التطليق للضرر أو الإخلال في العقد

الطلاق بين المذهب المالكي ومدونة الأسرة الجديدة
الباب الثاني: حالات التطليق والإجراءات المسطرية
الفصل الأول: حالات التطليق وحقوق الزوجة والأولاد
المبحث الأول: حالات التطليق
المطلب الثاني: حالات التطليق
الفقرة الرابعة: التطليق للضرر أو الإخلال في العقد
إذا أضر الزوج بزوجته بأي نوع من أنواع الضرر الذي تصعب معه العشرة، كأن يضربها ضربا مبرحا، أو يسبها أو يكرها على محرم، وطلب من القاضي تطليقها منه بناء على هذا الضرر، فإذا ثبت الضرر وعجز القاضي عن الإصلاح بينهما طلقها منه.
انطلاقا من هذا سنعالج موقف الفقه الإسلامي، التشريع المغربي، القضاء ثم إثبات الضرر وأخيرا إجراءات دعوى التطليق للضرر.
أ-موقف الفقه الإسلامي من التطليق للضرر أو الإخلال في العقد :
كما هو الحال بالنسبة لطلب التطليق من أجل الغيبة، فقط قرر جوازه كل من الإمام مالك، بينما عارضه كل من الإمامين أبي حنيفة والشافعي، والغريب في الأمر أن الرأيين الفقهيين –الموافق والمعارض- يستندان في موقفهما على قوله تعالى:  وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ( ) فالأحناف والشافعية يرون أن الآية الكريمة صريحة كل الصراحة في أن عمل الحكمين يقتصر على بذل الجهد لإصلاح ذات البين بين الزوجين فأن التطليق لا يكون أبدا من اختصاصهما.
وبالنسبة للمالكية ، فسلطة الحكمين، ومهمتهما ليست قاصرة على إصلاح ذات البين بين الزوجين، بل لهما كذلك سلطة “التفريق” بينهما إن لم يوفقا في ذلك الإصلاح، لأن الله سماهما بالحكمين والحكم والحاكم بمعنى واحد في الفقه الإسلامي ولعل ما يؤيد هذا الفهم الأخير القاعدة التي قررها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز  فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ( ) وطبيعي أنه باستحالة العشرة حالة إضرار الزوج بزوجته، يجب على الزوج أن يسرح زوجته بإحسان وإلا طلقها القاضي بالنيابة عنه، ورغما عن أنفه رفعا لذلك الضرر( ).
ب-التطليق للضرر في التشريع المغربي
ظلت التشريعات العربية تحنكم إلى الموضوعية والمنطق واحترام كرامة الأسرة لما أمرت به الشريعة السمحة، خصوصا وإن مجال وطرق الاجتهاد تعطي متسعا للمشرع وهكذا فإن  الكثير من التشريعات الإسلامية نظمت التطليق للضرر رغم أنها تتبع مذهبي أبو حنيفة والشافعي، حيث تكون قد أخذت في هذا الحكم بما قاله به مالك وابن حنبل، وتشد بعض التشريعات فلا تجيز الطلاق إلا عن طريق القضاء للزوجين معا مثال المشرع التونسي، وبخصوص المرأة المتضررة من انقضاء العدة، على قدر ما اعتادته من العيش في ظل الحياة الزوجية وهي نفقة قابلة للزيادة والنقصان، حسب ما يطرأ من متغيرات، وتستمر هذه النفقة إلى حين زواجها، أو بحصولها على ما تكون معه من غنى عن هذه النفقة أو بوفاتها، وتبقى دينا على تركة مطلقها إذا مات وهي لازالت في حاجة للإنفاق أما المشرع المغربي فقد نظم التطليق للضرر في المواد 99، 100 و 101 من مدونة الأسرة .
المادة99: يعتبر كل إخلال بشرط في عقد الزواج ضررا مبررا لطلب التطليق، كل تصرف من الزواج أو سلوك مشين أو مخل بالأخلاق الحميدة يلحق بالزوجة إساءة مادية أو معنوية تجعلها غير قادرة على الاستمرار في العلاقة الزوجية”
المادة 100 “تثبت وقائع الضرر بكل وسائل الإثبات بما فيها شهادة الشهود الذين تستمع إليهم المحكمة في غرفة المشورة.
إذا لم تثبت الزوجة الضرر، وأصرت على طلب التطليق، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق”
المادة 101 “في حالة الحكم بالتطليق للضرر، للمحكمة أن تحدد في نفس الحكم مبلغ التعويض المستحق عن الضرر”
ج-في القضاء
وهكذا مثلا نجد أن القضاء المغربي ذهب إلى انعدام الكفاءة يشكل ضررا فقد ذهب المجلس الأعلى في إحدى قراراته إلى ما يلي:
“مادامت المرأة المتدنية، إذا عقد عليها زوجها، ثم تبين لها أنه فاسق، فإن من حقها المطالبة بتطليقها عن طريق القضاء” ويؤاخذ بعض الفقه على هذا القرار تضمنه للإشارات الموجزة بشأن الأعمال التي اعتبرت فسقا، وربما اعتمد القرار على مفهوم الفسق بمعناه الواسع الذي يفيد الانحلال الخلقي ( ) “سورة السيرة تناول الخمر تقاعسه عن القيام بواجباته اتجاه زوجته”، كذلك القذف بالزنا أو الخيانة الزوجية يعتبران من أخطر الجرائم التي تهدم الأسرة، وتؤدي إلى الكثير من الشروط والجرائم، وهو من الرذائل المحقرة، وقد قال تعالى:  ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ( ) لذا فإن إثبات هذه الجريمة يعتبر صعبا وقد وضع لها المشرع فيودا، خوفا من الاتهام المغرض، كما عاقبت الشريعة الإسلامية عن القذف بالزنا بالجلد لقوله تعالى  والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتون بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا أولئك هم الفاسقون ( ) من هذا المنطلق يتبين الضرر المعنوي الذي تصاب به المرأة حين قذفها بالزنا لذا فإن القضاء المغربي قد أصاب حينما اعتبر “اتهام الزوج والزوجة بالزنا يعد إضرارا بها” يحق لها أن تطلب الطبعة الطلاق منه، لهذا السبب، كما اعتبر تراضي الزوج في الدخول بزوجته بسبب راجع إليه يعد ضربا من ضروب الهجر الذي يتحقق به الضرر الموجب للتفريق.
د-إثبات الضرر:
القاعدة أنه على الزوجة التي ترفع دعوى التطليق للضرر عبء إثبات الضرر الذي يلحقه بها الزوج و الذي تستحيل معه العشرة، ولها أن تعتمد في ذلك جميع وسائل الإثبات الممكنة لأن الأمر يتعلق بوقائع مادية، وفي الفقه الإسلامي، يقول ابن عاصم الغرناطي:
ويثبت الإضرار بالشهود    أو بسماع شاع في الوجود
وهذا ما أشارت إليه مدونة الأسرة في الفقرة الأولى من المادة 100 “تثبت وقائع الضرر بكل وسائل الإثبات بما فيها شهادة الشهود الذين تستمع إليهم المحكمة في غرفة المشورة”
فالشهادة أولا شيوع وذيوع خبر الإضرار بين العامة، ثانيا: لأن مظاهر الضرر قد تتجلى في حالة الزوجة، إذا تعلق الأمر بالأضرار المعنوية والمادية التي لا تترك أثرا، أما الضرر الذي لحق الزوجة، متى اقتنع القاضي بحجتها، وقد ذهب القضاء المغربي إلى أنه لا تقبل شهادة السماع إثبات أضرار الزوجة، إلا إذا شهد الشهود بأنهم يسمعون سماعات فاشيا أن الزوج يضر بزوجته بأنواع الضرر من غير ذنب جنته ( ) والحقيقة أن سماع مات يدور داخل البيوت فيه أصلا مساس بخصوصية الأفراد، ما لم يكن هذا الضرر عن طريق الصراخ الفاحش الذي يثير انتباه الناس، أو أن تعلق ا؟لأمر بالبيوت المشتركة في بعض الأحياء الفقيرة، أو إخراج الزوجة من الدار والاعتداء عليها، بل القضاء يضيق كلمة من غير ذنب جنته، وهو أمر يثير استغرابا( ) فهو لا يكتفي بشهادة سماع بل يضيق أن يعلم الشهود أن الزوج ألحق بها ضررا بدون مبرر، وهي مسألة مستحيلة وتعتبر ضربا من ضروب الخيال كيف لهؤلاء أن يتدخلوا في كل أمور الناس وهو أمر منهي عنه شرعا، ثم إنه يكفي الضرر لأن التطليق يكون للضرر في ذاته وليس لمبرراته، ثم إن الزوجة ملزمة بإثبات الضرر الذي لا يستطاع معه دوام العشرة، وفيه يقول الفقه “الضرر الخفيف لا يعد ضررا إلا إذا تكرر، والضرب الفاحش تطلق به من أول مرة ( )، فالأصل أنه بمجرد إثبات الضرر الفاحش، غلا والقاضي ملزم بتطليقها وقد عبر عنه المشرع بالضرر الذي لا يستطاع معه دوام العشرة، فيكفي أن تثبت الزوجة الضرر الذي يتبين منه، ماديا ومعنويا- أنه يحول دون استمرار الحياة الزوجية على أحسن وجه، ولا يعني أن يكون هذا الضرر تستحيل معه العشرة، فعبارة استحالة العشرة تفيد المبالغة، وقد تؤدي إلى تقل عبء الإثبات عن المرأة، ففي نظرنا يكفي أن تثبت الزوجة الضرر الحاصل لها، كإداء الزوج لها بالفعل أو القول بالشكل الذي لا يمكنها الاستمرار في الحياة معه، الأمر الذي يحول دون دوام العشرة بينهما، ومهمات يكن فإن الزوجة ملزمة بإثبات حصول ضرر يحول دون دوام العشرة و أن يكون من هذا الزواج ضررا يبيح تطليقها ( )، أو العكس، ولمحكمة الموضوع السلطة التامة، في تقدير أدلة الدعوى وفي بحث الدلائل والمستندات المقدمة لها تقديما صحيحا.
كما يجب أن لا نغفل أنه كلما حكمت المحكمة بالتطليق للضرر أمكنها أن تحدد في نفس الحكم مبلغ التعويض المستحق للزوجة عنه طبقا للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود، وذلك طبقا للمادة 101 من مدونة الأسرة والتعويض عن الضرر لا يدخل ضمن المستحقات الأخرى التي يمكن الحكم بها نتيجة الطلاق أو التطليق، ولا يحكم بهذا التعويض تلقائيا، بل يتعين على المتضررة المطالبة به إما بمقال مكتوب أو بواسطة تصريح أمام المحكمة، وتقدير قيمة التعويض موكول إلى سلطة المحكمة التي عليها أن تراعي في تحديده مدى الضرر الحاصل وتأثيره على شخص المطلقة، وفي النهاية يجب الإشارة إلى أنه عند عدم ثبوت الضرر وتشبث الزوجة بطلب التطليق، أمكن لها تقديم طلب إلى المحكمة يرمي إلى حل نزاعها مع زوجها على أساس الشقاق دون حاجة إلى فتح ملف جديد في الموضوع. المر الذي يلزما أن نعالج التطليق بطلب أحد الزوجين بسبب الشقاق كأحد الحالات الجديدة التي أتت أتت بها المدونة لطلب التطليق، وذلك في الفقرة الموالية.
___________________
-سورة النساء الآية 35.
-سورة البقرة الآية 229.
-السيد سابق، مرجع سابق، ص 289 وما بعدها.
-أحمد زوكاغي، المرجع السابق، ص 142.
-سورة الإسراء، الآية 32.
-سورة النور، الآية 4.
-قرار مجلس الأعلى عدد 256 بتاريخ 20 مارس 1984 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 37 و 38 ص 129.
-محمد الكشبور المرجع السابق، ص 312.
-إدريس بلمحجوب الاجتهاد القضاء في مدونة الأحوال الشخصية ص 412.
-محمد الكشبور المرجع السابق ص 341.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *