الإيلاء والهجر

الإيلاء والهجر – الفقرة السادسة
الإيلاء والهجر عادة كانت مستحكمة لدى عرب الجاهلية، واستمرت في السريان بعد مجيء الإسلام، وقد بين الذكر الحكيم أحكامها بنصوص صريحة.
الإيلاء في اللغة هو الحلف سواء أكان هذا الحلف على فعل شيء أو على تركه، وفي الاصطلاح الفقهي الإيلاء هو حلف الزوج بألا يطأ زوجته مطلقا أو خلال مدة تفوق أربعة أشهر، وقد عرفه ابن عرفة بأنه: “… حلف زوج على ترك وطء زوجته يوجب خيارها في طلاقه” ( ).

وقد كان الإيلاء شائعا في الجاهلية، ولم يكن محصورا بمدة معينة، إذ قد يبلغ السنة والستنين أو الثلاث سنوات وكان يتكرر من طرف الزوج حتى يصل عمليا إلى التحريم المؤيد فتصير المرأة بذلك كالمعلقة لا هي بذات زوج لها حقوق الزوجة كاملة، لا هي خالية من الزواج فيغنيها الله من فضله، ولعل مما كان يساعد كثيرا على هذه العادة تعدد الزوجات وتعدد الجواري لدى الزوج. وقد خفف الله جلت قدرته ذلك عن الزوجة عندما جعل مدة الإيلاء فترة قصيرة ألزم الزوج فيها إما بالرجوع عن مقتضى يمينه أو الافتراق عنها، يقول وهو خير القائلين: للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ( ) ويفهم من قوله تعالى:  وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم أن الإيلاء عمل لا يرضاه الله، إذ في إضرار بالزوجة، بالامتناع عن وطئها بدون ذنب ارتكبته، وقد يفهم كذلك من قوله تعالى، أن الطلاق يقع تلقائيا بمجرد مضي المدة إذا لم يرجع الزوج عن ترك مجامعته زوجته وأن الأمر لا يحتاج إلى أمر من القاضي، و هذا هو مذهب أبي حنيفة، خلافا للجمهور الذي يفرض على الزوج إيقاع الطلاق والإناب عنه القاضي في ذلك ( ).

الإيلاء والهجرهكذا وانطلاقا مما رأيناه سنعالج هذه الفقرة من ثلاث زوايا أولها موقف المشرع المغربي ثم إثبات الإيلاء وأخيرا آثار الإيلاء.

أ-موقف المشرع المغربي من الإيلاء والهجر
يدخل الإيلاء ضمن حالات التطليق التي تتم بحكم من القضاء، وقد نضمه الشرع المغربي في المادة 112 من مدونة الأسرة الذي ينص على ما يلي: “إذا آلى الزوج من زوجته أو هرجها، وللزوجة أن ترفع أمرها إلى المحكمة” يلاحظ من هذا النص أن المشرع المغربي أخذ بما ذهب إليه الفقه، *** يؤجله القاضي أربعة أشهر فإن لم يعد أي أن لم يمسها في الأربعة أشهر طلقها عليه دفعا للضرر، و هذا قول المالكية إلا اغن هؤلاء قاموا بعدم المراجعة لأنه أساس استعمال حقه بامتناعه عن الوطء بغير عذر( ). كما نلاحظ أيضا أنه بالرغم من سكوت المدونة من خلال هذه المادة عن تحديد نوعية الطلاق في هذه الحالة، فإنه بالرجوع إلى المادة 122 من المدونة التي نص على أنه “كل طلاق قضت به المحكمة فهو بائن إلا في حالتي التطليق للإيلاء وعدم الإنفاق“، وكذلك المادة 400 المنصوص من خلالها على أن كل “ما لم يرد فيه نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة والمعروف” نخلص إلى أن المشرع المغربي اعتبر الطلاق الناتج عن الإيلاء أو الهجر طلاقا رجعيا، يعطي الحق للزوجة في مراجعة زوجته أثناء فترة العدة.

ب-إثبات الإيلاء:
قد يثار خلاف بين الزوج و الزوجة، بأن يدعي الزوج الوطء مثلا لكي يكسر الأجل الذي ضرب له، وتدعي الزوجة عدم الوطء لكي تطلق منه، والقاعدة التي قررها الفقهاء بهذا الصدد هو أن القول قول الزوج بيمينهن ما لم تقم القرينة لصالحها كأن تكون بكرا ويتأكد أنها لازالت على حالها بعد انصرام مدة الإيلاء، أو يكون الزوجان معزولين عن بعضهما، كما لو نشزت الزوجة مباشرة بعد إيلاء الزوج لها.

ج- آثار الإيلاء
إذا حلف الزوج على ترك مجامعة زوجته فإن على الزوجة أن ترفع أمرها إلى القاضي الذي يمهل الزوج الحالف الفترة المتبقية من أربعة أشهر يرجع عن يمينه ويجامع زوجته، فإذا رجع الزوج المولى عن يمينه واتصل بزوجته سقطت الدعوى وتجب عليه هنا كفارة اليمين، تطبيقا لقوله تعالى:  فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهن أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة إيمانكم إذا حلفتم ( ).
وإذا لم يتراجع بعد الأجل المضروب له طلقها عليه طلقة رجعية، ويشترط مالك لصحة الرجعة بعد هذا الطلاق مقاربة الزوج زوجته.
المطلب الثاني: حالات التطليق
المبحث الأول: حالات التطليق
الفصل الأول: حالات التطليق وحقوق الزوجة والأولاد
الباب الثاني: حالات التطليق والإجراءات المسطرية
الطلاق بين المذهب المالكي ومدونة الأسرة الجديدة
___________________________
-ميارة الفاسي، شرح تحفة الحكام، ص 209.
-سورة البقرة الآيتان 226-227.
-بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد الحفيد، ص 75.
-عبد السلام أبو النيل، المرجع السابق، ص 70.
-سورة المائدة، الآية 91.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *