شروط الخسارة البحرية المشتركة

نظام الخسارة البحرية المشتركة
الفصل الثاني : شروط وصور الخسارات البحرية المشتركة

– لاشك أن تحقق الخسارات البحرية المشتركة في كل التشريعات والقوانين يتطلب توفر شروط معينة، بمعنى أن الحديث عن الخسارة البحرية المشتركة متوقف وجودا وعدما على تحقق أو تخلف شروطها. وبالتالي فإن للخسارات البحرية المشتركة شروط تتحقق بتحقيقها وتنعدم بانعدامها وذلك وفقا لعلاقة الشرط بالمشروط.
غير أن هذه الخسارات عندما تتحقق لا تتحقق على صورة واحدة أو على نوع واحد وإنما تتجاوز ذلك إلى أكثر من صورة.
ترى ما هي شروط تحقق هذه الخسارات البحرية المشتركة ؟ وما هي صورها الممكنة ؟

الـفـرع الأول: شروط الخسارة البحرية المشتركة

لا تعتبر كل خسارة تتعرض لها السفينة في الرحلة البحرية من قبيل الخسارات العمومية التي يساهم فيها الجميع، بل إن هناك خسارات خصوصية والتي تقع على عاتق من يصيبه منها دون تحملها معه أحد. ولعل خصوصية الخسارة هي الأصل والاستثناء هي أن تكون عمومية.
ونظرا لما تكتسيه هذه النقطة من أهمية بالغة حيث أن هذه الشروط هي مقياس التمييز بين هذا النوع من الخسارات وغيرها من الخسارات الخاصة وهذا التمييز ما اصطلح عليه الأستاذ محمد أمين ملش بترتيب الخسارات.
وقبل التطرق لهذه الشروط يلاحظ أنه لا التشريعات ولا أراء الفقهاء قد استطاعت أن تحسم الشروط الواجب توفرها لتحقق الخسارات المشتركة، ليس فقط على مستوى كنه وجوهر هذه الشروط، وإنما أيضا على مستوى عددها وما هو داخل فيها وما ليس كذلك.
فإذا أخدنا مثلا التشريعات والقوانين الدولية نجد أنها مختلفة في أحيانا كثيرة على بعض الشروط وإن كانت متفقة دائما على شروط أخرى، فمن هذه التشريعات من حصر هذه الشروط في ثلاثة ومنها من أضاف إليها رابعا ومنها من عددها في أربعة شروط، ونفس الشيء يقال عن أراء الفقهاء.

1- ذ. علي البارودي في كتابه مبادئ القانون البحري ص 296
ونحن بصدد تفحص هذه الشروط نلاحظ أن هناك ثلاثة شروط رئيسية وهما الخطر والتضحية والسلامة العامة، وما ورد من زيادة في هذه الشروط إنما هو من قبيل الشروط الثانوية.
وعند استقراء بعض التشريعات العربية وكذا مواقف الفقه نجدها محل اتفاق بشكل كلي حول هذه الشروط الرئيسية سواء بشكل صريح أو ضمني ويتعلق الأمر بالخطر (مبحث أول) والتضحية (مبحث ثاني) والسلامة العامة (مبحث ثالث).

الـمبحـث الأول: وجود خطر يهدد السفينة.
من المعلوم أن الخسائر البحرية المشتركة تشترط وجود خطر تتعرض له السفينة والحمولة وبسببه تمت التضحية الاختيارية من قبل الربان لجزء من حمولة السفينة لإبعاد السفينة ومن فيها من ذلك الخطر.
والخطر شرط أولي لقيام الخسارات البحرية المشتركة والذي بدونه لا يمكن الحديث عن هذه الخسارات، ولا عما تبقى من شروطها، حيث انه إذا لم يكن هناك خطر فليس ثمة مجال للقبول بوجود خسارات مشتركة.
وكما سبقت الإشارة إلى ذلك فإن الخطر باعتباره شرطا من شروط الخسارات البحرية المشتركة قد حظي بإجماع الفقهاء وكذا التشريعات إما صراحة وإما ضمنيا بما فيها الاتفاقيات الدولة وعلى رأسها قواعد يورك وأنفرس. أما على المستوى الفقهي نذكر على سبيل المثال والذين أشاروا إلى الخطر نجد الأستاذ علي البارودي و ذ. مصطفى كمال طه و ذ. عبد الحميد عشوش وكذا ذ. عبد الرحيم ثروت ثم ذ. عادل علي المقدادي وغيرهم…..
أما على المستوى التشريعي نجد أن المدونات القانونية كانت تشير إليه أما صراحة كالقانون الأردني (م 262) والمصري (م 319) والليبي (م 262) وإما ضمنيا كالقانون المغربي (ف 313) وذلك من خلال الإشارة إلى أن القصد من التضحية هو تأمين سلامة الرحلة البحرية بما فيها السفينة والحمولة، وهو ما يفترض وجود حادث يهدد هذه السلامة البحرية وهو ما يعبر عنه بالخطر. وهذا ما كرسته الاتفاقيات الدولية، حيث أن القاعدة ” أ ” من قواعد يورك وأنفرس مثلا تشير إلى أنه لكي تكتسب التضحية صفة الخسارة المشتركة يجب أن تقع هذه التضحية بقصد إنقاذ مصالح أطراف الرحلة البحرية مما يهددها من حادث بحري.
والخطر كشرط من شروط الخسارة البحرية يطرح عدة إشكاليات ويثير مجموعة من التساؤلات تتمحور أساسا حول تعريفه وطبيعته وشروطه ومصدره ثم أثاره. ولمعالجة أكبر قدر ممكن من هذه الإشكاليات والتساؤلات فإننا سنتناول هذا المبحث من خلال مطلبين اثنين نخصص أولها لمفهوم الخطر والثاني لشروطه.
الـمطـلـب الأول: مـفـهـوم الـخطـر.
لا شك أنه ليس هناك تعريف دقيقا في رأينا للخطر كشرط خاص للخسارات المشتركة، ولعل هذه الملاحظة تنسحب على الفقه والتشريع معا، وإنما نود مجرد إشارات ومعطيات حول ما يثار حول الخطر.
الفـقـرة الأولـى: مختـلـف التعـابيـر الدالـة عـلـى الخطـر.
يعتبر مفهوم الخطر مفهوم واسع حيث يعبر عنه كل حسب تصوره وموقعه، وهذا ما يستشف من صفحات القوانين البحرية الدولية وكذا مؤلفات المختصين العامة منها والخاصة، وخير مثال حالة تعرض السفينة وشحنتها أثناء الرحلة البحرية لخطر، حيث هناك من يعبر عن هذه الحالة ب ” ظروف عصيبة ” وأخرى ب ” ظروف استثنائية ” وأحيانا أخرى لا يعبر عنها صراحة وإنما تفهم ضمنيا.
لكن رغم أن عبارة “الظروف العصيبة” و ” الظروف الاستثنائية ” أقل دلالة في معناها من مصطلح الخطر، فإن فهمها الفهم العميق يفيد أن تلك الظروف العصيبة أو الاستثنائية يجب أن تفضي في نتائجها إلى حدوث خطر، وهو ما يحيلنا لاحقا لمفاهيم الخطر المختلفة والمتمثلة في الخطر الحال والوشيك الوقوع، والمتوقع أو المحتمل.

الفـقـرة الثـانيـة: الخطر البحري بمعناه العام والخطر كشرط للخسارات البحرية المشتركة.
يطلق الخطر البحري بالمعنى العام على الخطر الذي يمكن أن يحدث خلال الملاحة البحرية أي في البحر أو هو الخطر الناشئ عن الملاحة البحرية أو عن العمليات التابعة للرحلة البحرية.2
أما الخطر باعتباره شرطا لقيام الخسارات البحرية المشتركة، فيقصد به كل ما يعرض للرسالة البحرية أثناء إبحارها، ويكون من شأنه أن يهدد سلامة السفينة أو البضائع المشحونة عليها بصفة حالية أو وشيكة أو محتملة، وبصورة حقيقية أي جدية ومعقولة كافية لتبرير ما يقوم به الربان من تضحية لتجاوز حالة الخطر هذه.
ومن خلال هذا التعريف الأخير يتبين لنا أن الخطر باعتباره شرطا للخسارات المشتركة من حيث زمن وقوعه، يكون إما حالا، و إما وشيك الوقوع، وإما محتمل الوقوع.
أ- الخطر الحال: هو كل حادث عرض للرسالة البحرية أثناء إبحارها واكتملت شروطه وظروف قيامه وتحققت صورته، وبدأ بصورة فعلية في تهديد سلامة السفينة أو حمولتها أو هما معا، ومثاله بدئ اشتعال النار في بعض أجزاء السفينة أو حمولتها أو هما معا.
و في هذا المنوال نشير إلى أن أغلب إن لم نقل جل الفقهاء لم يشترطوا أن يكون الخطر حالا، بل يكفي أن يكون متوقعا وممكنا، إذ لا يلزم الربان بانتظار وقوع الخطر فعلا لاتخاذ ما يراه من إجراءات مناسبة.
ب- الخطر الوشيك الوقوع: يقصد به كل خطر اكتملت شروطه وظروفه، لكن لم تتوفر له صفة بدئ التحقيق والوقوع . و الأساس في الخطر الوشيك الوقوع هو ظروف استثنائية وعصيبة سيئة للغاية، يبعث على وقوع الخطر بعد حين قطعا وليس احتمالا.
والخطر الوشيك يقوم بمجرد اعتقاد الربان بوجود خطر جدي ولو لم يقع هذا الخطر فعلا، لأنه لو اشترط في الخطر أن يكون حقيقيا لتردد الربان في اتخاذ الإجراءات المناسبة خشية الخطأ في التقدير.
ج- الخطر المحتمل الوقوع: هو كل خطر تحققت بعض شروطه وظروفه دون أن تكتمل بصفة كلية، فبعث ذلك على إمكانية تحققه وقيامه إن لم يتدارك الأمر، على أن التحقق يبقى مجرد إمكانية واحتمال، فقد يتحقق الخطر وقد لا يتحقق، وعليه فالخطر المحتمل لم يقم على أرض الواقع وإنما في نفوس الربان فقط.
وعليه فالتضحية بجزء من حمولة السفينة تعتبر خسائر بحية مشتركة يلزم بها الجميع حتى ولو كانت التضحية من قبل الربان قبل وقوع الخطر، طالما أن وقوع الخطر كان ممكنا ومتوقعا قبل إقدام الربان بالتضحية بذلك الجزء من حمولة السفينة.
المطـلب الثـانـي: شـروط الـخـطـر.
– للعمل بهذا الشرط وإدراجه ضمن شروط الخسارات البحرية يجب أن يكون فجائيا وغير متوقع من جهة (فقرة أولى) وأن يكون ناتج عن قوة قاهرة طبيعية كانت أو إنسانية من جهة أخرى (فقرة ثانية) ومن جهة ثالثة ينبغي أن يكون مهددا بحدوث خسارات وأضرار (فقرة ثالثة).
الفقـرة الأولـى: أن يكون فجائيا وغير متوقع
لكي يعتد بالخطر شرطا في الخسارات البحرية المشتركة، ينبغي أن يكون الخطر فجائيا وغير متوقع، بمعنى أعم أن يتوفر له ما ينبغي أن يتوفر للحادث البحري من شروط ومنها أن يكون الحادث فجائيا Fortuitous و غير متوقع Unforsean
وعلة ذلك أنه لو أمكن للمصالح الممثلة للرسالة البحرية توقع الخطر بسبب ظروف معينة أو حالات استثنائية عصيبة عارضة للسفينة أو للحمولة أولهما معا، ولم يمنحها ذلك من القيام بما يلزم من إجراءات وتدابير لمنع الخطر رغم قدرتها عليها، لعد ذلك مما ينقض تحقق شرط الخطر، وهو ما يسقط تبعا عما يحدث من خسارات صفة العمومية.
الفـقرة الثـانيـة: أن يكـون نـاتج عن قـوة قـاهرة طبيعية أو إنسانية
يفيد هذا الشرط أن الخطر الواقع أو الوشيك الوقوع أو المحتمل الوقوع يجب أن يكون خارج عن إرادة أطراف الرسالة البحرية، وعما يحتمل أن يصدر منهم من أخطاء يمكن أن تجعل ما قد يحدث من خسارة، خاصة وليست مشتركة.
ويدخل في إطار القوة القاهرة كل ما يترتب عن وجوده خطر يهدد سلامة الرسالة البحرية، سواء كان مصدره طبيعيا كالعواصف الهوجاء أو إنسانيا صادر عن الغير كالحروب، والمطاردة أو السرقة أو النهب الناتج عن أعمال القرصنة.
وإذا كان لا خلاف حول اعتبار كل تضحية بقصد دفع الخطر الذي يهدد سلامة الرحلة البحرية خسارة مشتركة ما دام هذا الخطر ناتج عن قوة قاهرة، فإن الخلاف يثور في حالة ما إذا نشأ الخطر بسبب خطأ أصحاب الشأن، كما إذا كان الخطر ناتج عن خطأ وذلك إما من المجهز أو الربان أو سائر التابعين البحريين أو البريين أو المرشد، أو أحد الشاحنين .
و الواضح أن الرأي بخصوص هذه الحالة منقسم إلى قسمين: الأول يذهب إلى أن التضحية لا تعتبر خسارة عمومية إلا إذا نشأ الخطر الذي تعرضت له الرسالة البحرية بسبب قوة قاهرة . وعليه فإن ما يقع نتيجة الخطر الناشئ عن خطأ الربان أو المجهز أو الشاحنين من خسارة لا تعتبر خسارة عمومية مثل ما ذهب إليه القضاء المصري.
ويذهب الرأي الثاني إلى أن الخسارة في هذه الحالة تكون عمومية بغض النظر عن سبب الخطر الذي استوجبها، وما إذا كان هذا السبب هو القوة القاهرة أو خطأ المجهز أو تابعيه أو خطأ الشاحنين، وحجيته في ذلك أن السبب المباشر للعوار هو وجود الخطر الذي يحمل الربان على القيام بعمل قصدي دونما حاجة للرجوع للسبب البعيد والذي منشأه خطأ أصحاب العلاقة.
ونفس الاتجاه يذهب المشرع الأردني الذي نص في فصله 267 على أنه إذا كان الخطر مشترك نتيجة إما لعيب في السفينة أو في البضائع، وإما لخطأ الربان، فإن الأضرار والنفقات التي لها صفة الخسائر البحرية المشتركة تفسح كذلك مجال التحاص لسائر أصحاب العلاقة. ويبقى لهؤلاء حقهم بالرجوع في المبلغ الذي يدفعونه بحصتهم على الذين تترتب عليهم تبعة العيب الخاص والخطأ و ليس لهؤلاء في أية حالة كانت أن يطالبوا بإدراج أضرارهم ونفقاتهم الخاصة في عداد الخسائر البحرية المشتركة، غير أنه يجوز لمجهز السفينة الذي يبرئه من تبعة أخطاء الربان في الملاحة.
وبهذا الرأي الأخير يأخذ القانون البحري المغربي حيث قررت المادة 318 منه أنه في حالة الخطر المشترك الناتج عن عيب خاص بالسفينة أو البضائع أو عن خطأ الربان أو الشاحنين يستدعي الأمر من بقية الأطراف المشاركة لفائدة المتضررين مع احتفاظهم بالحق في الرجوع من أجل استيفاء حصصهم على الذين كانوا سببا في العيب الخاص أو الخطر.
وقد استثنت الفقرة الأخيرة من الفصل 318 المجهز المعفى من المسؤولية الناتجة عن خطأ الربان بمقتضى شرط في مشارطة الإيجار أو في تذكرة الشحن، حيث أجازت له أن يقدم طلبا للمشاركة في العواريات العامة شريطة أن يكون خطأ الربان في الملاحة مصدرا للخطر المشترك.
الفـقـرة الثـالثـة: أن يكـون الخطـر مهـددا بحدوث خسـارة جديدة ومعقـولة لا وهمية.
لا يكفي لاعتبار الخطأ شرط في تحقق الخسارات المشتركة أن يتوفر له شرط الفجائية وعدم التوقع، أو كونه ناتج عن قوة قاهرة، بل يلزم إلى جانبهما أن يتوفر له شرط ثالث و هو أن يكون من شأن هذا الخطر أن يهدد بحدوث خسارات وأضرار. وبناء على ذلك فالأمر متوقف عن حدوث الخسارة بناء على حالة الخطر، وأن تكون هذه الخسارة جدية ومعقولة لا خسارة وهمية فقط.
وإذا كان بعض الفقهاء يذهبون إلى ضرورة كون الخطر المهدد بحدوث الخسارة خطرا حالا فإن رأيهم هذا يفقد وجاهته أمام الحجة القوية لمن يرون الاكتفاء بكون الخطر وشيك أو محتمل الوقوع، ذلك أن اشتراط الخطر الحال من شأنه أحجام الربان عن التصرف حتى اللحظة الأخيرة، وهو ما يقلل من أثر التضحية التي يقوم بها الربان ، كما يسهم هذا الإحجام في وقوع الضرر الذي أريد دفعه.
والراجح عند الفقهاء أن يكون الخطر المهدد بحدوث الخسارة خطرا جديا ومعقولا، وإن كان هناك من اشترط أن يكون حقيقيا، ويخضع تقدير جدية الخطر ومدى احتمال وقوعه لسلطة الربان، والمعيار في الحكم على حسن أو سوء ممارسة الربان لسلطته التقديرية يخضع لمعيار الربان العادي منظور إليه في ظل الظروف التي تحيط بالربان وقت اتخاذ القرار المراد تقدير سلامته من عدمها.
ويلاحظ أنه إذا تبث وجود خطر ” جدي ” ولكن الربان أخطأ في تقدير وقت التدخل ومدى الحاجة إليه، فإن الخطأ في التقدير لا يؤدي إلى القول بانتفاء شرط الخطر إلا إذا كان الخطأ في التقدير جسيما.
والخطر الحقيقي الداهم لا بد و أن يكون له طابع ” الإحاطة ” فهو لا ينصب على بضاعة معينة أو غير محددة من عنابر السفينة دون أن يهدد السفينة أو بقية الحمولة، وعمومية الخطر مستمدة من أن الهدف من التضحية هو السلامة العامة وهذه الأخيرة لا تكون كذلك إلا إذا كان الخطر عاما.

الـمبـحـث الثـانـي: التضحية
إن الحديث عن الخطر كشرط لقيام الخسارات البحرية لا يكفي ولو استكمل هذا الخطر كل شروطه، بل لا بد من شرط آخر وهو التضحية.
والتطرق للتضحية باعتبارها شرط الخسارات المشتركة يقتضي تحديد شروطها في مطلب II وقبله تحديد مفهومها في مطلب I.
المطـلـب الأول: مفهوم التضحية
لاشك أن مفهوم التضحية من المفاهيم التي لا نكاد نعثر لها عن تعريف فقهي مدقق كما هو الحال لتعريف الخطر أيضا، حيث يتساوى التشريع مع الفقه بهذا الخصوص، بالرغم من أن هناك توحد مصطلحيا بين الفقهاء والتشريعات على مستوى تسمية هذا الشرط، هذا خلاف ما هو موجود في شرط الخطر إذ يسمى أحيانا بظروف عصيبة وأخرى استثنائية.
لذا يتطلب منا ومن أي باحث في هذا المجال وضع تعريف للتضحية وذلك من خلال البحث في مواضيع القانون البحري عامة وفي موضوع الخسارات البحرية بصفة خاصة.
ومن خلال تفحص بعض الكتب نجد أنها عرفت التضحية بأنها كل عمل إرادي يقدم عليه الربان طواعية بطرح البضاعة في اليم لإنقاذ السفينة وسائر الحمولة مثلا . وبمقتضى هذا العمل الإرادي يمكن أن يتخلى كل من له مصلحة في الرسالة البحرية عن بعض مصالحه، سواء أكان المجهز الذي يتخلى على بعض أجزاء السفينة، أو الشاحن الذي قد يتخلى على بعض بضاعته.
والواضح أن هذا التخلي يتم إما دفعا لخطر حال أو وقاية من خطر وشيك أو محتمل، بقصد تحقيق مصلحة الجميع.
تجدر الإشارة إلى أن التضحية قد تكون اختيارية، كما قد تكون اضطرارية إلا أن الذي يعتد بها شرطا في تحقق الخسارة المشتركة هي التضحية الاختيارية التي يأتيها الربان دفعا لحالة الخطر.
المـطـلـب الثـانـي: شروط التضحية
تعتبر الخسارة المشتركة تضحية اختيارية يقوم بها الربان من أجل السلامة العامة ودفع الخطر الذي يهدد الرسالة البحرية، وعليه فإن شروط التضحية المعتبرة شرطا في الخسارات المشتركة ثلاثة وهي:
 أن تكون التضحية اختيارية.
 أن تكون التضحية لدرئ الخطر المهدد للرسالة البحرية.
 أن تكون التضحية من أجل السلامة العامة.
الـفـقـرة الأولـى: أن تكـون التـضـحية اخـتيـاريـة.
لكي نكون أمام خسائر بحرية مشتركة، يجب أن تكون هذه الخسائر، والتي هي عبارة عن أضرار وهلاك لأشياء أو نفقات، ناجمة عن فعل اختاره الربان لدرئ خطر تعرضت له السفينة، وعليه فلو أن الخسائر كانت بسبب قوة الرياح التي ألقت ببعض البضائع في البحر، أو أنها كانت ناجمة عن دخول الماء عنابر السفينة وإتلاف البضائع، فلا تكون في هذه الحالات أمام خسائر بحرية مشتركة توزع على الموجودين في السفينة.
تجدر الإشارة إلى أنه لاختلاف بشأن وجوب كون التضحية اختيارية، وبناء على ذلك فقد نصت المادة 262 من القانون البحري الليبي على أن الخسائر المشتركة هي ما يترتب من خسائر أو هلاك أقدم عليه الربان قصدا، ونفس الشيء ذهب المشرع الأردني في المادتين 268 و 269، وكذا المشرع المصري في المادة 238، هذا نفسه يقال عن التشريع البحري المغربي الذي لم يغفل شرط اختيارية التضحية وهذا تقتضي المادة 313 بحري مغربي بأنه، تعتبر عواريات الأضرار التي تحصل اختياريا والمصاريف الفائقة العادة التي تنفق من أجل سلامة السفينة والحمولة معا ….
وهو ما أكدته قواعد يورك وانفرس بشكل صريح، وأيضا المادة 66 من قانون التأمين البحري الانجليزي وغير من القوانين الدولية، وكذلك الآراء الفقهية.
والجدير بالذكر أن الذي يقدم على التضحية الاختيارية هو الربان، غير أن هناك من أعطى لهذا الأخير صلاحيات مطلقة له، في حين نجد أن هناك من يفرض على الربان قبل القيام بأية تضحية اختيارية سلسلة من الإجراءات قصد التحقق من صفة الخسارات المشتركة على أن هذه الإجراءات منها ما هو غير متبع اليوم في أية تضحية يقدم عليها الربان، ويتعلق الأمر أساسا بالاستشارة حيث نجد أن كثير من التشريعات الحديثة استبعدت استشارة أصحاب ورؤساء الملاحين، وعلى هذا المنوال صار القانون البحري الأردني والسوري وقانون التأمين البحري الفرنسي رقم 545 الصادر في 7 يوليوز 1967 وكذا القانون المصري البحري وكذلك قواعد يورك وانفرس .
كما أن القانون البحري المغربي لم يفرض هذا الإجراء على الربان كي تعتبر التضحية خسارة عمومية، وهو ما نعتقد بصوابيته خاصة وأن هناك من جهة أولى مصالح متعارضة لدى الممثلين في الرحلة البحرية، مما يفرض تعارض الآراء بشأن التضحية، ومن جهة ثانية أنه ليس هناك ما يمنع من وجود بعض أصحاب البضائع على ظهر السفينة مما تنتفي معه استشارتهم. وعليه فإن قرار التضحية يتخذه الربان لوحده، إلا أن نتائجه تسري على جميع مصالح الرسالة البحرية.
وفي الأخير نشير إلى أن مسألة تقدير ما إذا كانت التضحية التي أقدم عليها الربان تعتبر خسارة عمومية أم لا تعود لمحكمة الموضوع على ضوء ملابسات الواقعة وعلى ضوء ما قرر من محاضر.
الفـقـرة الثـانيـة: أن تكـون التضحيـة لـدرئ الخطـر المـهدد للرسـالة البحـرية.
لا يكفي لتحقق الخسارات المشتركة أن تكون هناك تضحية اختيارية، لكن يلزم بالإضافة إلى ذلك أن يكون لهذه التضحية هدف محدد واضح ويتمثل في درئ ما يعترض السفينة والبضاعة من خطر، بغض النظر عما إذا كان حالا أو وشيك الوقوع أو محتمل الوقوع بشرط أن تتوفر لذلك الخطر شروطه وظروفه التي تجعله معتمدا به كما سلفت الإشارة إلى ذلك عند تناولنا لشرط الخطر.
ولعل هذا الشرط يعتبر بمثابة قيد على تصرف الربان يمنعه من إجراء أية تضحية واعتبارها خسارة مشتركة ولو لم يكن هناك خطر يستدعي ذلك، وبعبارة أخرى يجب أن تكون التضحية معقولة أي ضرورية لمواجهة الخطر.
وانطلاقا مما سبق فلا نكون بصدد خسارة مشتركة إذا كانت التضحية غير لازمة للمحافظة على البضاعة والسفينة من الخطر الذي يهددها، فيظل الربان مسؤولا عن هذه التضحية طبقا للقواعد العامة. وقد أكد هذه الفكرة الأستاذ أحمد عبد الحميد عشوش وغيره من الفقهاء.

الفـقـرة الثـالثـة: أن تكون التضحية من أجل السلامة العامة
يدخل هذا الشرط ضمن شروط التضحية واللازم لاعتبار ما يقع من أضرار بمثابة خسارة مشتركة.
ويقصد بالسلامة العامة سلامة السفينة وحمولتها من البضائع أي سلامة الرسالة البحرية بأسرها.
و الواضح أنه لا خلاف بين التشريعات بخصوص هذا الشرط، خلاف بعض الآراء الفقهية التي لم تجعله ضروري لاعتبار الخسارة خسارة مشتركة.
و تجدر الإشارة إلى أن السلامة العامة لا يشترط أن تكون مهددة بخطرها، وإنما يكفي أن تهدد إما السفينة وإما البضائع أو هما معا، كما أنه لا يعني كذلك أن كل ما هو على ظهر السفينة يساهم في الخسارة، حيث أن القاعدة أن كل ما لا يعد من البضائع لا يساهم في الخسارة، لكن إذا ضحى بهذه الأشياء فإن قيمتها تدخل في الخسارة.
ونحن بدراسة شروط التضحية ينتابنا سؤال ظل معلقا وهو هل يلزم أن تترتب عن التضحية التي قام بها الربان نتيجة مفيدة ؟ الواقع أن هذا السؤال لا يحتمل جوابا وحيدا، لأن هذه النقطة ثار خلاف كبير حولها في كل من التشريع والفقه على حد سواء، الأمر الذي فرز اتجاهين اثنين:
الاتجاه الأول: يذهب إلى أنه لكي تكون التضحية التي بذلت من طرف الربان خسارة عمومية يجب أن تترتب عنها نتيجة مفيدة، وهذا ما أخذ به الفقه الفرنسي والمصري، ونفس الشيء عرفه المشرع المغربي من خلال المادة 113 من القانون البحري المغربي حيث نص على أنه لا تعتبر عواريات عمومية الأضرار والمصاريف التي أنفقت من أجل السلامة إلا إذا ترتبت عن تلك الأضرار والمصاريف نتيجة مفيدة ولو جزئيا. وقد صار بعض الشراح الغربيين على هذا الاتجاه مثل ليوكان ورينو في جزء 6 من بند 887.
الاتجاه الثاني: يذهب إلى أن التضحية سواء كانت أضرارا أو نفقات تكون بمثابة خسارة عمومية ولو لم تأت بنتيجة مفيدة، وهذا ما اتجهت إليه قواعد يورك وانفرس التي اكتفت أن تكون التضحية لأجل السلامة العامة.
ونفس الشيء ذهب إليه المشرع الليبي من خلال المادة 262 ولو وضع بعض الاستثناءات وكذا المشرع الأردني، كما لو أن السفينة مثلا قد جنحت واستأجر الربان قاطرة لإنقاذها من خطر الجنون، ثم فجأة جاء المد قويا فقامت السفينة من تلقاء نفسها، فإن نفقات القطر تعد خسارة مشتركة وإن لم تؤدي إلى نتيجة مفيدة. ونفس المنوال ذهب إليه الأستاذ ريبير في جزءه الثالث من بند 2251.
والواضح أن الخلاف بين الرأيين إنما منشأه الاختلاف الجوهري في الأساس القانوني التي تقام عليه نظرية الخسارات العمومية، حيث أن الاتجاه الأول قام نظريته على أساس مبدأ الإثراء بلا سبب، في حين أن الاتجاه الثاني يقيمها على أساس مذهب اتحاد المصالح بين السفينة والحمولة ضد المخاطر .



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *