جذور الإرهاب التاريخية و الإجتماعية

الجذور التاريخية والاجتماعية للإرهاب – المطلب الثاني
الفقرة الأولى: الجذور التاريخية والاجتماعية للإرهاب
ينحدر الإرهاب عن جذور سياسية قديمة تمثلت في استخدام العنف كأذاة لتحقيق بعض الأهداف السياسية وتهتم بعض المؤلفات بإبراز بعض صور العنف السياسي في التاريخ القديم والوسيط ومقارنة هذه الصورة بما يحدث اليوم للتأكيد على أن جذور الإرهاب ضاربة في القدم وإن ما يحدث اليوم غير منبت الصلة بإرهاب الأمس، فأخذ الرهائن كشكل من أشكال الإرهاب المعاصر كان معروفا لدى قبائل الأنكا في صورة الاستيلاء على أوثان idoles القبائل التي قاموا بالسيطرة عليها واحتجازها لضمان عدم تمرد هذه القبائل، وفي القرن الثاني عشر أخذ الملك ريتشارد قلب الأسد Richard the lion heart رهينة في إحدى قلاع الراين إلى أن دفع رعاياه الفدية لأسريه أرشدوق النمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، واغتيال كشكل آخر للإرهاب المعاصر كان معروفا وعلى نطاق واسع في المدنيات القديمة والوسطى في صورة التآمر على الملك، ولقد استمر مسلسل قتل القادة السياسيين في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ففي سنة 1881م اغتيل كازا الكسوندر الثاني وفي 1891 م اغتيلت امبراطورة النمسا إليزابيت وفي سنة 1914م اغتيل الأرشيدوق فرانز.

فالإرهاب إذن لا يعبر عن ظاهرة جديدة إلا أنه يختلف عن العنف الإرهابي المعاصر في الكم والكيف، فهذا الأخير نهج سمات وملامح خاصة تميزه فأهم تغيير يمكن ملاحظته بين إرهاب الأمس وإرهاب اليوم أن الأول وحتى مطلع القرن العشرين كان يمكن أن نسميه بالإرهاب الشخصي على اعتبار أن كل الأمثلة التي نستقيها من التاريخ لجرائم الإرهاب كالتدمير بالمتفجرات والمذابح الجماعية وإلقاء القنابل والاغتيالات كانت ترتكب ضد الطرف الآخر في الصراع كالمحتل ومعاونيه أما الإرهاب المعاصر فيسعى إلى تحقيق أهدافه على حساب المواطنين العاديين في البلد مثلما حدث سنة 1972 عندما قامت منظمة الأسود الفلسطينية باغتيال الفريق الأولمبي الإسرائيلي في ميونيخ ، فهذه العملية لم توجه مباشرة إلى العدو الإسرائيلي متمثلا في قوته العسكرية أو رموزه ولكنها استطاعت تحقيق أغراضها في إخافة الإسرائيليين والتعريف بالقضية الفلسطينية ونفس الشيء تكرر في أحداث 11 شتنبر و16 ماي … وهكذا يمكن ان الإرهاب تحول إلى إرهاب غير شخصي وانتشاره بهذا الشكل منذ الحرب العالمية الأولى، أما اعتبار الإرهاب كظاهرة فقد ظل محدودا نسبيا إلى وقت قريب سواء بالنسبة إلى عدد الحوادث الإرهابية أو بالنسبة لمناطق تمركزه. ومنذ أواخر الستينات أخذت ظاهرة الإرهاب بعد احصائيا ملفتا للنظر ففي فرنسا وحدها أحصي منذ عام 1975 ستة آلاف حادث إرهابي وبلغ عدد ضحايا هذه الحوادث تسعمائة ضحية تقريبا وفي مصر خلال الفترة من 1992 إلى 1993 بلغ عدد حوادث الإرهاب 98 حادث راح ضحيتها 58 شخصا وإصابة 120 آخرين وبعد أن كان الإرهاب محصورا في أوروبا امتد ليشمل مناطق كثيرة من العالم من بينها دول أسيا وأخرى من إفريقيا بالإضافة إلى كل الدول الصناعية الكبرى في العالم بل إن كل دولة من هذه الدول نجد بها منظمة إرهابية واحدة أو أكثر ولا شك أن انتشار منظمات الإرهاب على هذا النحو يؤكد على أن الإرهاب المعاصر يقوم على فكرة التنظيم فهذه الفكرة هي المسؤولة عن إقرار الجمعيات السرية في إيطاليا ( الألوية الحمراء) وإسبانيا (إيتا) وإرلاندا وأنجلتر (منظمة الجيش الجمهوري) واليابان (الجيش الأحمر) … إلخ وهي المسؤولة كذلك عن امتلاك الوسائل التكنولوجيا التي تنشر الدمار والفزع وسط الأبرياء.

هذا بالإضافة إلى أن فكرة التنظيم تعد مسؤولة عن تمتع الإرهاب بدوام واستقرار نسبي على عكس الحال عندما كان النشاط إرهابي يمارس من خلال أفراد أو جماعات غير منظمة.
كما أن هناك أيضا اختلافا جوهريا بين إرهاب الأمس وإرهاب اليوم فهذا الأخير أسعد حظا في ترويج أخباره في ظل تعدد وسائل الإعلام والاتصال مما يؤدي إلى انتعاش الإرهاب مقابل أدنى قدر من الجهد المادي، فمن المسلم به إذن أن الإرهاب ليس ظاهرة جديدة دخيلة على المجتمع المعاصر بل هي قديمة قدم تاريخ الإنسانية نفسها بل هي مرتبطة بظهور الإنسان على هذا الوجود باستحضار قصة هابيل وقابيل باعتبارها أول جريمة ارتكبت ضد الكائن البشري وحقه في الوجود، وإذا سلمنا بهذه الفرضية فإننا لا بد أن نتساءل عن الدوافع الاجتماعية لهذه الظاهرة .

الفقرة الثانية : الجذور الاجتماعية للإرهاب
لا نروم في هذه الفقرة الغوص في كنه وأسباب الإرهاب أو العنف في رصد جذوره ودوافعه والذي يبقى حكرا على ذوي الاختصاص من علماء الاجتماع والإجرام وفعاليات الشأن السياسي ولكن نصبو فقط واحتراما للنسق النهجي للتحليل أن نبحث في بعض دوافع الظاهرة لنفقتهم الوسائل القانونية والواقعية الناجعة لمجابهتها.

إن البيان بأن الجريمة الإرهابية لا تكتسي قط صبغة طبيعية وحتمية على غرار الجريمة التقليدية ، بل إن ثمة مجموعة من العوامل المتنوعة المصدر والمتباينة الروافد التي تتداخل فيما بينها لتشكل التركيب الملائم لميلاد ونشأة هذه الظاهرة وتمهد لها الأرضية المناسبة لشيوعه، فالإرهابي ليس إرهابيا بالطبيعة أو بالفطرة بل هو نتاج حتمي لعوامل شتى واستراتيجية محكمة التنظير والتطبيق ، فهو نتاج لسلوكات عنيفة ولتربية غير سليمة ولنظام سياسي غير عادل مما جعله يسقط كحلقة ضائعة بين أيدي متزعمي الشبكات الإرهابية التي تؤطره وتوجهه مشيئتها لتحقيق أهدافها الإرهابية.
فالإرهابي الذي كان وراء أحداث 16 ماي هو نفس المواطن الذي كان يتابع يوميا مسلسل الإبادة والتشريد في حق الشعب الفلسطيني والعراقي وذلك بمباركة الأنظمة العربية المتواطئة هو ذلك المواطن الذي يعيش يوميا شتى أنواع المعاناة والصراع من أجل ضمان قوت يومه ويلاحظ وهو يجوب شوارع مدينة الدارالبيضاء مدى عمق الهوة الطبقية.

إن ما يزيد في تنامي ظاهرة الإرهاب هو غياب العدالة الاجتماعية وعدم الاهتمام بالشباب وكذلك عدم احترام مبدأ ” كلكم مسؤول عن رعيته”، فمنذ أواخر التسعينات ساد خطاب سياسي في المغرب يولي أهمية كبيرة للمسألة الاجتماعية تفاديا لوقوع انزلاقات أو بروز تيارات متطرفة أو ظلامية ولكل يتذكر أن حكومة التناوب التوافقي اتخذت لها ضمن شعاراتها الانشغال بالمسألة الاجتماعية غير أنها أخفقت في إخضاع هذا الشعار للواقع وتفعيله من خلال تحسين الوضعية المادية لجماهير الفقراء المحرومين والمهمشين الذين تفاقم بؤسهم كما أخفقت جل المشاريع الإصلاحية ودخلت الأوراش المفتوحة الطريق المسدود من هنا، إذن كان لا بد أن تحدث انزلاقات وأن تظهر ردود أفعال قوية و عنيفة من طرف هؤلاء البائسين الكادحين. إن الجماهير الشعبية سأمت الخطب السياسية المعسولة وأصابت آمالها الخيبة من خلال عدم قدرة حكومة التناوب على تحقيق وعودها وهناك مشاكل اجتماعية خطيرة ناجمة عن عدم الاهتمام الجدي والفعلي بالتربية والتكوين، فالعديد من المغاربة وأبنائهم يعانون من الأمية والجهل أمام عدم جدية إصلاح التعليم ومما يضاعف من بؤس الشباب غياب لستراتيجية فعالة لامتصاص البطالة وخاصة بطالة ذوي الشواهد وتطوير سوق الشغل، لذا ينبغي التعامل مع هاتين المسألتين أي التربية والشغل –بجدية وفعالية وبإرادة قوية، فبدون ذلك سيكون المجتمع المغربي معرضا أكثر في المستقبل لحالات من العنف والإجرام والإرهاب فالمقاربة الأمنية ليست كافية وحدها للتصدي للجريمة الإرهابية بل يجب التركيز أكثر على الجانب الاجتماعي وهذا هو السبب المباشر لتنامي الظاهرة الإرهابية وانتشارها في العالم.
المبحث الأول : مفهوم الإرهاب .
الفصل التمهيدي
قانون مكافحة الإرهاب دراسة نقدية



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *