الأمم المتحدة وما تفعله من أجل السلام

التحديات التي تواجه الأمم المتحدة في ظل النظام العالمي الجديد
الفصل التمهيدي:
ثالثا: الأمم المتحدة وما تفعله من أجل السلام

تقوم الأمم المتحدة بتعزيز السلام بواسطة سبل عديدة، بصورة مباشرة وغير مباشرة. وفي حالات الصراعات الظاهرة أو الكامنة، حيث تستخدم الأمم المتحدة سبلا تتراوح من الوساطة إلى إرسال قوات لحفظ السلام. أما في المجال الوقائي فتفعل على معالجة الأسباب الإقتصادية و الإجتماعية للحروب. وتعد الأمم المتحدة مركزا للدبلوماسية و الحوار، فهي توفر إطارا للتسوية السلمية للمنازعات. كسبيل لنزع فتيل الصراعات قبل اندلاعها. كما تعمل في أوقات الأزمات الدولية كمركز تنسيق من أجل التحقيق في  حالات التوثر و الشروع في المفاوضات. وتشجع الأمم المتحدة أيضا السلام عن طريق استحداثها لهيئة متنامية في مجال القانون الدولي، وكذلك عن طريق المساعدات الإنمائية.
وقد تمخضت جهود الأمم المتحدة عن نتائج مدهلة، فقد ساعدت الأمم المتحدة على نزع فتيل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 وأزمة الشرق الأوسط عام 1973. وفي عام 1988 رعت الأمم المتحدة تسوية سلمية أنهت الحرب الإيرانية_ العراقية، كما رعت في السنة التي أعقبتها المفاوضات التي أدت إلى انسحاب القوات السوفياتية من أفغانستان. وفي التسعينات كان للأمم المتحدة دور فعال في استعادة سيادة الكويت، كما أدت دورا هاما في إنهاء الحروب الأهلية في السلفادور وغواتيمالا وكمبوديا وموزامبيق، وإعادة الحكومة المنتخبة بصورة ديمقراطية في هايتي، وحل أواحتواء النزاع في عدد من البلدان الأخرى.

الفقرة الأولى: نزع السلاح

يحتل موضوع نزع السلاح مركز الصدارة في جهود الأمم المتحدة للنهوض بالسلام والتنمية في عالم أوفر أمنا. وتعمل الأمم المتحدة من أجل وضع القواعد وتعزيز المبادئ المتعددة الأطراف من أجل نزع السلاح، وذلك عن طريق هيئاتها الخاصة التي تتناول مسائل نزع السلاح ودعمها لمحافل التفاوض الدولية، وقد أسفرت المفاوضات المتعددة الأطراف، مثل تلك التي جرت في مؤتمر نزع السلاح وذلك بمساعدة الأمم المتحدة عن مجموعة واسعة النطاق من الإتفاقات، بما في ذلك معاهدة عدم الإنتشار النووي عام 1968، ومعاهدة الخطر الشامل للتجارب النووية عام 1996، والمعاهدات الخاصة بإنشاء مناطق خالية من الأسلحة النووية، وبالإضافة إلى ذلك أنشئ عدد من الهيئات للمساعدة في مراقبة أسلحة الدمار الشامل، وتقوم الوكالة الدولية للطاقة الذرية على سبيل المثال، بتشغيل نظام للتحقق والضمانات النووية، بينما تقوم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بكفالة الإمتثال لإتفاقية المنظمة لها، وتشمل تدابير التقة الأخرى سجل الأمم المتحدة للأسلحة التقليدية ونظام الإبلاغ الموحد عن النفقات العسكرية، والذي يشجع على زيادة الوضوح في شؤون العسكرية.
وأثناء العقد الماضي، قتل حوالي 2 مليون طفل وتشرد 5 مليون في الصراعات التي استخدمت فيها الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، بما في ذلك المسدسات والبنادق ومدافع الهاون والقنابل اليدوية والأجهزة المحمولة لإطلاق المقدوفات.
إن هذه الأسلحة التي يمكن الحصول عليها عن طريق تجار الأسلحة الذين لا يلتزمون بالأخلاق والمسؤولين المرتشين وعصابات تهريب المخدرات أو الإرهابيين أو غيرهم، تجلب الموت والدمار إلى الشوارع والمدارس والمدن في جميع أرجاء العالم، وتعمل الأمم المتحدة على تقليص التجارة غير المشروعة في هذه الأسلحة، وهي الأسلحة المفضلة لدى الإرهابيين والمجرمين والقوات غير النظامية.
وقد وافقت الدول في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة من جميع جوانبه في عام 2001، على التدابير الرامية إلى تعزيز التعاون الدولي لمنع الإتجار غير القانوني في الأسلحة.

الفقرة الثانية: محاربة الألغام الأرضية

تؤدي الألغام الأرضية والعتاد غير المتفجر المنتشر في أكثر من 90 بلد إلى قتل أو تشويه من 15 إلى 20 ألف شخص سنويا تقريبا، وتشارك الأمم المتحدة مشاركة نشطة في الجهود الرامية إلى تخليص العالم من هذه الأسلحة الفتاكة، والتي يكون أول ضحاياها في الغالب الأطفال والنساء والمسنون.
وقد قامت الأمم المتحدة بدور حاسم لتشجيع البلدان على دعم اتفاقية أوتاوا لعام 1997، والتي تنص على الخطر الكامل لإنتاج الألغام الأرضية وتصديرها واستخدامها، وبالتالي فقد قامت بتواصل تشجيع الإنضمام العالمي إلى هذه المعاهدة، مما أدى ذلك إلى التصديق على هذه المعاهدة في أكثر من 120 بلد، حيث نتج عن ذلك الإقلال من استخدام الأسلحة، وانخفاض عدد الضحايا بصورة ملحوظة، وانخفاض إنتاجها بصورة كبيرة، وتوقف الإتجار فيها بالكامل تقريبا، وزيادة تدمير المخزون منها، وزيادة تمويل الأعمال الإنسانية.
ونتيجة لهذا الإتفاق الدولي، فقد توقفت حتى الدول غير الأطراف في المعاهدة عن استخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد وإنتاجها ونقلها، كما أزيلت الألغام من المزيد من الأراضي أكثر من أي وقت مضى، حيث يتمثل ذلك في أكثر من 190 مليون مترمربع في جميع أنحاء العالم في عام 2000، ومع حلول عام 2001، فقد قامت المم المتحدة بتقديم الدعم للإجراءات المتعلقة بالألغام في 30 بلدا تقريبا، ولم تقم بأعمال إزالة الألغام وحسب بل تقوم أيضا بتدبير القائمين على إزالة الألغام وإجراء عمليات لمسحها والتثقيف من أجل التوعية بشأنها وتقديم الدعم لمعاهد التدريب على إزالة الألغام.
وتعمل الأمم المتحدة أيضا على تحسين الخدمات الطبية وخدمات التأهيل المخصصة لضحايا الألغام الأرضية، ويجري تنفيذ هذه البرامج منذ عام 1989 في ” حقول القتل ” في بعض معظم البلدان المتضررة بما في ذلك أفغانستان وأنغولا والهرسك وكمبوديا وكرواتيا ورواندا واليمن والموزامبيق.

الفقرة الثالثة: بناء السلام

يقصد بمفهوم بناء السلام مجموعة من الإجراءات والترتيبات التي يتعين على الأمم المتحدة أن تقوم بها لدعم الجهود الرامية إلى تثبيت التسوية وضمان عدم النكوص أو الإرتداد.
وتضطلع الأمم المتحدة بصورة متزايدة بأنشطة تتناول الأسباب الكامنة للصراعات وبناء ما يطلق عليه الأمين العام السلام المستدام، وتقوم منظومة الأمم المتحدة بذلك من خلال جهودها الرامية إلى دعم الحكم الرشيد والقانون والنظام المدنيين وحقوق الإنسان وإحلال الديمقراطية في البلدان التي تعاني من أعقاب الصراعات، وهي تعيد اللاجئين إلى أوطانهم وتوفر المساعدة الإنتخابية والإعانات الإنسانية وتساعد في إعادة بناء الخدمات الإدارية والصحية والتعليمية وغيرها من الخدمات.
وقد أدى دور تواجد الأمم المتحدة في تيمور_ ليشتي دورا مركزيا لمساعدة شعبها للتغلب على صعاب خطيرةللمضي نحو هدفها، ألا وهو الإستقلال، والذي تم نيله في مايو 2002، ويجري تنفيد بعض أنشطة بناء السلام، مثل إشراف الأمم المتحدة على انتخابات عام 1989 في ناميبيا وبرامج نزع الألغام في موزامبيق وتدبير شرطة هايتي ضمن إطار عملية حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والتي قد تستمر بعد سحب العملية.
وتطالب الحكومات بتنفيد أنشطة أخرى في كمبوديا مثلا، حيث تحتفظ الأمم المتحدة بمكتب لحقوق الإنسان، وتشمل عملية بناء السلام التابعة للأمم المتحدة في حالات ما بعد الصراع على الإشراف على جمع وتدمير مئات الآلاف من الأسلحة وتيسير إعادة إدماج المقاتلين السابقين في المجتمع المدني، وعلى سبيل المثال فقد نجحت الأمم المتحدة في يناير 2002 في إكمال برنامج لنزع السلاح وتسريح المقاتلين في سيراليون وشرعت على الفور في تسجيل الناخبين من اجل الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية. وفي كوسوفو أسفرت الإنتخابات التشريعية في نونبر 2001 عن تشكيل حكومة ائتلافية وأثناء نفس الفترة يسرت جهودها في أفغانستان إنشاء حكومة مؤقتة وإجراءات منسقة بواسطة منظومة الأمم المتحدة لإعادة بناء ذلك البلد الذي مزقته الحروب. ولذا تم إنشاء بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان في مارس 2002.

الفقرة الرابعة: صنع السلام

يعرف الدكتور غالي صنع السلام بأنه العمل الرامي إلى التوفيق بين الطراف المتنازعة، عن طريق الوسائل السلمية مثل التي ينص عليها الفصل السادس من الميثاق، وقد تبين أن الأمم المتحدة اكتسبت خبرة هائلة في مجال تسوية المنازعات بين الدول بالطرق السلمية، وبالتالي فهي لا تملك القدرة على فرض السلام بالقوة، فهي ليست حكومة عالمية، وليست لها جيش دائم ولا أصول عسكرية. غير أن فعالية الأمم المتحدة تقوم على الإرادة السياسية لدولها الأعضاء، التي تقرر ما إذا كانت الأمم المتحدة ستتخذ إجراءات لإنهاء الصراعات.
ويضطلع مجلس الأمن بمسؤولية خاصة للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، ويجوز للمجلس ممارسة الضغوط الدبلوماسية على أطراف الصراعات أو توفير السبل الرامية إلى حل الخلافات، بما في ذلك إيفاد بعثات التحقق أو الوساطة. ويمكن للجمعية العامة أن تؤدي إلى جعل الرأي العالمي يحدث أثره على الأطراف المتناحرة. ويمكن أن تؤدي الجهود في نطاق المبادرات الدبلوماسية التي يقوم بها الأمين العام إلى المفاوضات وإلى إنهاء الإقتتال. وفي حالة تطبيق الهدنة يمكن لمجلس الأمن أن ينشر عمليات لحفظ السلام لمساعدة الأطراف على تنفيذ اتفاقيتها.
وعندما يفشل الإقناع يمكن لمجلس الأمن اتخاذ إجراءات أشد، مثل فرض جزاءات اقتصادية أو إعلان خطر تجاري. ويجوز له إنشاء محاكم دولية لمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم الحرب، مثلما فعل في رواندا ويوغوسلافيا السابقة، وفي بعض الحالات خول المجلس الدول الأعضاء استخدام “جميع السبل اللازمة” بما في ذلك القوة، للتصدي للصراعات المسلحة. ولقد شملت إجراءات الإنفاذ هذه والمطبقة في ظل الدول المشاركة أعمالا لإسترداد السيادة الإقليمية للكويت عام 1991، وإنهاء حملة العنف في تيمور_ليشتي 1999 في أعقاب استفتاء بشأن تقرير المصير.

الفقرة الخامسة: حفظ السلام

يقصد بحفظ السلم عمليات الأمم المتحدة في الميدان التي يتم من خلالها نشر أفراد عسكريين أو شرطة أو مدنيين تابعين للأمم المتحدة بهدف حفظ السلم وتوسيع إمكانيات منع تجدد النزاع.
إن عمليات حفظ السلام التي تضطلع بها الأمم المتحدة عمل دولي بالفعل، فأفراد حفظ السلام كالجنود والشرطة المدنية، وخبراء الإنتخابات، والعاملون في إزالة الألغام، والمسؤولون عن رصد حالة حقوق الإنسان، والمختصون في الشؤون المدنية والإتصالات ينتمون إلى دول متعددة.        وعمليات حفظ السلام هذه ينشئها مجلس الأمن الذي تخضع قراراته لحق النقض من أي دولة من الدول الخمس الدائمة العضوية_الإتحاد الروسي، والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة. ويقرر المجلس ولاية العملية وحجمها ونطاقها ومدتها استنادا إلى توصيات، بما فيها المعلومات المالية، التي يقدمها الأمين العام. وتصوت الجمعية العامة على ميزانية العملية.
ويحدد المجلس مهام حفظة السلام وفقا لمتطلبات كل حالة، فهم قد يقومون برصد اتفاق لوقف إطلاق النار، أو إنشاء منطقة عازلة، أو مساعدة خصوم سابقين على التوصل إلى اتفاق السلام، أو توفيرا لحماية المعونة الإنسانية، أو المساعدة في تسريح المقاتلين السابقين وعودتهم إلى الحياة الطبيعية،
والإشراف على الإنتخابات، ورصد حقوق الإنسان. وقد طلب أيضا إلى بعثات الأمم المتحدة الإضطلاع بالإدارة المؤقتة في بعض الأقاليم، كما هي الحال في تيمور الشرقية خلال الفترة المؤدية إلى استقلالها عام 2002 وحفظ السلام ليس اداة صالحة في كل حالة أو بديلا لأشكال الأعمال الأخرى التي يقوم بها المجتمع الدولي. غير أن عمليات حفظ السلام تكون فعالة حقا في المساعدة على تسوية الصراعات والمحافظة على السلام في الحالات المناسبة التي تتوفر لها ولاية واقعية وموارد كافية ودعم دولي وتعاون الأطراف المعنية.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *