيض والكونغرس–(مبحث أول) وأكيد أن هذا التطور الذي عرفه فكر المحافظين الجدد سيجد صداه في المنتظم الدولي من خلال تأطير وتوجيه سلوكات صناع القرار الأمريكي الخارجي، الذي بدأت ملامحه منذ هجوم بيرل هاربر لسنة 1941إلى الوقت الحالي (مبحث ثاني ).

المبحث الأول: اختراق المحافظون الجدد للمؤسسات السياسية الأمريكية .
لاشك في أن أفكار الثورة الفرنسية التي جسدتها الحركات العقلانية التي تدعو إلى تقديس العقل وخلق القطيعة مع الدين، قد أثرت في مسار الحركة الدينية الأمريكية. حيث ظهرت مجموعة من الكتابات تدعو إلى إبعاد الدين عن الممارسة السياسية. والأكيد أن هذا أدى إلى ظهور حركات إحياء ديني قوية اجتاحت أمريكا برمتها على مدى سنوات الحرب الباردة ( مطلب أول) حيث استطاعت أن تكسب تعاطف جمهور عريض، استغلته في النفاذ إلى مراكز القرار السياسي الأمريكي عن طريق اختراقها للمؤسسات الدستورية الأمريكية التشريعية والتنفيذية (مطلب ثاني).

المطلب الأول : الصحوة الدينية الثانية وبزوغ المحافظون الجدد
رغم أن تيار المحافظون لم يتجسد بشكل ملحوظ على مسرح الأحداث إلا مع العقد الثاني من القرن العشرين، فإن جذوره كما سبقت الإشارة إلى ذلك موجودة في البدايات الأولى للمجتمع الاستيطاني الأول.
فالآباء الأوائل آمنوا بالأفكار الأصولية، وبالعهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس، واستمر تأثيرهم في مختلف مراحل تطور المجتمع الأمريكي حتى يومنا هذا. غير أن الثورة الفرنسية وما فتحته من مجال أمام انقلاب سياسي حقيقي وبالخصوص موجة الأفكار الديمقراطية التي بدأت بالسيطرة على المسرح السياسي؛ والتي أدت إلى إعادة تشكيل الخريطة الأوربية ومعها الذهنيان السائدة .
كل هذه الأفكار أثرت وبشكل كبير على التدين في الولايات المتحدة الأمريكية حيث ظهرت حركات عقلانية تنادي هي الأخرى باستخدام العقل، وقد سرت موجة جديدة من الليبرالية المتطرفة في رفضها للتقاليد والقيم الاجتماعية،والأخلاقية السائدة .

أدى هذا إلى ردة فعل مسيحية يمينية حيث ظهرت بوادر موجة جديدة من الإحياء الديني من خلال إعادة الاعتبار لمكانة الكتاب المقدس ،بفتح مجال لحركة دينية جديدة اجتاحت أمريكا. حيث تم التكثيف من النشاط الديني اليميني في أمريكا ووصف بعض قادة الحركات الجديدة أنفسهم وأتباعهم بالأصوليين لأنهم يعودون إلى أصول الدين بما في ذلك النصوص الدينية وتعاليم المسيح، هذه الأفكار التي توحي بتطرفهم نحو اليمين جاءت تعبيرا عن ردة فعل لما اعتبروه ليبرالية متزايدة في الأوساط الدينية البروتستانتية المعتدلة والتي اعتبروها تشويها للدين الصحيح، حيث عمد الأصوليون الجدد كما فعل الطهور يون الأوائل إلى الإصرار على عصمة الكتاب المقدس – بعهديه القديم والجديد – وعلى تفسير حرفي لنصوصه، وكان من نتائج ذلك أن رفض كثير من اليمينيين النظريات التعليمية التحديثية مثل نظرية النشوء والتطور الداروينية وفكرة كروية الأرض بل استمر بعضهم في معارضة هذه النظريات حتى منتصف القرن العشرين في إطار المطالبة بتدريس الكتاب المقدس ككتاب علمي يطرح بدائل لهذه النظريات .
ورغم أن تقديم سكوبز للمحاكمة بتهمة انتهاك قوانين الولاية بسسب قيامه بتدريس نظرية داروين حول نشوء الإنسان باعتبار هذه النظرية تعارض الاعتقاد بالخلق الإلهي للإنسان؛ كان بضغط من طرف اليمين المسيحي أو بالأحرى الأصوليين الإيفانجيليين لم يأتي بنتيجة لصالحهم حيث جري وصفهم بالتعصب واللاثقافة ومعاداة الحداثة، إلا أن هذا لا يعني أن هذا التيار الأصولي يعتبر هامشيا في المجتمع الأمريكي،والدليل على ذلك هو قانون تحريم الخمر الذي استمر في الولايات المتحدة من عام 1919 إلى 1933؛ وكان تعبيرا عن أخلاقية بروتستانتية أصولية في النظام الاجتماعي الأمريكي.

ومن الأحداث التي ساهمت أيضا في العودة إلى الكتاب المقدس حرب يونيو سنة 1967 والانتصار العسكري المدوي لإسرائيل فيها حيث ساهمت في إحياء الصهيونية المسيحية الأصولية الأمريكية وتوثيق علاقات التعاون بين منظماتها والمنظمات الصهيونية اليهودية والدولة الإسرائيلية .وقبلها كانت سعادة المسيحيين الأصوليين في الولايات المتحدة الأمريكية لا توصف؛نتيجة قيام إسرائيل عام 1948 حيث اعتبروا الحدث “أعظم حدث في التاريخ الحديث ودليلا على أن نبوءات التوراة صارت حقيقية ” فطبقا لإيمان هؤلاء؛ ومعظمهم من الذين يومنون بأن التوراة تنبأت بنهاية العالم؛ وإحلال مملكة جديدة بعد العودة الثانية للمسيح، فإنه من الضروري تجميع اليهود في الأرض المقدسة قبل عودة المسيح .بمعنى آخر فإن نهاية العالم لا تتم إلا بعد تأسيس إسرائيل الجديدة .

وبالرغم من أن هؤلاء المسيحيين أصيبوا ببعض القلق والانزعاج حينما علموا أن معظم قادة إسرائيل المؤسسين كانوا علمانيين ولا يستجيبون للتنصير وأنهم أعضاء في حزب العمل الذي له روابط وثيقة مع الاشتراكية الدولية المرفوضة من قبل الكنائس الأمريكية. إلا أن الانتصار الإسرائيلي العسكري لسنة 1967 كما سبق الذكر وما نتج عنه من احتلال لبقية أرض فلسطين وخاصة مدينة القدس إضافة إلى أراضي عربية أخرى كان أكثر أهمية عند المسيحية الصهيونية من تأسيس دولة إسرائيل والدولة اليهودية في 1948، فقد رأت فيه وخاصة احتلال إسرائيل للقدس كاملة ” تحقيقا للنبوءة التوراتية وإشارة لاقتراب نهاية الأزمنة” .وقد عبرت عن ذلك مجلة المسيحية اليوم Cristianty Today في 21من يوليوز 1967 بقولها “لأول مرة منذ أكثر من ألفي عام فإن القدس الآن كاملة بأيدي اليهود مما أعطى ويعطى لدارس التوراة إيمانا عميقا ومتجدرا في صحتها وصلاحيتها”
وأمام هذا الانفجار العقائدي تظهر يقظة الكنيسة من خلال سعيها للتحكم في دواليب القرار السياسي وتوجيه الرأي العام في إطار إعادة التنصير كأولى أولويات الكنيسة ، وهكذا انطلقت في 1990 عمليات تنصيرية أخذ أحدها إسما هو مسيرة الإنجيل. وتبعتها الأيام العالمية للشباب في 1997، وكذا صدقات عام 2000 التي استهدفت الشباب بل انتقل الأمر إلى حملات دينية كبرى في جل العواصم الأوروبية .فبعد حملة فيينا 2003 تأتي حملة باريس توسان 2004 لتتلوها حملة لشبونة 2005 ثم بروكسيل 2006 فحملة بودابست 2007، ونظمت مع هذا مؤتمرات موازية لعل أهمها المؤتمر الدولي لإعادة التنصير، غير أن الخطير في الأمر هو تسلل كنائس دينية إلى أجهزة القرار السياسي الاقتصادي على حين غفلة في عدة بلدان .

وفي خضم هذه التطورات الهائلة والتعدد المهول للطوائف والنحل ظهر إلى الوجود تيار مسيحي أكثر صهيونية من الصهاينة أنفسهم وهو تيار المحافظون الجدد ، هذا التيار الذي يمثل حاليا أحدث تيارات الفكر المحافظ داخل الولايات المتحدة والأكثر تأثيرا على سياسة الرئيس بوش سواء الداخلية منها أو الخارجية، وقد بدأ هذا التيار كحركة فكرية يقودها عدد من المفكرين الليبراليين – اغلبهم يهود نيويورك – ، وقد دافع هذا التيار بشدة عن ضرورة اتخاذ سياسة خارجية نشيطة في مواجهة الشيوعية؛ ولم يحبذوا فكرة انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العالم لأن ذلك سيفسح المجال أمام الإتحاد السوفيتي ليحل محلها .
والملاحظ أن أفكار المحافظين الجدد تأثرت بما جاء به ليوشتراوس الذي يعتبر الملهم الفلسفي لهذا التيار ، وقد عمل شتراوس كأستاذ للفلسفة في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة التي انتقل إليها من وطنه الأم ألمانيا سنة 1973 بعدما شاهد بشكل ملموس انهيار الديمقراطية البرلمانية الألمانية على يد النازيين والشيوعيين في آن واحد.

وقد أسس شتراوس في شيكاغو – رابطة الفكر الاجتماعي – التي مثلت النواة لنمط التفكير الاجتماعي الفلسفي لدى تيار المحافظين الجدد .وبهذا نجد أن التيار الشتراوسي وتلامذته ساهم في تشكيل وعي الجيل الجديد فلسفيا وسياسيا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولعله من المفيد التأكيد على أهمية التيار من خلال التنويه بالمكانة التي كانت له في الجامعات التي درَّس فيه شتراوس. ومن أهم الأفكار التي يدافع عنها هذا التيار ويسعى جاهدا لنشرها على الصعيد العالمي هي فكرة الديمقراطية، فحسب هذا التيار يجب أن تكون قوية وكافية حتى تستطيع أن تقف في وجه الطغيان الذي يشكل الخطر الأكثر على البشرية؛ وفي هذه النقطة بالذات تظهر مقولة “أن ليس ثمة من فلسفة بريئة”بشكل واضح للغاية ؛وهذه الأخيرة تعتبر من أهم أفكار ليوشتراوس وهي كرد فعل عنيف على النازية التي عرفها في شبابه والتي هرب بسببها إلى الولايات المتحدة ، وهذا ما يفسر تنظيره حول أهمية اتخاذ القوة في نقل الديمقراطية إلى العالم،القوة التي تعتبر من أهم مبادئ المحافظين الجدد في نشر أفكارهم وبالخصوص بعد أحداث 11 شتنبر ولعل هذا ما يفسر البعد الإيديولوجي المفرط في تداول نظرية “القوة لأجل”أو”القوة لغاية”؛ وهي التي يتم على أساسها نقد الأمم المتحدة ومجلس الأمن لعدم قدرتها على ردع الخطر الاحتمالي تماما كما فعلت عصبة الأمم المتحدة مع ألمانيا عندما اعتمدت المسايرة والاحتواء والحوار مع نظام قمعي نازي خطير على الديمقراطية وهذا ما نظر له “ريتشارد بيرل” قبل الحرب على العراق .
وفي هذا يقول أحد الباحثين أن القراءة الحرفية لنصوص الكتاب المقدس تدفع بالألفيين ومنهم المحافظون الجدد إلى محاولة تسريع الأحداث والنزاعات العقائدية الدموية من أجل نزول الرب وبناء المملكة الألفية، بحيث تدفع العقيدة الألفية العمل السياسي وقيادات العالم المسيحي نحو الصدام المحتوم مع الحضارات الأخرى، وفي مقدمتها الإسلام. وارتباطا بما سبق قامت بعض المنظمات المساندة والتابعة لهذا التيار بأعمال عدوانية ضد مجموعة من شرائح المجتمع – كاللواطيين والسحاقيات –وكذا ضد مجموعة من عيادات الإجهاض، بدعوى الحفاظ على القيم الأخلاقية. هذه القيم التي تمثل لدى تيار المحافظين الجدد الأساس الذي تقوم عليه الديمقراطية، حيث تعتبر القيم الأخلاقية عند هذا التيار قيمة عليا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالديمقراطية . ويرى شتراوس أن السياسة يجب ألا تمنع استصدار أحكام بالقيم وان من واجب الأنظمة الخيرة أن تدافع عن نفسها في مواجهة الأنظمة الفاسدة، وستحكم هذه الرؤية عقلية اليمين الجديد، التي ترى في نظامها السياسي ذروة الخير وفي أنظمة الآخرين ذروة الشر. وقد ساعد على هذا الاعتقاد بأن أمريكا أمة فضلتها العناية الإلهية وخصتها بمهمة مقدسة منذ بدء الاستيطان الأوربي لها، بالإضافة إلى الإدعاءات الأمريكية المستمرة بان لها مهمة مقدسة وهي نشر الديمقراطية والحرية والعلوم والنزعة الإنسانية في كل أنحاء العالم .ويكمن وراء هذه الأفكار مجموعة من الأهداف تدفع المسيحيين إلى الانغماس بالسياسة والاستيلاء على العالم.
ولخدمة هذه الأهداف وفي مقدمتها إقامة مملكة الرب يسخر اليمين المسيحي بقيادة هؤلاء المحافظين مجموعة من المسائل والتي تتمثل في استغلال التكنولوجيا الحديثة من خلال التركيز على المجال الإعلامي في إطار ما يسمى بالكنيسة المرئية؛ عبر نشاطات وبرامج جماهيرية استعراضية فيما يسمى بالكنيسة الإليكترونية أو الكنيسة المرئية، أو الديانة في الوقت المناسب أو الرئيسي .
بيد أن مصدر القوة الأول تمثل في الشبكات الإذاعية والتلفزيونية التي أصبحت وسيلة حشد للجهود، وأداة لتوفير التمويل من خلال اتحاد المذيعين المرئيين الذي تضاعف عدد أعضائه أربع مرات خلال الفترة الممتدة ما بين1967و 1972. وقد ساهمت هذه الكنائس المرئية في الوصول بفاعلية إلى عدد كبير من الناس من خلال برامجها الاستعراضية. ويعني هذا التطور أن تيار المحافظين الجدد أو بالأحرى اليمين المسيحي كان حساسا للتغييرات التكنولوجية والاجتماعية في المجتمع الأمريكي. فتأسيس الشبكات الدينية التلفزيونية “الكنائس المرئية” كان تجاوبا مع أهمية وتأثير التلفزيون في المجتمع الأمريكي؛ فمتوسط ما يقضيه تلاميذ المدارس من الوقت أمام شاشات التلفزيون يفوق ما يقضونه في المدارس، أما البالغون فإنهم يمضون نصف وقت فراغهم في مشاهدة التلفزيون. وقد بدأ تأسيس هذه الشبكات التلفزيونية عام 1960 حينما أسس بات روبرتسون محطة تلفزيون فرجينيا التي كانت أول محطة يسمح لها ببث برامج دينية لأكثر من 50%من وقت البث؛ واستطاع روبرتسون اجتذاب 5 ملايين مشاهد لبرنامجه “نادي السبعمائة” واجتذب المبشر التلفزيوني جيري فولويل برنامجه “ساعة من إنجيل زمان” حوالي 5.6 مليون مشاهد . غير أن انتشار الشبكات التلفزيونية المسيحية تزامن مع نمو كنائس اللاهوت الأصولي ،وصعود المسيحية الإيفانجيلية الأصولية بدءا من النصف الثاني من السبعينات، فكما أظهرت استطلاعات معهد جالوب فإن ما بين خمس وثلث الأمريكيين في الفترة 1976 -1979 مارسوا العمادة من جديد – مسيحيين ولدوا ثانية – وتبقى هذه نتيجة طبيعية بالنظر للأعمال التي تقوم بها هذه الشبكات التلفزيونية كونها تخاطب ذلك المد الأصولي، فمقابل الكنائس التي لا تتجاوز دعوتها أبنيتها والأعضاء بها أو الملتزمين بالصلاة فيها أيام الأحاد والأعياد والمناسبات الدينية؛ فإن الشبكات الدينية التلفزيونية كنائس مرئية تلفزيونية تصل دعوتها إلى داخل البيوت، فضلا عن أنها تستخدم الأسلوب الحواري الجذاب؛ فإن برامجها تتخطى الوعظ والإرشاد الديني إلى قضايا الانتخابات وشؤون المجتمع ابتداء من الضرائب والإجهاض والأخلاق ودور المرأة والأسرة والصلاة في المدارس مرورا بالشيوعية والحرب النووية وانتهاءا بدعم وتأييد إسرائيل وسياستها لأن في ذلك مرضاة للرب .
وتبرز أهمية وقوة تأثير الكنيسة المرئية وبرامجها في كون أغلبية مشاهديها من البالغين وبصفة خاصة أولئك الذين هم في سن الخمسين فما فوق؛ وتمثل هذه الفئة أضخم كتلة انتخابية وأكثرها ثراء في الولايات المتحدة الأمريكية ؛مما يعني أنها محل اهتمام السياسيين المتنافسين في الحملات الانتخابية المختلفة وبخاصة “حينما نعلم أن 75 بالمائة ممن هم في سن الخمسين فما فوق قد سجلوا أنفسهم في قوائم الانتخابات وأدلى 70 بالمائة في عام 1980 بأصواتهم في انتخابات الكونغرس ورئاسة الجمهورية”،وهذا يعني أن نسبة غير قليلة من هؤلاء كانوا من مشاهدي برامج الكنيسة المرئية ومن المتأثرين بها .
وتعتبر الكنيسة المرئية صناعة ثرية نتيجة جمعها للأموال باستخدام البرامج الاستعراضية التي تهتم بمسائل الوعظ الديني بل تهتم بالمسائل الاجتماعية والسياسية والعسكرية والأخلاقية والفنية والغنائية؛ بالإضافة إلى اعتمادها بشكل أساسي على تبرعات الأعضاء والجمهور المشاهدين المؤيدين والمتعاطفين مع هذه الكنائس. بحيث تجري العادة أن يعلن أصحاب برامج الكنائس المرئية، أثناء البث التلفزيوني عن فتح باب التبرعات بواسطة التلفون ويعلن عن الرقم على شاشة التلفزيون فيقوم المشاهد بالاتصال به خلال البث أو بعده وترسل التبرعات إما بشكل دوري أو مرة واحدة ورغم ضآلة قيمة المبلغ المتبرع به وغالبا ما يتراوح ما بين 20-50 دولار فإن الحصيلة تكون مبالغ طائلة وذلك بسبب كثرة أعداد المتبرعين؛ ويتلقى المتبرع عادة سيلا لا ينقطع من المنشورات والمطبوعات وأشرطة الراديو حول نشاط هذه الكنائس .

وهكذا ساعدت الكنيسة المرئية والمسموعة الحركة الصهيونية المسيحية على تحقيق مزيد من الانتشار أكثر مما حققه أسلافها القدامى؛ ونجحت الكنيسة المرئية والمسموعة في إقناع الكثير من الأمريكيين بأن أفكارها تمثل غالبية الرأي العام الأمريكي؛ وهي أفكار وقراءات للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة على ضوء تفسير النصوص التوراتية القديمة .وقد نجح دعاة التلفزيون في بدر فكرة وجود عدو خارجي يهاجم المسيحية حتى أن ملايين الناس أصبحوا يعتقدون أن عليهم واجب الإطاحة بالمجتمعات الشريرة المتآمرة ضد المسيحية؛بل أكثر من ذلك استطاعوا أن يشغلوا الرأي العام الأمريكي بفكرة نهاية الزمان والألفية السعيدة حيث أنه ومع اقتراب نهاية الألفية الثانية اجتاحت أمريكا موجة من التوقعات والنبوءات التي تشير إلى اقتراب نهاية العالم ونزول مملكة الله.وقد علق على ذلك المؤرخ الديني ويليم مارتن قائلا بأنه لم يسبق أن ازدهرت حركات نبوءات آخر الزمان في أمريكا مثلما تشهده صفوف المحافظين من البروتستانت، حيث أن الملايين من الأمريكيين كانوا يعتقدون أن نهاية العالم ستأتي في حياة الجيل الحالي وربما في الثمانينات، حيث يعود المسيح ليبدأ حكم الألف عام على مملكته الأرضية .
وفي استطلاع أجرته مؤسسة princetou reseurch Associates بتكليف من مجلة نيوزويك في 1999 /11/01 على عينة عشوائية تتألف من 755 أمريكي بالغ؛ بين أن النسب المئوية التالية من البالغين يعتقدون أن العالم سينتهي بمعركة هرمجدون حسب ما يصفها سفر الرؤيا:
*- 40 % من الأمريكيين البالغين بصورة عامة.
*- %45 من الأمريكيين المسيحيين البالغين.
*- %71 من البروتستانت الإيفانجيليين.
*-%28من غير البروتستانت الإيفانجيلين.
*-% 18من الكاثوليك ومن الدين يعتقدون أن المعركة سوف تقع
* – %47 يعتقدون أن المسيح الدجال موجود على الأرض الآن

*- %45 يعتقدون أن المسيح سوف يعود أثناء حياتهم . وفي شهر دجنبر1999 أجرى مركز بيو للأبحاثrew research center
دراسة بعنوان كيف ينظر الأمريكيون الى القرن الواحد والعشرون ,فأكدت هده الدراسة النتائج التي توصلت إليها مؤسسة بزينستون إذ وجدت أن :
44%من الأمريكيين يعتقدون أن المسيح سيعود أثناء حياتهم .
%22من الأمريكيين يعتقدون أن المسيح سيعود حتما قبل عام 2050
%44 من الأمريكيين يعتقدون أن المسيح قد لا يعود أثناء حياتهم .
و من خلال قراءة بسيطة لهذه النسب المئوية يتبين أن النقطة المختلف عليها هي الوقت الذي سيعود فيه المسيح؛ أما عن كونه سيأتي فهي نقطة محسوم فيها؛ بحيث أن الفئة الثالثة والتي تقول أن المسيح قد لا يعود أثناء حياتها و بالرغم من أنها تشكل 44 بالمائة إلا أن في جوابها هذا إشارة ضمنية على الإيمان بأن المسيح سيأتي. وبالتالي تكون النسبة التي تؤمن بالمجيء الثاني للمسيح هي الأغلبية الساحقة من المجتمع الأمريكي إن لم نقل كل المجتمع، وهذا إن ذل على شيء إنما يدل على التأثير الذي مارسته و تمارسه الكنائس المرئية و المسموعة على الرأي العام الأمريكي و صناعة القرار و الثقافة الأمريكيين .
وهذا ما تأكد بالخصوص نحو إسرائيل بحيث اكتست تعاطف شعبي أمريكي لا نظير له و بالخصوص مع بداية الثمانينات ؛كون عبارة إسرائيل صارت في مركز اهتمام قيادات الكنائس البروتستانتية الايفانجيلية في الولايات المتحدة الأمريكية و جعلت الشبكات الدينية التلفزيونية والإذاعية –الكنائس المرئية – من – إسرائيل- قضية القضايا في برامجها وحملاتها؛ تجمع التبرعات لدعمها و كذلك جولات زعمائها مثل جيري فولويل بات روبرتسون و جيمي سوا غارت و أورال روبيرتس و جيم بيكر ومايك إفانز.

وهذا ناتج أيضا عن الإرث التاريخي الذي ترسب في عقول الأمريكيين و بالخصوص لدى أولئك الإيفانجيليين المتعصبين و المتمثل أساسا في تلك الإسقاطات التي اعتمدها الآباء المؤسسون عند انتقالهم إلى العالم الجديد .و ذلك في إطار ما يسمى” بتهويد المسيحية”.
و في هذا السياق يأتي فولويل ليكشف عن مسيحية صهيونية و أصولية في كتابه “اسمعي أمريكا” بتأكيد أن الرب يحب اليهود و يتعامل مع الأمم حسب ما تتعامل به مع إسرائيل؛ و أن مخلصنا المسيح كان يهوديا، و الأعمال التي قام بها من منظمته الأغلبية الأخلاقية خير دليل على ذلك .



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *