دعوى المساهمة في الخسارة البحرية المشتركة وضمانات الوفاء

نظام الخسارة البحرية المشتركة
الفصل الثالث : تسوية الخسارة البحرية المشتركة و دعوى المساهمة فيها

الفرع الثاني : دعوى المساهمة في الخسارة البحرية المشتركة وضمانات الوفاء

يكون للمضرور أن يرفع دعوى المساهمة، في الخسارة المشتركة، إذا لم يقم الملتزمون بالمساهمة في هذه الخسارة اختيارا بالوفاء بحصصهم في المساهمة لمن لحقهم ضرر من التضحية، فللمجهر أن يطلب قضاء مساهمة أصحاب البضائع في الخسارة التي تصيبه كنتيجة مباشرة للتضحية الاختيارية ، مع أن القانون البحري زوده بضمانات خاصة، و هذا ما نتطرق له في المبحث الأول فنخصصه لدعوى المساهمة في الخسارة البحرية المشتركة، لنعرض في المبحث الثاني الضمانات التي قررها القانون للوفاء بالمساهمة.

المبحث الأول : دعـوى المساهـمة في الخـسارة البحـرية .
لكل دائن في الخسارة البحرية المشتركة دعوى مباشرة قبل كل مدين للمطالبة بحصته فيها، إذا لم تتم التسوية بين ذوي الشأن بالطريقة الودية وتختص بالنظر في هذه الدعوى المحكمة التي يقع في دائرتها آخر ميناء للتفريغ.
الــمـطـلـب الأول : رفــع دعــوى الــمــســاهــمــة.
إذا لم تتم التسوية وديا، كان للدائن بالخسارة العمومية أن يرفع الدعوى على سائر المدينين بها، فهي دعوى شخصية مباشرة* وهذا يذكرنا بشركة التضامن حيث تكون مسؤولية الشركاء شخصية وتضامنية في حالة إعسار أحد الشركاء ، فإذا رفعت الدعوى على المجهز ووجد أن ما يلتزم به أكبر من قيمة ما بقي من السفينة و الأجرة فإن له الحق في أن يستعمل حق الترك أو التخلي في مواجهة دائنيه بعد رفع الدعوى تقوم المحكمة بتعيين خبراء لتسوية وتوزيع الخسارة البحرية المشتركة ولا يكون هذا التوزيع نهائيا وملزما إلا بعد تصديق المحكمة عليه.
وهذا ما توصلت إليه غرفة التحكيم البحرية في باريس بتاريخ 15/03/1998، حيث ثم خلاف حول جرد الخسائر البحرية العامة وتصفيتها من الخسائر الخاصة على اثر عملية إنقاذ قامت بها القاطرة ” merou” عندما تعرضت السفينة ” ouarzazate” لحادث فجائي، وهي في رحلتها إلى ” jovlon” مما نتج عنه تعطل أحد آلياتها بسبب عاصفة قوية، مما أدى إلى طلب المساعدة من الشركة المتوسطية للمساعدة والإنقاذ ” mars” فأرسلت القاطرة ” merou ” التي تعرضت هي الأخرى لمخاطر عملية الإنقاذ، إلا أن العملية تمت بنجاح، رغم الخطر الكبير، الذي كان محدقا بهما.
وحيث أن ” mars” طلبت مكافئة الإنقاذ المنجزة بنجاح من طرف ” merou ” لفائدة السفينة ” ouarzazate” فان رئيس المحكمة التجارية لمدينة مارساي قام بتعيين خبير قضائي ” sirven ” بهدف استجماع كل العناصر التي تدخل في العوارية العامة.
و حيث أن هذا الخبير قدم تقريره متعرضا فيه لتعريف دقيق للوقائع ابتداء من أصلها إلى انتهائها، و جرد النتائج التي خلفتها هذه الوقائع، والذي لم يتلقى اعتراض إلا أن الخلاف كان حول نفقات الإنقاذ المستحقة للقاطرة ” merou ” مما أدى بالأطراف إلى الاتفاق على اللجوء إلى محكمة التحكيم.
و حيث ثم اللجوء إلى غرفة التحكيم البحرية بباريس التي جعلت من مهمتها تحديد تكاليف المساعدات التي قدمتها القاطرة في البحر لاعتبارها مرت بنجاح، فقد اعتمدت على اتفاقية بروكسيل 23 شتنبر 1910 للقيام بهذه العملية.
و حيث أن لجنة التحكيم اعتمدت على الفصل 8 من اتفاقية بروكسيل * فإنها عملت على جرد جميع عناصر الخسارة ثم القيام بعملية التسوية المرضية لجميع الأطراف وذلك بتحديد مبلغ المساعدة معفى من جميع التكاليف والخصوم.
فتم الإمضاء على قرار التحكيم من طرف كل الأطراف في 15 مارس 1989 .
و باعتبار أن السفينة ” ouarzazate” تعرضت في منطقة أجنبية لحادث العاصفة فإن القانون البحري المغربي في مادته 325 تخطى الاختصاص للقنصل الفرنسي أو القاضي المكان لحل النزاع وذلك بتعيين خبراء التسوية وهذا ما لجأ إليه كل من “الشركة المغربية للملاحة”
“comanav” والشركة المتوسطية للمساعدة والقطر و الإنقاذ ” mars” أثر الرجوع إلى الغرفة التحكيمية البحرية بباريس.
ويقع عبئ إثبات شروط الخسارة المشتركة على من له مصلحة في رفع دعوى المساهمة، و قد سارت قواعد يورك أنفرس على هذا المنوال في القاعدة e وذلك حتى لا يتساهل مصفو الخسارات المشتركة ولا يقبل في نطاق هذه الخسارات سوى ما يقوم دليل في توفر صفة الخسارة المشتركة لها ، وهذا ما نهجه المشرع المغربي في الفصل 316 من القانون البحري: ” كل من طالب بقبول ضرر أو مصروفات ضمن العواريات العمومية يتعين عليه أن يثبت توفر جميع المميزات المكونة للعوار العمومي و أن الضرر أو المصروف كان نتيجة للتدابير المتخذة من أجل السلامة العامة ” .
الـمـطـلـب الثـانـي : الـدفـع بـعـدم قـبـول دعـوى الـمـسـاهـمـة.
تنص المادة 283 من قانون التجارة البحرية على أن ” ترد كل دعاوى غرامة الخسائر البحرية المشتركة بهلاك أو ضرر لم يقدم بها احتجاج معلل بمهلة ثلاثة أيام لا تدخل فيها أيام التعطيل ابتداء من تسليم البضاعة ” .
يلاحظ أن المادة تشترط الشروط الآتية كي يجوز للمدعى عليه التمسك بهذا الدفع وهي:
– إذا لم يقدم احتجاج مسبب خلال ثلاثة أيام من تاريخ تسليم البضاعة، وهذا الدفع يكون خاص بدعوى المطالبة بإثبات الخسارة وتسويتها، ولا يسري على دعوى تنفيذ ما تم تسويته أي دعوى المطالبة بنصيب الملتزم بالمساهمة في الخسارة المشتركة.
– كما أن الدفع بعدم قبول الدعوى لا يسري في حالة الهلاك الكلي، إذ يقتصر على وصول البضاعة تالفة أي حالة الهلاك الجزئي كما يقتصر أيضا على الخسارة التي تلحق البضائع ومن تم لا يسري على دعوى المساهمة في الخسارات المصروفات .
– ألا يقدم المدعى احتجاجا معللا لما لحقه من ضرر، وعلى أن يكون تقديمه خلال ثلاثة أيام ابتداء من تسلم البضاعة، دون احتساب أيام العطل الواقعة بين مدة الثلاثة أيام المذكورة وتجدر الإشارة إلى أن المادة المذكورة لم تشترط شكلية معنية لهذا الاحتجاج إلا أنها تقتضي أن يكون مكتوبا .
وتنص المادة 243 بحري على أنه لا تقبل الدعوى بالخسارة البحرية المشتركة، إذا كانت الخسارة العامة لا تزيد عن واحد بالمائة (1%) من مجموع قيمتها السفينة والبضاعة وهي نسبة يرى المشرع أنها ضئيلة إلى حد لا يبرر عمليات الحساب والتوزيع ورفع الأمر إلى القضاء، إلا أن الرأي الراجح فقها وقضاء أن حكم هذه المادة قاصرة على العلاقة بين المؤمن والمؤمن له، إذ لا محل لتطبيق المادة السابقة لأن المساهمة في الخسارة المشتركة يقوم الحق في المطالبة بها مهما قلت الخسارة بالنسبة لمجموع قيمة السفينة والبضائع وذلك في العلاقة بين المجهز والشاحن .
الـمـطــب الثــالـث : تــقـادم دعوى الـمـساهـمـة.
تناولت المادة 284 من قانون التجارة البحرية تبيان مدة التقادم الخاصة بدعوى المساهمة في الخسارة البحرية المشتركة فحددتها في سنتين من وصول السفينة إلى آخر مرفأ تقصده البضاعة، التي تحملها السفينة أو آخر ميناء تنقطع فيه الرحلة البحرية.
وعلى هذا الأساس لا يجوز سماع دعوى المساهمة بالخسائر البحرية العامة، بعد مضي سنتين عن وصول السفينة إلى الميناء الذي تقصده البضاعة، التي هلكت بفعل الخسائر البحرية .
ينقطع هذا التقادم بالإضافة إلى الأسباب المقررة في القانون المدني بتعين خبير التسوية، وفي هذه الحالة تسري مدة جديدة مقدارها سنتان من تاريخ التوقيع على تسوية الخسارات المشركة، أو من التاريخ الذي اعتزل فيه خبير التسوية .
فرغم أن الرأي الراجع يذهب إلى أن التقادم في هذه الدعوى هو تقادم القواعد العامة إلا أن بعض التشريعات تفضل مددا قصيرة للتقادم كالقانون الألماني والياباني ومن ضمنها القانون البحري المغربي في المادة 332 حيث نص على أن جميع طلبات المشاركة في العوارية العمومية، تتقادم بعد مرور سنة* ابتداء من التاريخ الذي كان يجب أن تصل فيه، في الأحوال العادية والملاحظ أن التشريع المغربي لم يذهب على نهج نظيره الفرنسي الذي حدد مدة تقادم دعوى المساهمة في الخسارة المشركة في خمس سنوات، كما أن التشريع البريطاني حدده في ست سنوات ابتداء من صدور الحكم، وهذا ما حددته قواعد يورك وانفرس في المادة 23 ما لم تكن الدولة التي تنتهي فيها الرحلة البحرية تضع قواعد أمره في هذا المجال ، وهذا تفاديا لمدد التقادم المتعارف عليها في القواعد العامة المتميزة بطولها، مما لا يتناسب مع طبيعة سرعة الرحلات البحرية، وضرورة تصفية المنازعات التي تثيرها .


المبحـث الثاني :
ضمانات الوفاء بالاشتراك في الخسارة المشتركة.
يجب على كل مالك السفينة والشاحنين الوفاء بحصصهم في الخسارة المشتركة، سواء تم تحديد هذه الحصص بمقتضى تسوية ودية، أو بمقتضى حكم في دعوى الاشتراك، إذ لا تضامن بين المدينين في مواجهة الدائن، فالشاحنون لا يتضامنون في الوفاء بحصص مساهمتهم في الخسارة للمجهز ومع ذلك فقد استقر العرف في حالة ما إذا أعسر أحد المدينين كان للدائن أن يطالب الباقين بحصتهم في الخسارة وبنصيبهم في حصة المدين المعسر كما يجب أن يكون الإعسار نتيجة مباشرة لفعل التضحية في سبيل السلامة العامة .
ولتفادي ضياع الحقوق فقد زود القانون الدائن بسبب الخسارة المشتركة، بضمانات خاصة تأمينا لاستيفاء ما له من حقوق، فما هي هذه الضمانات التي قررها القانون للوفاء بالمساهمة ؟ سنعرف في (المطلب الأول) لحق الامتياز على البضائع ثم في (المطلب الثاني) حق المجهز في حبس تلك البضائع حتى يستوفي حصة صاحبها في المساهمة، لنتطرق في (المطلب الثالث) لتصفية نظام الخسارة المشتركة.
المطلب الأول : حق الإمتياز
نصت المادة 326 من القانون البحري المغربي على بيان ضمان خاص باستيفاء غرامة الخسارة البحرية المشتركة، وميزت بين امتياز مجهز السفينة وامتياز أصحاب البضائع:
بالنسبة لمجهز السفينة : يتمتع بموجب الفقرة الأولى من المادة 326 من القانون البحري المغربي، بامتياز على البضائع لاستيفاء المبالغ المستحقة بسبب توزيع العواريات وكذلك على الثمن الناتج عن بيعها، وذلك خلال خمسة عشر يوما بعد تسلم البضاعة، و ينتهي هذا الامتياز إذا كانت قد سلمت لشخص ثالث، وهذا ما ينص عليه المشرع الأردني والقانون المصري مع اشتراط أن يكون هذا الشخص (الثالث) حسن النية إذ أن الامتياز يتعطل حينئذ بتطبيق قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية .
وليس للربان أن يمتنع عن تسليم البضائع أو أن يدعها لدى أمين لحين دفع المستحق له إلا إذا قدم صاحبها ضمانا كافيا لدفع نصيبه من الخسارة، وعادة ما يقدم الشاحن كفالة مصرفية وقت تسليم البضاعة ضمانا للوفاء بحقه في الخسارة المشتركة أو إيداع مبلغ في أحد البنوك .
أما أصحاب البضائع المضحى بها: فمن خلال الفقرة الأخيرة من المادة 326 من القانون البحري المغربي يترتب لهم حق الامتياز على السفينة ضمانة لاستيفاء المبالغ التي ينوب أداؤها السفينة وأجرة النقل التي تعرضت للخطر بالنسبة للمجهز وإذا كان الشاحنون هم الدائنون للمجهز بالمساهمة في الخسارة المشتركة فإن الامتياز يكون على السفينة وأجرتها وملحقاتها ضمانا للوفاء بحصتها في الخسارة، وهو امتياز في المرتبة الثالثة بين مراتب الديون الممتازة وذلك لأن التضحية التي تلحق الخسارة بالشاحن تتم بقصد إنقاذ السفينة وباقي العناصر المشاركة في الرحلة .
كما بإمكان الشاحن أن يوقع الحجز التحفظي على السفينة إما بمقتضى سند صالح للتنفيذ أو بإذن من القاضي المختص، ويجوز رفع الحجز إذا قدم المحجوز عليه كفالة أو ضمانا عينيا وذلك بمقتضى معاهدة بروكسيل لسنة 1902 وهو ما نص عليه القانون البحري المغربي في المادة 110.
المـطـلب الثـانـي : حق الحبس و الاحتباس.
قرر المشرع المغربي في المادة 327 من القانون البحري، للربان أن يمتنع عن تسليم البضاعة التي يجب أن تساهم في الخسارات المشتركة إلى أن يؤدي أصحابها مبلغ الحصص التي تنوبهم، إلا إذا قدم أصحابها كفالة صالحة و كافية لضمان وفاء تلك الحصص .
و هذا ما نص عليه القانون البحري المصري، و إذا لم يتفق الطرفان على الضمان يعرض الأمر على قاضي الأمور الوقتية لتعين خبير لإجراء تقدير مؤقت للاشتراك في الخسارات، ويحدد الضمان وفقا لهذا التقرير، كما للقاضي أن يأمر ببيع البضائع كلها أو بعضها للحصول على مبلغ الضمان.
كما نجد أن هذا الحق مخول أيضا للمجهز، ففي النظام الانجليزي، إذا أهمل المجهز حقه في حبس البضاعة كلا أو بعضا، وأضر ذلك ببعض الشاحنين كان مسؤولا تجاههم بمبلغ التعويض عن الضرر الذي أصابهم .
أما إذا قدم أصحاب البضائع مبالغ نقدية لضمان إسهامها في الخسارة المشتركة يجب أن يودع فورا في حساب مشترك، باسم نائب عن المجهز ونائب عن أصحاب البضائع الذين قدموا المبالغ كضمان في أحد المصاريف المتفق عليها ويحتفظ بهذه المبالغ، ولا يجوز صرف دفعات من هذه المبالغ أو إرجاعها إلى من دفعها إلا بإذن كتابي من خبير التسوية، وذلك مع عدم الإخلال بالحقوق والالتزامات التي تترتب على التسوية النهائية .
الـمـطـلـب الثـالـث : تصفية نظـام الخسـارة المشتــركــة
بعد الانتهاء من توزيع الخسارات المشتركة يسترد أطراف المخاطرة البحرية أموالهم و ممتلكاتهم منقوصة بقدر مساهمتهم في العوارية العامة، عدا أصحاب البضائع المضحى بها الذين يستردون ممتلكاتهم كاملة ويكون هذا التوزيع نهائيا وملزما إذا وافق عليه كل أطراف الرحلة البحرية، إذ غالبا ما ينعقد هذا الاتفاق بين مؤمني الشاحنين ومؤمني المجهز، وفي حالة الرفض وعدم القبول، فإن التوزيع لا يكون ملزما إلا بتصديق المحكمة عليه أما إذا رفضت المحكمة التصديق على التسوية وجب أن تعين خبيرا أو أكثر لإجراء تسوية جديدة وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الأردني في المادة (271) يجيز ” لكل صاحب علاقة أن يتبرأ من التزام الغرامة بتنازله عن الأموال الخاضعة للتحاص قبل كل تسلم” أي أن كل متنازل عن أمواله التي اشتركت بالعناصر المدينة قبل تسلمه تلك الأموال أو البضائع يتخلص من التزام المساهمة بالغرامة الناجمة عن الخسائر البحرية المشتركة .



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *