المطلب الثاني : مفهوم الجريمة الإرهابية في ظل قانون (03-03) وأركانها وقيامها .
إذا كان تصنيف الجريمة الإرهابية كقاعدة عامة، ويرتبط بالوصف الذي يمكن أن تقترن به والذي تتحكم فيه دواعي شخصية ذاتية ومعايير موضوعية .
وإذا كان المبدأ الفقهي- القانوني قد أفضى إلى القول بوجود أصناف متعددة من الجرائم ، انطلاقا من الجريمة الكلاسيكية التقليدية والجريمة السياسية والجريمة الإرهابية وغيرها من الجرائم التي قد تفرزها وتؤدي إلى ميلادها، مستقبلا والجريمة السياسية والجريمة الإرهابية وغيرها من الجرائم التي قد تفرزها وتؤدي إلى ميلادها، مستقبلا التطورات المتلاحقة للجريمة وعالم الإجرام داخل المنظومة المجتمعية بحكم أن الجريمة كظاهرة علمية هي مكون طبيعي متطور يخضع لتأثير الظرفية الزمكانية التي يتم وقع فيها- …. فان هذا التصنيف لا يؤثر قطعا على الأركان الواجب توافرها لقيام الجريمة بغض النظر عن وصفها، وهي أركان عامة لا يتصور قيام أي فعل جرمي بدون اتحاد مكونات هذه الأركان في نسقها الشمولي وهي على ثلاثة أنواع :
أ‌- الركن القانوني للجريمة الإرهابية.
ب‌- الركن المادي للجريمة الإرهابية .
ج‌- الركن المعنوي للجريمة الإرهابية .
والجريمة الإرهابية لا تشد بدورها عن هذا المبدأ فما هو الركن القانوني لقيامها وما هي تحليلات الركن المادي، والمعنوي فيها ؟ ذلك ما سنتعرف عليه في الفقرة اللاحقة.

الفقرة الأولى : الركن القانوني للجريمة الإرهابية
إن ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الصدد، كون الركن القانوني في الجريمة الإرهابية يكتسي صبغة استثنائية مقارنة مع باقي الأفعال الجرمية الأخرى بالنظر إلى مجموعة من الاعتبارات التي تبررها خصوصية هذا النوع من الجرائم وهو يتمحور حول عنصرين أساسيين أولهما إلزامية تجريم الفعل الإرهابي بمقتضى نص جزائي خاص وثانيهما عدم إمكانية تصور خضوع الجرم الإرهابي لأسباب الإباحة والتبرير.

أولا : إلزامية تحريم الفعل الإرهابي بمقتضى نص جزائي خاص:
إن أهمية الحديث عن عنصر تجريم الفعل الإرهابي، تبدو جلية في كون الجريمة الإرهابية في ظل المنظومة التشريعية السابقة، كانت تصنف عادة ضمن الجرائم العادية، مع خصوصية متميزة، تتمثل في الرفع الملحوظ للعقوبة الخاصة بها ( الأصلية منها والإضافية ) وتشديد وتكثيف التدابير الوقائية الشخصية والعينية بشأن مرتكبيها ، ولا سيما متى كانت تستهدف المس بسلامة النظام العام والأمن العمومي داخل التراب المغربي أو خارجه، يضاف إلى ذلك الجريمة الإرهابية لم يكن لها تعريف محدد في ظل النظام التشريعي الجزائي بالمغرب، مما كان يتعذر معه وصفها بطبيعتها ولو تحققت الشروط الواقعية لذلك ، وربما كان ذلك مرد مسارعة المغرب إلى المصادقة على مجموعة من الاتفاقيات التي تستبين بعض الجرائم .
ذات الطبيعة الإرهابية من نطاق الجرائم السياسية وجعلها مجرد جرائم عادية تخضع للعقوبات المقررة جزاءا لها في المجموعة الجنائية أسوة بما استقرت عليه بعض التشريعات المقارنة والمعاهدات الدولية كما هو الشأن بالنسبة :
-الاعتداء على القيادة الملكية أو الرئاسية الرسمية للدول، المعترف بها شرعيا ، أو ولي ، العهد أو عائلاتهم المنظمة في المواد التالية
+ المادة 4 من الاتفاقية العربية لتسليم المجرمين.
+ المادة1 من ظهير 19 ماي 1960 بشأن المصادقة على الاتفاقية المغربية البلجيكية المؤرخة في 27/2/1959.
+المادة 1 من اتفاقية عصبة الأمم المتحدة 156 نونبر 1937.
-جرائم التقتيل المعدي والتسميم المنظمة في المادة 43 من الاتفاقية المغربية المؤرخة في الثالث من يوليوز 1967.
-جرائم التعييب والتخريب العمدي والإتلاف المنظمة في المادة 3 من اتفاقية عصبة الأمم المتحدة : 16 نونبر 1937 .
غير أن تصنيف الجرائم الإرهابية ضمن الجرائم العادية مجموعة من العوائق التقنية والموضوعية على مستوى تكييف الفعل الإرهابي ولا على مستوى إقرار العقوبات المستحقة له، خاصة مع التطور الملحوظ لأعمال الإرهابية، وارتفاع حدة خطورتها، مما أفضى إلى خلق نوع من اللاتوازن والتقارب بينها وبين الجزاءات الردعية الموازنة لها في نطاق الجرائم العادية.
واعتبارا لمبدأ القانوني والفقهي الكلاسيكي القاضي بأنه ” لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص تشريعي صريح فقد كان من المتعذر زجر الجرائم الإرهابية ونعتها بهذا الوصف، وإقرار عقوبات خاصة لها في غياب مقتضيات تشريعية صريحة تسمح بذلك استنادا للمادة 3 من القانون الجنائي المغربي الذي ينص على أنه ” لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعتبر جريمة بتصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها هذا القانون… .

وأمام هذا المعطى الحتمي ، كان لزاما على المشرع المغربي، أن يواكب النهج الذي سارت عليه أغلب التشريعات المقارنة والتي بادرت إلى إقرار نصوص قانونية صريحة لتعريف الجرائم الإرهابية واستحداث آليات قانونية لمكافحتها، وفي هذا السياق بادرت المملكة المغربية بداية إلى المصادقة الصريحة على مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية منها أو الجماعية كما هو الشأن بالنسبة للاتفاقيات العربية لمكافحة الإرهاب الموقعة بالقاهرة بتاريخ 22 اكتوبر 1998، والمأمور بنشرها بمقتضى الظهير الشريف 240-99. 1 بتاريخ رمضان 1422هـ موافق 22 نونبر 2001 واتفاقية الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة بتاريخ 23 شتنبر 1972 لمنع الإرهاب الدولي… واتفاقية جنيف – لمنع ومعاقبة الجريمة الإرهابية لسنة 1973.
واتفاقية مونتريال لسنة 1971 لمناهضة الأعمال الإرهابية بيد أن مصادقة المغرب على مجموع هذه الاتفاقيات ونشرها بالجريدة الرسمية لم يكن لفتح المجال أمام قيام الركن القانوني للجريمة الإرهابية في ظل العمل التشريعي والقضائي المغربي ولا سيما أمام التأويل والتأويل المضاد بشأن التموقع الترتيبي للمعاهدة الدولية في الهرم التسلسلي للقاعدة القانونية مقارنة مع القوانين المحلية.
وعليه فقد ظهرت الحاجة الملحة لظهور قانون وطني خاص بمحاربة الجريمة الإرهابية ومكافحتها ليكتمل بذلك الركن القانوني للجريمة الإرهابية في ظل المنظومة التشريعية المحلية، ويقصد بذلك قانون (03-03) المنفذ بمقتضى الظهير الشريف 140-03 – 1 المؤرخ في 26 ربيع الأول 1424 موافق 28 ماي 2003.

ثانيا : عدم تصور خضوع الجريمة الإرهابية لأسباب التبرير أو الإباحة.
كما هو متعارف عليه فقها وقانونا، فإنه لا يمكن لقيام الركن القانوني بصدد أية جريمة مجرد وجود نص قانوني صريح صادر عن السلطة المؤهلة لذلك دستورا، بل يتعين أيضا توافر عنصر ثاني مواز يتعلق بعدم خضوع الفعل الإجرامي سواء في صورته الإيجابية (تنفيذ الجريمة) أو في صورته السلبية ( الامتناع)… ويجمع الفقهاء على كون أسباب التبرير والإباحة هي تأشيرات تخول لكل مجرم صلاحية تنفيذ الجريمة ولو سبق للمشرع الجزائي أن خطرها وعاقبها بنص تشريعي صريح (2) … ومضمون هذا الاجماع الفقهي يحيلنا إلى نتيجة حتمية مفادها أنه يتعين لزوما إقصاء خضوع الفعل الإجرامي لأسباب التبرير والإباحة لاكتمال الازدواجية البنيوية للركن القانوني في الجريمة الإرهابية وإلى ذلك أقر المشرع المغربي في المادة 124 من القانون الجنائي أنه “… لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة في الأحوال الآتية :
1- إذا كان الفعل قد أوجبه القانون وأمرت به السلطة التشريعية
2- إذا اضطر الفاعل ماديا إلى ارتكاب الجريمة أو كان في حالة استحال عليه معها استحالة مادية اجتنابها وذلك لسبب خارجي لم يستطع مقاومته.
3- إذا كانت الجريمة قد استلزمتها ضرورة حالة الدفاع عن نفس الفاعل أو غيره وماله ومال غيره بشرط أن يكون الدفاع متناسبا مع خطورة الاعتداء

من خلال ما سبق ذكره تطرح إشكالية يمكن صياغة محورها على شكل التساؤل الآتي :
هل يتصور خضوع الجريمة الإرهابية لأسباب التبرير أو الإباحة كشرط لقيام ركنها القانوني؟
نبادر إلى الإجابة بالنفي القاطع عن هذا التساؤل وعلينا في ذلك تستمد مصدرها من خصوصية واستثنائية الباعث الدافع إلى ارتكاب الفعل الإرهابي والذي يضل محوره الرئيسي إشاعة الرعب والترهيب بين عموم الأفراد وتنفيذ المشروع إجرامي فردي أو جماعي أو سعيا إلى الإضرار بوسطهم البيئي تعريض الموارد الوطنية للخطر … وهو ما لا يتناسب البث مع صور الإباحة والتبرير المنصوص عليها بالمادة 124 من القانون الجنائي، فالجريمة الإرهابية لا يمكن بتاتا أن يوجبها القانون بأي مقتضى من مقتضياته سواء التشريعية منها أو التنظيمية أو الإدارية … كما أنه من المتعذر قانونا وواقعا تصور القوة القاهرة التي يضطر معها المجرم إلى ارتكاب الجريمة الإرهابية أو استحالة اجتنابها لسبب لم يستطع مقاومته …. وأخيرا لا يتصور قيام جريمة إرهابية في صورة حالة الدفاع الشرعي عن نفس الفاعل أو ماله أو نفس الغير وماله أو أن يكون الفعل الإرهابي مقررا بأمر أو تنفيذ فعل من السلطة النظامية أو الرسمية المختصة
والآن بعد أن استحضرنا تجليات الركن القانوني في الجريمة الإرهابية ننتقل إلى الرصد الميداني والتحليلي لأحد أهم الأركان الموازية لقيام هذه الجريمة وهو الركن المادي فما هو مضمون هذا الركن في ظل الجريمة الإرهابية ، وما هي خصوصياته ؟

الفقرة الثانية : الركن المادي للجريمة الإرهابية
يعتبر الركن المادي في الجريمة الإرهابية العنصر الأكثر عملية في قيام هذا النوع من الجرائم (1) فإذا كانت القاعدة العامة تبرر زجر الجريمة الإرهابية لما تخلفه هذه الأخيرة من اضطرابات سواء في شكل عمل ” كما هو الشأن بالنسبة للتعداد الوارد في الفصل الأول 218 من قانون (03-03) المتعلق بمكافحة الإرهاب، أو في شكل امتناع كما هو الشأن بالنسبة للفصل الثامن –218 من ذات القانون المعاقب لعدم التبليغ عن الجريمة الإرهابية المجمع تنفيذها “.
ويظل القاسم المشترك للنشاط المادي الصادر عن المجرم في الجريمة الإرهابية متمحورا حول عنصرين رئيسيين :
أ-تعلق الفعل الإرهابي بمشروع فردي أو جماعي باجتماعي صورته ترويع عامة الناس وإفزاعهم وإشاعة جو من اللاطمأنينة وإلى استقرار فان هذا الاضطراب ومن باب الموازنة يتعذر قيامه أو تحققه على أرض الواقع العمل مالم يصدر نشاط مادي عن الفاعل الإرهاب سواء بشكل خطير بالنظام العام وزعزعة الأمن العمومي .
ب-ارتباط الغاية من هذا النشاط المادي بإشاعة الخوف والترهيب عن طريق اعتماد العنف أو التهديد به، وما دام أن القانون السابق قد عدد صور الجرائم التي تعتبر إرهابية متى اقترنت بالعنصرين المشار إليهما أعلاه فإننا سنرجئ الحديث عن تجليات الركن المادي في الجريمة الإرهابية إلى غاية التطرق في فقرة لاحقة لهذه الصور وتناولها بالرصد والبيان والمناقشة القانونية.

الفقرة الثالثة : الركن المعنوي للجريمة الإرهابية
لا يشترط لقيام الجريمة الإرهابية مجرد قيام مشروع فردي أو جماعي يستهدف المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف أو التهريب أو العنف ولو تحققت الصور الإجرامية المنصوص عليها في هذا الشق بل يتعين وجوبا توافر عنصر العمد لدى الفاعل الإجرامي وهو ما يصطلح على تسميته بالركن المعنوي في الجريمة الإرهابية ، فما هو مضمون هذا الركن وما هي تجلياته في نطاق الجريمة الإرهابية يمكن القول ان القصد الجنائي عامة، يتجلى مفهومه في واقع الأمر كترجمة ميدانية للإرادة التي تخالج مخيلة الفاعل الإجرامي وتتسخ بعقليته فتتحكم في توجيه نشاطه الإجرامي الذي يستهدف به بصفة إدارية وتلقائية، قيامه ما لم يعمد الفاعل الإجرامي إلى توجيه إرادته نحو تحقيق الفعل المادي للجرم المزمع اقترافه .
الجريمة الإرهابية لا تشد عن هذا النسق وهو ما عبر عنه المشرع في المادة الأولى ، الفصل الأول – 218 من القانون (03-03) بقوله :” … نعتبر الجرائم الآتية أفعالا إرهابية إذا كانت لها علاقة عمدا … ” والعنصر المعدي في الجرائم الإرهابية يتموقع عبر مستويين رئيسيين :
أولهما توجيه المجرم الإرهابي لنشاطه الإرادي من أجل واقعه مجرمه مصنفة في عداد الجرائم الإرهابية.

أما ثانيها فيمثل في الإحاطة والعلم لدى الجاني بواقعة الجريمة من الناحية الواقعية والقانونية، وعليه فإنه ينتفي القصد الجنائي لدى المجرم ولو ارتكب جريمة إرهابية في حالة عدم الإحاطة بالواقعة الجريمة نتيجة الجهل المادي حيث ينعدم لديه العلم بحقيقة الواقعة الإجرامية ، كما هو الشأن بالنسبة للشخص الذي يعمد إلى إخفاء أموال أو منافع مادية أخرى متحصلة من جريمة إرهابية دون ان يعلم بماهيتها أو بمصدر تحصيلها رغم إن إخفاء الأشياء المتحصل عليها من جراء جريمة إرهابية يندرج ضمن التعداد القانوني للأفعال الإرهابية التي عددها المشرع في الفصل الأول – 218 من قانون الإرهاب فإن فعله هذا وإن كان يرتب في حقه مسؤولية مدنية أو جنائية ، فإنه رغم تلك يتعذر وصف ما أقدم عليه بالجريمة الإرهابية وأخيرا نمثل لهذه الحالة بمن يعمد إلى نقل أسلحة أو أدوات متفجرة معبأة بشكل محكم في علب مخصصة لأغراض أخرى … اعتقادا منه أنه يحمل موالد غدائية أو استهلاكية مروجا إياها لفائدة طالبيها.

وتبقى الإشارة إلى أن غياب الإحاطة والعلم اليقين بالواقعة الجرمية جراء جهل الواقع أو غلط فيه لا يمتد البتة بآثاره أو يسري بمفعوله في حالة الجهل بالواقعة نتيجة جهل أو غلط في القانون المنظم لها، وذلك استنادا للمادة 2 من القانون الجنائي الذي أقر قاعدة عامة تحظر وجوبا التمسك بجهل التشريع الجنائي أو الغلط في تأويله فنص قائلا ” …. لا يسوغ لأحد أن يتعذر بجهل التشريع الجنائي .
وحيثما استعرضنا الأركان الرئيسية لقيام الجريمة الإرهابية فإننا سننتقل حاليا إلى الحديث عن أنواع الجرائم الإرهابية من خلال قانون (03-03) والذي بموجبه عدد الجرائم المعتبرة قانونا جرائم إرهابية.
المبحث الأول: أسباب صدور قانون الإرهاب (03-03) ومفهوم الجريمة الإرهابية .
الفصل الأول : دراسة تحليلية لقانون مكافحة الإرهاب.
قانون مكافحة الإرهاب دراسة نقدية