التطليق لغيبة الزوج – الفقرة الثانية:
يقرر الفقه الإسلامي عموما أن من بين الحقوق المتبادلة بين الزوجين مساكنة أحدهما للأفراد، داخل بيت الزوجية نفسه، ويترتب على خرق الالتزام من جانب الزوج بالخصوص أن زوجته تستطيع أن تطلب من القاضي الحكم بتطليقها منه من أجل الغيبة وفقا للشروط التي حددها المشرع المغربي في هذا الصدد.

انطلاقا من هذا ما هو موقف الفقه الإسلامي والتشريع المغربي من التطليق لغيبة الزوج. وما هي الإجراءات التي تمهد لحكم التطليق وماذا عن جواز طلب التطليق بسبب الحبس أو السجن؟

أ-موقف الفقه الإسلامي
اختلف الفقه الإسلامي اختلافا بينا حول موضوع طلب التطليق للغيبة، الأمر الذي أدى إلى بروز طائفتين بشأن هذا الموضوع، طائفة تؤيد أمر التطليق للغيبة.
-الفقه المعارض: هذا الاتجاه يرى بان الغيبة لا يمكن أن تكون سببا مباشرا للتطليق واستدلوا بالآتي:
أنه لا يوجد في الكتاب والسنة ما يفيد جواز التفريق لأجل الغيبة.
-الأخذ بالأصل القائل أن الطلاق لا يملكه إلا الزوج.
-الفقه المؤيد: يمثله الإمامان مالك وأحمد بن حنبل الذين يستدلان بقوله تعالى: فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ( ) وقوله:  ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ( ) فيذهبان إلى جواز التفريق إذا طالت غيبة الزوج وتضررت بها المرأة كأن تخشى المرأة على نفسها أن تحيد عن الطريق السوي، وتنصرف إلى المزالق إذا بقيت مرتبطة بزوجها رغم غيابه ولو كان لها مال تنفق منه بشرط:
1-أن يكون غياب الزوج عن زوجته دون عذر مقبول
2-أن تتضرر من غيابه وتخشى عن نفسها الوقوع في المزالق
3-أن يكون غائبا إلى بلد، غير البلد الذي تقيم فيه الزوجة.
4-أن تمر سنة على غيابه.
فإذا انتفى شرط من هذه الشروط فلا يجوز التفريق ( )، والتقدير سنة، هو قول الإمام مالك، وقيل ثلاث سنوات ويرى الإمام مالك أحمد أنها ستة أشهر، أقصى مدة تستطيع فيها المرأة الصبر على غياب زوجها، ويؤكد هذا أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان لا يجعل الجند يغيبون عن زوجاتهم أكثر من ستة أشهر.

ب-موقف التشريع المغربي:
ينص الفصل 104 من مدونة الأسرة على ما يلي:
“1-إذا غاب الزوج عن زوجته مدة تزيد عن سنة أمكن للزوجة طلب التطليق.
2-تأكد المحكمة من هذه الغيبة ومدتها ومكانها بكل الوسائل.
3-تبلغ المحكمة الزوج المعروف العنوان مقال الدعوى للجواب عنه، مع إشعاره بأنه في حالة ثبوت الغيبة ستحكم المحكمة بالتطليق إذا لم يحضر الإقامة مع زوجته أو لم ينقلها إليه.
يلاحظ أن المشرع سار وفق ما قال به الإمام مالك، حيث اشترط غياب سنة كاملة، لكي ترفع الزوجة على زوجها الغائب إذا تضررت من هذا الغياب، والزوجة كما تتضرر بالأقوال من كلام فاحش إلى الأفعال من ضرب وغيره، فهي تتضرر كذلك من غياب زوجها عليها( ) ضررا ماديا ومعنويا والغيبة الناتجة عن هجر بيت الزوجية والقيام بنفس المدينة، فلا تنظمها أحكام التطليق للغياب.
فإذا رفعت الزوجة الدعوى للقاضي، للتطليق للضرر بسبب غياب الزوج وأثبتت دعواها وكان الزوج معروف الجهة حيث يمكن للرسائل أن تصل إليه، اعذره القاضي وضرب له أجلا، فإذا انتهى الأجل ولم يفعل أحد الأمور الثلاثة وهي:
-الطلاق
-الحضور للإقامة معها.
-أن ينقلها إليه
فإذا لم يفعل طلقها القاضي عليه، إذا بقيت الزوجة مستمرة على طلب الفراق، أما إذا كانت الرسائل لا تصل إليه، فإن القاضي يعين وكيلا ليقوم بالبحث عنه أو القيام بكل ما يفيد إيجاده، أو الدفاع عنه في الدعوى، طبقا للفصل 30 من ق م م وإذا انتهى الأجل الممنوح للوكيل، دون فائدة حكم القاضي بالتطليق بعد إعلان الحكم في الإذاعة الوطنية ومنح أجلا للزوج ليحضر والتطليق لغيبة الزوج يعتبر طلاقا بائنا بحيث تصبح غريبة عنه.

ت-الإجراءات التي تمهد لحكم التطليق
على خلاف المفقود الذي لا يعرف له مكان ولا يعرف هل هو حي أم ميت، فالغائب معلوم المكان مؤكد الحياة غالبا، كل ما هناك أن مكان تواجده قد يكون معروفا وقد يكون غير معروف وتبعا لذلك ووفق المواد 104، 105 من مدونة الأسرة يجب:
1-يجب على القاضي أن يتصل بالزوج الغائب عن طريق البريد إذا كان مكان تواجده معلوما، ويطلب منه إما الرجوع إلى بيتا الزوجية في اجل معين يحدده له، أو أخذه لزوجته لكي تعيش معه حيث يوجد أو أن يطلقها عليه.
2-إذا انقضى الأجل المضروب ولم يحرك الزوج ساكنا أو لم يبد غدرا مقبولا، حكم القاضي بتطليق الزوجة منه.
3-إذا استحال على القاضي الاتصال بالزوج عين وكيلا ليقوم بالتحريات الضرورية للبحث عنه من جهة، ولتمثيله والدفاع عن حقوقه أمام القضاء من جهة ثانية وذلك عن طريق مسطرو القيم المنصوص عليها ضمن الفصل 39 من ق م م.
غالبا ما تلجأ المحكمة في هذه الحالة الأخيرة إلى مؤسسة الإذاعة التي تذيع إعلانا تؤكد فيه أن الزوج إذا لم يحضر خلال الأجل الذي عينته المحكمة له، طلقت زوجته منه بحكم تصدره “طبقا لأحكام الشرع والقانون”.

ح-طلب التطليق بسبب سجن الزوج
يقول ابن تيمية في فتاويه: “القول في امرأة الأسير والمحبوس ونحوهما، مما يتعذر انتفاع امرأته به، إذا طلب فرقته كالقول في امرأة المفقود” أما الفقه الحنفي والشافعي، فإنه لا يقول بالتطليق بسبب حبس الزوج، في حين يرى مالك وأحمد رضي الله عنهما أن المرأة حق طلب التطليق لحبس زوجها، لأن حبسه يوقع الضرر بها لبعده عنها كما هو الحال في الغيبة( ) والواقع أن تضررها لحسبه، أشد كثيرا من تضررها لغيابه.

وإلى جانب الغياب هناك الضرر المعنوي لكونه محبوس نتيجة عمل غير مشروع وهكذا إذا كنا لا نجد في مدونة الأحوال الشخصية حكما لتطليق الزوجة المحبوس فإن مدونة الأسرة أتت عكس ذلك وقضت بجواز التطليق من خلال المادة 106 “إذا حكم على الزوج المسجون بأكثر من ثلاث سنوات سجنا أو حبسا جاز للزوجة أن تطلب التطليق بعد مرور سنة من اعتقاله” هذا يعني أنها أخذت بما ذهب إليه ابن تيمية ومالك وأحمد، والحقيقة أن المشرع المغربي ملزم الآن بتنظيم هذا الأمر، حفاظا على كرامة المرأة وشرفها وتحصينها من الوقوع في المزالق.
المطلب الثاني: حالات التطليق
المبحث الأول: حالات التطليق
الفصل الأول: حالات التطليق وحقوق الزوجة والأولاد
الباب الثاني: حالات التطليق والإجراءات المسطرية
الطلاق بين المذهب المالكي ومدونة الأسرة الجديدة

الطلاق بين المذهب المالكي ومدونة الأسرة الجديدة

________________________________
-سورة البقرة، الآية 229.
-نفس الآية.
-السيد سابق، مرجع سابق، ص317.
-السيد سابق، مراجع سابق، ص 318.



Précédent article (ou mémoire)