استعمال وسائل الطعن و اقتناع النيابة العامة وملائمة المتابعة

مفهوم قرينة البراءة لدى القضاء الجنائي
الفصل الأول : القضاء الواقف – النيابة العامة
المبحث الثاني: سلطات النيابة العامة

المطلب الثالث: استعمال وسائل الطعن ضد ما يصدر من مقررات
يعترف لقاضي النيابة العامة بحق استئناف جميع الأوامر القضائية الصادرة عن قاضي التحقيق ما عدا تلك الخاصة بإجراء بإجراء خبرة  وذلك حسب المادة 222 من قانون المسطرة الجنائية( ).
إن ما يهمنا من هذه المادة هو كون الأمر الصادر بالإفراج المؤقت من طرف قاضي التحقيق لا يسري إلا بموافقة النيابة العامة أو بانصرام أجل الاستئناف لهذا الأمر المادة “222 الفقرة 3” حيث يتم الإبقاء على المتهم في حالة اعتقال إلى أن يتم البث في هذا الاستئناف (الفقرة الأخيرة) وهذا يجعلنا نتساءل عن أهمية تنصيص المشرع على عينية التحقيق بالنسبة للمتهم؟

حيث أنه وكما سبق الذكر فإن عينية التحقيق تخول لقاضي التحقيق أن يقوم بمتابعة أشخاص لم يتم التنصيص عليهم في ملتمس التحقيق أي أن المشرع خول لقاضي التحقيق سلطة المتابعة بناءا على هذا الأمر، ولكنه وبالمقابل ميز بين قوة حضور قاضي التحقيق بالنسبة لحالة الاتهام عنها في حالة التبرءة ولو كانت هذه التبرئة جزئية، حيث لا يستطيع قاضي التحقيق أن يقوم بالإفراج عن المتهم في هذه الحالة إلا بسلوك مسطرة معقدة أسهل ما فيها أن يتم موافقة النيابة العامة على هذا الإفراج وما يعنيه ذلك من ضرورة إبلاغها بقرار قاضي التحقيق وحصوله على الموافقة. فما معنى أن تكون لقاضي التحقيق سلطة واسعة في ملاحقة الأشخاص بناءا على ملتمس التحقيق ولا تكون له سلطة موازية وعلى نفس الأشخاص في الاتجاه العكسي (اتجاه إخلاء السبيل) هذا ينم على أن سياسة المشرع تتجه إلى زيادة عدد المتهمين وتوسيع قاعدتهم وإهدار حقوقهم في التمتع بالسراح إلى أن تتم إدانتهم وتجدر الإشارة إلى أنه غالبا ما يتم التذرع وراء حجة عدم وجود ضمانات لحضور المتهم أو الخوف من فراره والرد على هذه الحجج هو مضمون المادة 161 والتي نصت على وجود ضمانات لوضع المتهم تحت المراقبة القضائية حيث يمكن استبدال الأمر بالإيداع في السجن بالوضع تحت المراقبة القضائية لما يحققه من نتائج إيجابية مقارنة مع الأمر السابق.

المطلب الرابع: السهر على احترام إجراءات الحراسة النظرية وآجالها
من المتعارف عليه أن النيابة العامة تسير أعمال الشرطة القضائية والتي يدخل ضمن اختصاصها القيام بوضع المتهم تحت الحراسة النظرية، وقد نصت المادة 66 على أن هذا الوضع يكون لمدة معينة قابلة للتجديد وهذا ما يطرح بعض التساؤلات من هذه الناحية(أ) إضافة إلى الإشكاليات التي يطرحها هذا الوضع لكونه عملا ماسا بحقوق المتهم(ب) دون إغفال ضمانات المتهم وحقوقه أثناء هذا الوضع(ج).

الفقرة الأولى: مدة الوضع تحت الحراسة وتمديدها:
نصت المادة السابقة على أن مدة الوضع تحت الحراسة تختلف حسب نوع الجريمة وهي لا تخرج عن ثلاث حالات هي:
1- الجنايات والجنح في حالتهما العادية أو المتلبس بها: وتكون المدة 48 ساعة قابلة للتجديد لمدة 24 ساعة فقط، بعد إذن النيابة العامة.
2- الجرائم الماسة بأمن الدولة: وفيها تكون الحراسة لمدة 96 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة فقط بنفس المدة بعد إذن النيابة العامة.
3- جرائم الإرهاب: مدتها 96 ساعة قابلة للتجديد مرتين بنفس المدة، بعد إذن النيابة العامة.
إن الإشكاليات التي تطرحها الحراسة النظرية اعتمادا على مدتها وما يترتب عليه من نتائج تظهر من خلال المدة القصيرة لهذه الحراسة والتي تعني أن البحث لن يطول إلا بامتداد مع هذه المدة، ناهيك عن الإشكالية التي تطرحها إطالة مدة الحراسة من حيث تحكمها في حريات الأفراد، وهذا لا يعني أن الإشكالية معقدة بل إن حلها أسهل مما هو متوقع. فقد كان واجبا على المشرع الفصل بين مدة الوضع تحت الحراسة وزمن إجراء البحث وذلك لنخول لضابط الشرطة القضائية المدة الكافية لإجراء البحث وعدم إغفال أي إجراء يؤثر على مجريات البحث وبالتالي المحاكمة وذلك لكونه يتسابق مع الزمن الواجب عليه احترامه نظرا لوضعه المتهم تحت الحراسة النظرية حيث يمكنه (المشرع) أن يوفق بين مصلحة المتهم من جهتين هما عدم وضعه تحت الحراسة وكذلك إجراء البحث في مدة كافية لإظهار كل ما يتعلق بالواقعة وذلك من خلال التنصيص على شروط لوضع المتهم تحت الحراسة، فما هي هذه الشروط؟ وكيف يمكن أن تخدم مصلحة المتهم؟ ولا ننسى أن تحديد مدة الوضع تحت الحراسة وتمديدها تطرح إشكال متى يمكن للمتهم أن يتصل بمحاميه إذا كان لا يشعر بانتهاء مدة الوضع تحت الحراسة وابتداء المدة الجديدة بعد التمديد.

الفقرة الثانية: الوضع تحت الحراسة النظرية كتدبير استثنائي:
أتاح المشرع لضابط الشرطة القضائية إمكانية وضع المتهم تحت الحراسة النظرية، لكنه اشترط لإمكانية ذلك بعض الشروط هي:
1- أن تتطلب ذلك ضرورة البحث:
لقد اشترط المشرع على الشرطة القضائية ألا تلجأ إلى تدبير الوضع تحت الحراسة النظرية إلا إذا كانت ضرورة البحث تقتضي ذلك ولكنها بالمقابل لم تذكر معنى هذه الضرورة مما أدى إلى توسع أفراد الشرطة القضائية في الأخذ بمفهوم هذه المادة ومارسوها حسب مزاجيتهم تحت تعليل أن ضرورة البحث تقتضي ذلك.
2- أن يكون معاقبا على الجريمة المرتكبة بالحبس:
إن هذا الشرط يعتبر منطقيا جدا، فكيف يمكن أن نحبس متهما من أجل إجراء بحث في حين أن هذه الجريمة لا ترتب أي عقوبة حبسية؟
ولكن رغم أن هذه الحالة تعتبر كضمانة للمتهم إلا أنها تظهر لنا تميز المشرع بين حالتين يتم فيهما المساس الجلي بقرينة البراءة.
فإن كان أساس عدم إمكانية الوضع تحت الحراسة النظرية ينبني على اعتبار أن العقوبة المحددة لتلك الجريمة لا تصل إلى عقوبة الحبس فهذا يعني صراحة بأن المشرع أخذ بأن المتهم هو الفاعل الحقيقي وليس مشتبه به يضعه تحت الحراسة من أجل ضرورة البحث وأن المشرع ضحى بحق الضحية في حالة ارتكاب فعل جرمي لا يرتب إلا غرامة (مع الإشارة إلى حق المطالب بالحق المدني في التعويض عن طريق الدعوى المدنية التابعة).
فقد ضحى المشرع بذلك الحق لكنه لم يسمح بإمكانية الوضع تحت الحراسة في هذا النوع من الجرائم وذلك لإمكانية فرار ذلك المتهم وضياع حق الضحية. إن هذا يوضح لنا جليا بأن المشرع غايته من إقرار هذا الشرط ليس التأكيد على أن الوضع تحت الحراسة النظرية يعتبر وضعا استثنائيا كما يشير إلى ذلك بعض الفقه( ) وإنما أصبح هو المبدأ، وما يؤكد هذا القول هو أن المشرع لم يرتب أي جزاء على خرق هذه الشروط من طرف ضابط الشرطة القضائية سوى تعريضه لعقوبات تأديبية إذا ما كان هذا الخرق متعمدا وتعسفي (أو تحكمي كما يطلق عليه البعض) ولكن هذا لا يعني أن المشرع لم يعطي للمتهم ضمانات خلال هذا الوضع والتي تتمثل فيما يلي:

الفقرة الثالثة: ضمانات المتهم أثناء الوضع تحت الحراسة النظرية:
نص المشرع على ضرورة احترام بعض الإجراءات والتي تشكل ضمانات للمتهم خلال مدة وضعه تحت الحراسة النظرية وهذه الضمانات هي:
1- إشعار عائلة المتهم:
يعاب على هذه الضمانة كونها لم تحدد الأشخاص الواجب إشعارهم، زيادة إلى عدم وجود جزاء للإخلال بهذا الإجراء والذي يؤدي إلى عدم احترامه وبالتالي إفراغ هذه الضمانة من المحتوى واعتبارها في حكم المنعدمة اعتبارا لكون هذا الإجراء إداري في نظر الفقه والقضاء لا يرتبون على مخالفته بطلان الإجراءات.

2-الاتصال بمحام:
وهذا الاتصال يطرح إشكالية إثبات إبلاغ ضابط الشرطة القضائية للمتهم في حقه بتعيين محام وكذلك إشكالية أخرى تتمثل في أن هذا الاتصال لا يتم إلا بعد تمديد مدة الوضع تحت الحراسة النظرية.
3-رقابة النيابة العامة لإجراء الوضع تحت الحراسة:
تمارس النيابة العامة بوصفها مسيرا لأعمال الشرطة القضائية رقابة أعمال هذه الأخيرة، ومن ضمن الأعمال التي تخضع لهذه الرقابة الوضع تحت الحراسة وهذه الرقابة تكون على مرحلتين:
*رقابة سابقة على الوضع تحت الحراسة النظرية.
وتتمثل في ضرورة حصول الشرطة القضائية على إذن مسبق من النيابة العامة قبل لجوئها إلى الوضع تحت الحراسة النظرية، إلا أن هذا الإذن يشترط فقط في حالة الجرائم المرتكبة في الأحوال العامة، أما الجرائم المرتكبة في حالة تلبس فقد منح المشرع الشرطة القضائية سلطة القيام بهذا الإجراء دون حاجة إلى الحصول على إذن مسبق من النيابة العامة ولا نحتاج إلى التذكير بكيفية توسيع المشرع لقاعدة الجرائم المتلبس بها من خلال إدراج الحالات التي اصطلح عليها الفقه بالتلبس الافتراضي.
*رقابة لاحقة للوضع تحت الحراسة النظرية:
أوجب المشرع على النيابة العامة القيام بمراقبة الوضع تحت الحراسة من خلال المادة 66( ) وذلك بالكيفيات التالية:
– يقوم وكيل الملك بزيارة واحدة في الأسبوع على الأقل للأماكن التي يتم فيها الوضع تحت الحراسة مع إمكانية قيامه بزيارات متعددة وضرورة قيامه بمحضر موقع عند كل زيارة.
– يوقع وكيل الملك على السجل المرقم الصفحات والذي يوجد في كل المحلات التي يوضع فيها الأشخاص تحت الحراسة النظرية ويكون هذا التوقيع مرة في كل شهر على الأقل.
– يمكن للنيابة العامة الحد من الوضع تحت الحراسة النظرية في أي وقت شاءت.
ورغم ما سبق ذكره من الضمانات فإن هذا الوضع يعتبر غير منطقي من الناحية القانونية وذلك أنه كيف يمكن أن تتم المراقبة من نفس الجهاز الذي يقوم بالعمل؟ فالمتعارف عليه والذي يحتمه المنطق القانوني أن سلطة الرقابة يجب أن تكون منفصلة عن سلطة المتابعة، حيث أن النيابة العامة هي المسؤولة وفي نهاية المطاف عن أعمال الشرطة القضائية بصفتها مسيرة لها فكيف يمكن أن نعتبر أن هذه السلطة والتي تتابع المتهم تطمح إلى المحافظة على حقوق وضمانات المتهم وهي من قامت بوضعه أصلا. لقد كان جديرا بالمشرع أن يوكل مهمة رقابة الوضع تحت الحراسة النظرية وغيرها من الإجراءات ذات الطابع القسري وكضمانة للمتهم تحت سلطة جهاز محايد ومتخصص، مع الإشارة إلى ضرورة الحفاظ على استقلال القضاء وقضاة النيابة العامة بشكل خاص، بأن يكون هذا الجهاز غير ذي سلطة على قضاة النيابة العامة حيث يمكن أن يثير مسؤولية النيابة العامة في حالة خرقها للقانون ويسائلها أمام القضاء دون أن يكون لهم حق إيقاع عقوبات أو اتخاذ أي إجراءات كيفما كان نوعها إلا تلك التي تثير مسؤولية جهاز النيابة العامة.

المطلب الخامس: اقتناع النيابة العامة وملائمة المتابعة
يأتي اقتناع النيابة العامة بكون المشتبه به (المتهم) هو مرتكب الجريمة في مرتبة تفصل بين مرحلتين، مرحلة ما قبل المحاكمة (بحث تمهيدي وتحقيق إعدادي) ومرحلة المحاكمة، فالنيابة العامة لها كامل الصلاحية وبناءا على ما يصل إلى علمها من وقائع على جريمة معينة من خلال البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي أن تتخذ أحد القرارين التاليين واللذان يؤديان إلى انتهاء مرحلة ما قبل المحاكمة وهما:

الفقرة الأولى: قرار حفظ الملف
تقوم النيابة العامة باستخدام حقها في حفظ الملف بناءا على المادة 49 في فقرتها ما قبل الأخيرة، حيث أشار المشرع أن للنيابة العامة الحق في حفظ الملف ولم يحدد إلا أسبابا قليلة فسرت على أنها وردت على سبيل المثال لا الحصر، وهذا يعني أن سلطة النيابة العامة في هذا المجال تعتبر سلطة مطلقة ويعزو واضعو المدونة هذه السلطة إلى كون النيابة العامة وفي بعض الأحوال لعدم وجود دليل قوي أو في حالة عدم معرفة الجاني تقوم بحفظ الملف لتخفف عن المحكمة عبئ النظر في قضايا لا طائل منها، وهذا التفسير منطقي إلى حد كبير، لكن ما نتسائل عنه نحن هو مدى التزام النيابة العامة بأسباب كالأسباب المذكورة لحفظ الملف؟ ألا يمكن أن تستغل النيابة العامة هذا الحق أو هذه السلطة لخدمة مصالحها خاصة إذا ما عرفنا أن جهاز النيابة العامة مترابط كما سبق الذكر.

الفقرة الثانية: قرار إحالة الملف على جلسة الحكم
يعتبر هذا القرار بمثابة حكم بالإدانة من طرف النيابة العامة، حيث أنها ومن خلال إحالة الملف إلى قضاء الحكم ترشح ذلك المتهم باعتباره مرتكبا للفعل الجرمي، وهذا القرار يعتبر الوجه الثاني لقرار حفظ الملف وفي الحالات التي لا يحفظ فيها الملف تتم إحالته على قضاء الحكم وهذا يعني بالضرورة أن زيادة عدد قرارات حفظ الملف تؤدي إلى تقليص عدد المتابعات والعكس صحيح. وما يهمنا في هذه العلاقة هو أن المشرع لم يحدد أسباب قاطعة لحفظ الملف وهذا يعني أنه أتاح المجال للنيابة العامة بإحالة أعداد كبيرة من الملفات إلى قضاء الحكم رغم أنه وفي بعض الحالات لا توجد علاقة متينة بين الفعل الإجرامي والمشتبه به أو المتهم الذي تمت إحالة ملفه على الجلسة وما يترتب على ذلك من مساس بقرينة البراءة، وقد ذهب المشرع الفرنسي إلى ضرورة وجود علاقة بين الفعل الإجرامي والمشتبه به حتى يمكن متابعته وتحريك الدعوى العمومية في مواجهته ومن تم ممارستها، وهذا ما يدل على حماية المشرع الفرنسي للمتهم وتمتيعه بقرينة البراءة.
__________________________
– “يحق للنيابة العامة أن تستأنف لدى الغرفة الجنحية كل أمر قضائي يصدره قاضي التحقيق باستثناء الأوامر الصادرة بإجراء خبره طبقا لمقتضيات المادة 196”. المسطرة الجنائية المغربية، المادة 222.
– محمد عياط: م، س، ص103.
– المسطرة الجنائية المغربية “الفقرات السادسة، الحادية عشر، الثانية عشر، الثالثة عشر، الرابعة عشر والأخيرة”.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *