تعريف مفهوم الإرهاب

The definition of the concept of terrorism
الفصل التمهيدي
يشكل الإرهاب مظهرا من مظاهر العنف الذي يمارسه الإنسان في المجتمع، وأن هذه الممارسة لم تكن وليدة اليوم فهي منحدرة في تاريخه، فقد شهدها المصريين القدامى وامتدت إلى عصر الإغريق ثم عصر الرومان وفي فرنسا في القرن التاسع عشر مع إعلان الجمهورية اليعقوبية. ومع الحركات التحررية انتعش الإرهاب في مختلف أنحاء العالم بآسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وأصبح البديل للحروب التقليدية وفي السنوات الأخيرة تزايدت الأعمال الإرهابية بشكل مثير وملفت للنظر، فطرحت العديد من علامات الاستفهام حول الأسباب والدوافع الكامنة وراء الظاهرة المريبة، ورغم أن هناك خلاف وتباين في تحديد الدوافع إلا أن الجميع يجمع أن دوافع تصاعد العمليات الإرهابية لا تخرج عن كونها سياسية تاريخية واقتصادية وشخصية.

وإذا كان الإرهاب اعتداء، فإنه في الشريعة الإسلامية لا يخرج عن أحد الأمرين إما أن يكون بحق و بالتالي فهو جائز وإما أن يكون بغير حق فهو من تم محرم .

المبحث الأول : مفهوم الإرهاب .

سنحاول أولا أن نلقي نظرة على تعريف الإرهاب لغة واصطلاحا قبل أن نغوص في جذوره التاريخية والاجتماعية ( في مطلب ثان).

المطلب الأول : تعريف الإرهاب.
الفقرة الأولى: الإرهاب لغة واصطلاحا.
منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي وكلمة ” الإرهاب” ومشتقاتها من أمثال ” إرهابي” و الإرهاب المضاد” وغيرها قد غزت بالفعل أدبيات جميع فروع العلوم الاجتماعية، فالمؤلفون في ميادين علم النفس وعلم الإجرام وعلم الاجتماع، وعلم اللاهوت … انكبوا على دراسة هذا الموضوع أكثر من أي ظاهرة اجتماعية – سياسية أخرى في عصرنا والذي يقرأ ويشاهد أو يستمع إلى رسائل الإعلام المختلفة، يعتقد أننا نعيش في حقبة من هوس الإرهاب، وأن الإرهاب هو الخطر البادي للعيان، وهو التهديد الرئيسي لوجود جيلنا والأجيال المقبلة ما لم يزل أثر هذه الظاهرة غير القابلة للاحتمال من وجه الأرض إلى الأبد .
وفي هذه الدراسة سنحاول تهديد مفهوم الإرهاب سيما بعد صدور ونشر أكثر من 6000 كتاب ومقال وبحث حول الإرهاب والإرهاب المضاد خلال سنوات السبعينات والثمانينات وتأسيس الكثير من المعاهد التابعة للجامعات أو الحكومات لدراسة الإرهاب وثبوت عدم وجود اتفاق محدد لمفهوم الإرهاب.
وسنعرض لماهية إرهاب من خلال التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي بالتطرق إلى التعريف الفقهي العربي منه والغربي وكذا التعريف التشريعي المغربي.

أولا: الإرهاب لغة :
أتت كلمة رهبة من رهب، رهبا ورهبه خافه وأرهب فلانا خوفه وفزعه والإرهابيون وصف يطلق على الذين سيسلكون سبل العنف لتحقيق أهدافهم السياسية وفي القرآن الكريم عماد الشريعة الإسلامية ودستورها جاء ذكر مصطلح الرهبة ومشتقاته ثماني مرات، وقد استعملت الكلمة مرة واحدة بمعنى إضافة عدو الله وعدو المؤمنين خلال الجهاد، حيث قال جل شأنه :{ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} ، أما الآيات السبع الأخرى فقد استعملت كلمة الرهبة من أجل الدعوة إلى مخافة الله فحسب .
ويعود ظهور كلمة الإرهاب إلى الثورة الفرنسية، وترتبط بما يسمى حكم الإرهاب الذي يرى فيه روبيسبير ورفاقه عنوانا للفضيلة ولم تتحول هذه الكلمة عن معناها إلى المعنى الحالي والذي يضم أعداء المجتمع والخارجين على نظامه إلا بعد أن وصلت انجلترا وجعلت كاتبا ومفكرا مثل ” أدمون بيرلي” يطلق على الجماعات التي تحاول الترويج لآرائها بأسلوب التخويف والإكراه بقوله ” الآلاف من أوغاد الجحيم الذين يسمون بالإرهابيين”:
وقد أورد الدكتور عبد العزيز مخيمر عبدالهادي ” في كتابه ” الإرهاب الدولي” بعض التعريفات اللغوية نورد منها ما يلي :
1-القاموس الفرنسي لاروس: يعرف الإرهاب بأنه ” مجموعة أعمال العنف التي ترتكبها مجموعات ثورية أو أسلوب عنف تستخدمه الحكومة ”
2-قاموس اللغة روبير : يعرف الإرهاب بأنه ” الاستخدام المنظم لوسائل استثنائية للعنف من أجل تحقيق هدف سياسي”
3-قاموس اللغة الإنجليزية: الصادر عن مطابع اكسفورد يعرف الإرهاب بأنه ” استخدام الرعب خصوصا لتحقيق أغراض سياسية”.
” الإرهاب والرهبة لغة توازي الخوف والذعر… يقال فلان أرهب فلانا أو جماعة : أي أخافهم و عمد إلى نشر الذعر بين صفوفهم في تملهم الفزع…” قال ابن منظور في كتابه لسان العرب” رهب بالكسر يرهب ورهبا بالضم ورهبا بالتحريك أي خاف، ورهب الشيء رهبا ورهبة : خافه.
وفي التعريف اللغوي يقول الأستاذ تامر ابراهيم الجهماني: ” إن كلمة ” رهبة” من الناحية اللغوية، ينحدر أصلها من اللغة اللاتينية فيما بعد إلى لغات أخرى لدرجة أصبحت مشتقاتها ” الإرهابي، الإرهاب، الأعمال الإرهابية، الإرهاب المضاد… إلخ واسعة الانتشار وطبقا لما يقوله ( بوغدان زلاتريك) فإن مصطلح ” الإرهابيين.. أصبح مصطلحا موضع استعمال متباين مقرونا بمضامين جنائية”.
ويبقى الإرهاب كمفهوم لغوي في ظل القواميس العربية مرادفا للعنف غير المشروع أو بالأحرى بديلا له وعلق الدكتور عبد الهادي على ذلك بأن الإرهاب وتحقيق أغراض سياسية، مرده ارتباط هذه التعريفات بالمراحل الأولى لظهور مفهوم الإرهاب، حيث كان الإرهاب متمثلا في ممارسة أعمال العنف المتبادل بين السلطة السياسية ومجموعة أو مجموعات أو منظمات الثوار المناهضين لها ورأى ان مفهوم الإرهاب لم يعد يقتصر على الصراع بين السلطة السياسية ومعارضها ولكنه قد يستخدم للابتزاز وتحقيق مآرب شخصية أو ذاتية .

ثانيا :الإرهاب اصطلاحا
سنتطرق للتعريف الاصطلاحي للإرهاب للبحث في مفهوم الظاهرة من خلال المجهودات التي بدلها الفقه وكذا التعريفات الواردة في العديد من التشريعات الوطنية .
*التعريف الفقهي:
دخلت فكرة الإرهاب عالم الفكر القانوني العقابي الذي انعقد في مدينة وارسو في بولاندا عام 1930م ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف المحاولات الفقهية لوضع تعريف جامع مانع للإرهاب.
*الفقه العربي:
عرف الدكتور حسنين عبيد الإرهاب بأنه ” الأفعال الإجرامية ضد الدولة والتي يتمثل غرضها أو طبيعتها في إشاعة الرعب لدى شخصيات معينة أو جماعات من الأشخاص أو من عامة الشعب وتتسم الأعمال الإرهابية بالتخويف المقترن بالعنف مثل أعمال التفجير وتدمير المنشآت العامة وتحطيم السكك الحديدية والقناطر وتسميم مياه الشرب ونشر الأمراض المعدية والقتل الجماعي .
ووضع الفقيه المصري الأصل الدكتور شريف بيسوني، رائد القانون في حقل الإرهاب تعريفا حديثا أخذت به فيما بعد لجنة الخبراء الإقليميين التي نظمت اجتماعاتها الأمم المتحدة في مركز فيينا ( 14-18 مارس 1988) الإرهاب هو استراتيجية عنف محرم دوليا، تحفزها بواعث عقائدية، وتتوخى أحداث عنف مرعب داخل شريحة خاصة من المجتمع من مجتمع معين، لتحقيق الوصول إلى السلطة، أو القيام بدعاية لمطلب أو لمظلمة، بغض النظر عما إذا كان مقترفوا العنف يعملون من أجل أنفسهم ونيابة عنها أو نيابة عن دولة من الدول” .
والتعريف الذي قدمه الدكتور بسيوني هو أقرب التعريفات إلى الواقع العملي.
الفقه الغربي:
اختلف هذا الفقه وتضاربت آراءه بهذا الصدد، باختلاف المعايير التي يعتمدها أصحابها لتحديد مفهوم العمل الإرهابي وهو ما يمكن أن نعزوه إلى كل باحث يحمل أولويات معينة، وأفكار مسبقة، تسيطر على ذهنه في تحديد مدلول فكرة الإرهاب.
• الاتجاه الأول :
إن ما يميز العمل الإرهابي في هذا الاتجاه هو طابعه الإديولوجي فقد عرف ايريك دافيد الإرهاب بأنه ” عنف إيديولوجي يرتبط بأهداف سياسية .
واعتمد صالدانا في تحديده لمفهوم الإرهاب على أعمال العنف السياسي حيث يعرف الجريمة الإرهابية بأنها “كل جناية أو جنحة سياسية يترتب عنها الخوف العام” وينحاز إلى هذا الاتجاه معظم الكتاب السياسيين في الغرب حيث عرف ليسرير وهو أحد كبار المسؤولين الأمريكيين المكلفين بدراسة موضوع الإرهاب، عرفه بأنه ” النشاط الإجرامي المتسم بالعنف الذي يهدف إلى التخويف من أجل تحقيق أهداف سياسية” وإذا كان يغلب على الجرائم الإرهابية أنها تتم لأهداف سياسية، فالهدف السياسي ليس بالضرورة أن يكون غالبا في الإرهاب كما يقول بيفابري إلا أن هذه الصفة ليست هي المميز الوحيد للعمل الإرهابي.
• الاتجاه الثاني :
يذهب هذا الاتجاه إلى أن ما يميز العمل الإرهابي عن الصفة العشوائية، فالعمل الإرهابي” هو عمل عنف عشوائي ” un acte de violence aux effets indicernés ” وأهم خصائص الإرهاب وفقا لهذا الاتجاه أنه ذو أثار غير تمييزية ، فالإرهاب لا يهمه تحديد أشخاص ضحايا بقدر ما تهمه النتائج والآثار التي تحدثها أفعاله.
التشريع المغربي:
أسرع المشرع المغربي عقب الأحداث الإرهابية التي عرفتها مدينة البيضاء بتاريخ 16 ماي بإخراج قانون رقم 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب حيز الوجود والذي عدلت أحكامه مقتضيات مجموعة القانون الجنائي بإضافة الباب الأول مكرر ” الإرهاب” والذي نص على ما يلي : الفصل 1-218 : تعتبر الأفعال الجرائم الآتية أفعال إرهابية إذا كانت لها علاقة بمشروع فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف أو الترهيب أو العنف :
1-الاعتداء عمدا على حياة الأشخاص أو على سلامتهم أو على حرياتهم أو اختطافهم أو احتجازهم
2-تزييف أو تزوير النقود أو سندات القرض العام أو تزييف أختام الدولة والدمغات والطوابع والعلامات أو التزييف المنصوص عليه في الفصول 360-361-362 من هذا القانون.
3-التخريب أو التعييب أو الإتلاف.
4-تحويل الطائرات أو السفن أو أية وسيلة أخرى من وسائل النقل أو إتلاف منشآت الملاحة الجوية أو البحرية أو البرية أو تعييب أو تخريب أو إتلاف وسائل الاتصال.
5-السرقة وانتزاع الأموال .
6-صنع أو حيازة أو نقل أو ترويج أو استعمال الأسلحة أو المتفجرات أو الذخيرة خلافا لأحكام القانون .
7-الجرائم المتعلقة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات.
8-تزوير أو تزييف الشيكات أو أية وسيلة اداء أخرى المشار إليها على التوالي في المادتين 316 و 331 من مدونة التجارة.
9-تكوين عصابة أو اتفاق لأجل اعداد أو ارتكاب فعل من أفعال الإرهاب.
10-إخفاء أشياء متحصل عليها من جريمة إرهابية مع علمه بذلك.
الفصل3-218 : يعتبر أيضا فعلا ارهابيا بالمفهوم الوارد في الفقرة الأولى من الفصل 1-218 اعلاه ادخال أو وضع مادة تعرض صحة الإنسان أو الحيوان أو المجال البيئي للخطر في الهواء أو في الأرض أو في الماء بما في ذلك المياه الإقليمية.
يعاقب على الأفعال المنصوص عليها في الفقرة الأولى أعلاه بالسجن من 10 إلى 20 سنة .
تكون العقوبة هي السجن المؤبد إذا ترتب عن الفعل فقدان عضو أو بتره أو الحمان من منفعته أو عمى أو عور أو أية عاهة دائمة أخرى لشخص أو لأكثر
تكون العقوبة هي الإعدام إذا ترتب عن الفعل موت شخص أو أكثر .
الفصل 4-218 تعتبر أفعالا إرهابية الجرائم التالية:
القيام بأية وسيلة كانت مباشرة أو غير مباشرة بتقديم أو جمع أو تدبير أموال أو قيم أو ممتلكات بنية استخدامها، أو مع العلم أنها ستستخدم كليا أو جزئيا لارتكاب عمل إرهابي سواء وقع العمل المذكور أو لم يقع.
تقديم مساعدة أو مشورة لهذا الغرض .
غير أن هذه التعاريف وما سار على نهجها تتضمن صعوبة بالغة في تحديد الماهية الحقيقية والشاملة للإرهاب لذا فإن كل تعريف يبقى قاصرا على تحديد الدلالة الشاملة لهذا المفهوم خاصة أن الخطاب الإعلامي المسيطر ما زال انتقائيا بامتياز في تحديد معنى الإرهاب .
نقد وجهة نظر المشرع المغربي في تعريف جريمة الإرهاب.
إن وجهة نظر المشرع المغربي في تعريفه لجريمة الإرهاب لن تسلم من النقد على غرار نظيره الفرنسي، الذي يعتبر من مرجعية له في العديد من القوانين ومنها قانون الإرهاب، وذلك باعتبار الصعوبات التي تواجه تحديد أو تعيين المقصود – في معنى قانوني ملزم- بعبارة المس الخطير بالنظام العام فضلا عن وسيلة الجاني إلى تحقيق هذه الغاية ( التخويف، الترهيب، والعنف)، يشوبها الغموض إذ أن التخويف أو الترهيب لسي إلا أثرا سيكولوجيا بصاحب الإرهاب ويتعلق بالضحية أكثر من تعلقه بالفاعل، وبعبارة أخرى ترى وجهة النظر هذه ترى أن المشرع المغربي أراد بالتخويف أو الترهيب أن تكون وسيلة الجاني إلى المس الخطير بالنظام العام هي الإرهاب، أي علينا أن نبحث مرة أخرى عن تعريف للإرهاب، لذا فإن الصياغة تبقى غير كافية وغير محددة وتؤدي إلى الخروج عن مبدأ الشرعية الذي يجب احترامه.
وبالإضافة إلى ما تقدم فإن اللجوء إلى التخويف أو الترهيب أو العنف ليس حكرا على الإرهابيين، فقطاع الطرق والمجرمين الآخرين يرتكبون أعمالا شنيعة، ويستخدمون ذات الأساليب وهذا يعني أنه لا يوجد ما يحول دون تطبيق القانون بمكافحة الإرهاب على هؤلاء حتما حتى لو لم ينصرف قصد المشرع إلى تلك النتيجة.

كذلك ثار التساؤل حول طبيعة الهدف المبتغى ( المس الخطير بالنظام العام) فالفصل 1-218 من مكافحة الإرهاب المغربي يعرف جريمة الإرهاب من خلال ارتكاب بعض الجرائم المنصوص عليها بالقانون العام في إطار مشروع ( مشروع فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف أو الترهيب أو العنف) فهل قصد المشرع المغربي إضافة عنصر جديد طابع نفسي إلى العناصر المكونة للجريمة الأساسية، بحيث يصح القول بأن المشرع استحدث تجريما جديدا (جريمة الإرهاب) بإضافة هذا العنصر إلى جريمة القانون العام ( أي القانون الجنائي).
قد يؤدي هذا النظر ان قانون مكافحة الإرهاب المغربي وضع في ظل اتجاه عام يرمي إلى نزع الصفة السياسية على العنف السياسي من خلال إزاحة دوافع فاعلية لحساب أخرى من شأنها إضفاء الطابع إرهابي على هذا العنف، ولكن يؤخذ على هذا النظر أن صياغة النص لا تحتمل هذا المعنى فضلا عن كون هذا المعنى يتنافى ومفهوم الغاية الذي أخذ به المشرع المغربي، ويترتب عن ذلك أن الفصل1-218 يحدد الجرائم التي إذا أثبت أنها على علاقة بمشروع فردي أو جماعي وهدفها المس الخطير بالنظام العام بالتخويف أو الترهيب أو العنف، تحقق ويفصل فيها وفقا للأحكام الخاصة الواردة في قانون مكافحة الإرهاب.

وهذا يعني أن تظل العناصر القانونية للجرائم الواردة في الفصل 1-218 دون تغيير وأن تنحصر بالإضافة التشريعية في عنصر خارجي عن بنية الجريمة الأساسية تترتب عليه الآثار القانونية (موضوعية وإجرائية) التي أرادها المشرع بقانون مكافحة الإرهاب.
الفقرة الثانية: الجهود القانونية الدولية في الاتفاقيات الدولية والإقليمية.
بعد الانتشار السريع الذي عرفه الإرهاب على الصعيد العالمي، مستفيدا من التقدم التكنولوجي الذي حول العالم إلى قرية صغيرة، أصبح لزاما على كل دول العالم التعاون في ما بينها من أجل التصدي ومكافحة الإرهاب، وهذا ما يستفاد من العدد الهائل من الاتفاقيات، والمعاهدات الدولية في هذا الشأن ، سواء الإقليمية منها أو الدولية وهذا ما سنتطرق إليه في :
أولا: الجهود القانونية الدولية في الاتفاقيات الدولية.
إن الحديث عن مكافحة الإرهاب وتجريم الأفعال الإرهابية قد بد على المستوى الدولي منذ قيام عصبة الأمم البائدة التي انشأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ففي سنة 1937 ، صدرت عن عصبة الأمم اتفاقية تعرضت لقمع الإرهاب وألحقت بها بروتوكول يقضي بإقامة محكمة جنائية دولية مختصة للنظر في الإرهاب وتوالت الاتفاقيات الدولية في هذا الخصوص دون أن يكون للإرهاب مفهوم واضح بعيدا عن الضبابية والغموض .
واستقر في الفكر القانوني أن الإرهاب هو مجموعة من الجرائم لم تحصر قائمتها، وتقترن بالقتل الجماعي وبالتخريب وتدمير المنشآت المدنية وتفجير الذات لقتل الغير وجرحه والإضرار به .

وبالتالي ظل إرهاب يكتنفه الغموض، مما استعصى معه توافق دولي لتعريفه، وبهذا يستمر الرهان في العلم ويبقى الغموض سيد الموقف.
ولما اعترضت المجتمع الدولي صعوبة تعريف الإرهاب ، ركز على وضع الإجراءات والتدابير الفعالة لمكافحته ومحاربته، وهو ما فعلته الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبتاريخ29-12-1985 ، حيث أدانت جميع أشكال الإرهاب وأغفلت مسألة التعريف، الشيء الذي فعله البروتوكولان المضافان لمعاهدة جنيف 1949و1977 والذي يطلق عليهما ” ميثاق الارهابيين” كما فعل المؤتمر الثامن لمنع الجريمة ومعاملة السجناء المنعقد في هافانا سنة 1990، وكذلك مؤتمر الأمم المتحدة التاسع المنعقد في القاهرة سنة 1995، كما اعترضت الصعوبة مؤتمر روما الذي انعقد سنة 1998 وأثار جدلا قويا بين الوفود المشاركة حول ضرورة إعطاء مفهوم دولي للإرهاب ، إلى أن قال المندوب التركي:” إن عدم الوصل إلى الاتفاق على تعريف الإرهاب يشكل كارثة وفشلا ذريعا للمؤتمر”.

وبالرجوع إلى اختصاصات المحكمة الدولية، فإنها لا تتضمن جريمة للإرهاب خوفا من تفسير هذه الكلمة، لأن ما قد يعبر عنه بالإرهاب، قد تكون له خلفيات سياسية وهو ما يعيد إلى الذاكرة الهجوم على اللاعبين الإسرائيليين في أولمبياد ميونيخ سنة 1972، وتمكن صعوبة التعريف أيضا في عدم التمييز بين المقاومة التي تمارسها بعض حركات التحرير ضد الاحتلال، أو إرهاب بعض الدول لشعوبها كما هو الشأن بالنسبة للأنظمة الدكتاتورية أو ما يطلق عليه بصفة عامة ” إرهاب الدولة “.
والملامح الأساسية للجرائم الإرهابية هي بواعثها وأهدافها السياسية، إن البواعث الإيديولوجية والسياسية، هي تقف وراء الجريمة الإرهابية، وبالتالي فإن مثل هذه الجرائم توصف عند البعض بالجرائم السياسية المختلطة ، وترتكب هذه الجرائم من طرف المؤسسات أو من الأفراد أو من الجماعات المتطرفة على حد سواء ، فالجرائم الإرهابية من صنع جماعات من الناس أو من عصابات غالبا ما ينتمي أفرادها إلى أكثر من دولة، والوسائل التي تستعمل في اقترافها فتيل الرعب و الخوف ، وأخطارها تكون شاملة وعامة تهدف إلى اتخاذ موقف معين أو الامتناع عنه كما أن الجريمة الإرهابية وسيلة وليست غاية.

ومن جهة أخرى فإن منظمة الأمم المتحدة اهتمت هي الأخرى بجرائم الإرهاب وعقدت ندوات ومنتديات ومؤتمرات، تمخضت عنها مقررات وعدة اتفاقيات منها على الخصوص :
• الإعلان الصادر عن الجمعية العمومية، والمتعلق بإزالة الإرهاب الدولي
• اتفاقية منع إبادة الجنس البشري لعام 1948
• اتفاقية طوكيو لعام 1963 المتعلق بإدانة الأعمال غير القانونية على متن الطائرات
• اتفاق مونتريال لعام 1971 المتعلق بإدانة خطف الطائرات
• الاتفاق المتعلق بإدانة اختطاف الدبلوماسيين لعام 1973.
• اتفاق إدانة احتجاز الرهائن لعام 1979
• اتفاق منع التعذيب لعام 1971
• اتفاق إدانة القرصنة البحرية عام 1988
• إعلان هلسنكي لعام 1975 التزمت بموجبه الدول الأروبية الامتناع عن مساعدة أي نشاط إرهابي.
• اتفاقية جنيف لمنع ومعاقبة الإرهاب سنة 1973.
• الإعلان الشهير للجمعية العمومية لسنة 1970 حول مبادئ القانون الدولي للصداقة والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة ، وتجدر الملاحظة إلى جانب هذه المواثيق فإن منظمة الأمم المتحدة لم تدخر جهدا في محاولة منها لمكافحة هذه الظاهرة الإجرامية حيث صدرت عنها اتفاقيات ذات أهمية قصوى نذكر منها تلك التي صادق عليها المغرب:
• معاهدة الجرائم والأفعال الأخرى التي ترتكب على متن الطائرات الموقعة في طوكيو بتاريخ 14/09/1963 .
• اتفاقية قمع جرائم الاعتداء على سلامة المدني الموقعة بمونتريال بتاريخ 23/09/1971
• معاهدة قمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات الموقع عليها بلاهاي بتاريخ 12/12/1970 .
• اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملات أو العقوبات القاسية واللاإنسانية أو المهنية وهي المعتمدة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 30/12/1984 .
• الاتفاقية الشهيرة، اتفاقية قمع تمويل الإرهاب الموقعة بنيويورك بتاريخ 10/01/2000 وهي الاتفاقية التي أكدت على القرار رقم 49/60 الصادر بتاريخ 09/12/1994 والمرفق بالإعلان المتعلق بالتدابير الرامية إلى القضاء على الإرهاب الدولي وقد استمدت بعض أحكامها من اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية.

• ويلاحظ من الاتفاقية ان تمويل الإرهاب يشكل مصدر قلق شديد للمجتمع الدولي، وأن خطورة أعمال الإرهاب الدولي تتوقف على التمويل الذي يحصل عليه الإرهابيون وهو ما أغفلته الاتفاقية والمواثيق الدولية السابقة، وألحت هذه الاتفاقية على الدول التي ستنظم إليها أن تعمل على تعزيز التعاون الدولي بين الدولي في اتخاذ تدابير فعالة لمنع تمويل الإرهاب فضلا عن قمعه من خلال محاكمة ومعاقبة مرتكبيه وبالفعل فإن التشريعات الوطنية على الصعيد الدولي وعند وضع قوانين الإرهاب قد استجابت إلى مقتضيات هذه الاتفاقية ، وهناك أيضا اتفاقية إقليمية عقدتها هذه الدول من أجل التعاون فيما بينها للتصدي لهذه الجريمة.

ثانيا: الجهود القانونية الدولية في الاتفاقيات الإقليمية.
أما الفشل المنتظم الدولي في إيجاد مفهوم موحد للجريمة الإرهابية نظرا لتباين وجهات النظر وتضارب الإيديولوجيات وأمام تنام الظاهرة بشكل خطير لجأت بعض الدول إلى إبرام اتفاقيات إقليمية للتعاون في مكافحة الإرهاب ومن بين هذه الاتفاقيات:
1-الاتفاقية الأمريكية ضد الإرهاب.
نتيجة عدم الاستقرار السياسي الذي عرفته الدول الأمريكية في الستينات بفعل الصراعات الإيديولوجية التي كانت تشكل تهديدا مباشرا وخطرا محدقا ليس فقط بالأنظمة السياسية وإنما بشعوب المنطقة، عقدت الدول الأمريكية سنة 1971 بواشنطن اتفاقية لمكافحة الإرهاب وغداة الأحداث التي عرفتها الولايات المتحدة الامريكية في 11 سبتمبر 2001 وما تمخض عنها من إحساس باستهداف أمن واستقرار الأنظمة الساسية والاقتصادية وسلامة شعوبها، أقدمت جميع الدول الأمريكية باستثناء كوبا وذلك في إطار منظمة الدول الأمريكية على تجديد تعهدها لمكافحة الإرهاب مبرمة اتفاقية في يوليو 2002 استجابة لتطلعات هذه الدول إلى إيجاد آليات قانونية لمحاربته.

غير أن هذه الاتفاقيات لم تضع تعريفا محددا للإرهاب وإنما عملت في المادة الثانية منها على سرد الجرائم التي تعد إرهابية محددة إياها في الأفعال المخالفة لأحكام مجموعة من الاتفاقيات المتعلقة بقمع الأفعال الإرهابية وذلك على سبيل المثال لا الحصر، خاصة الجرائم الموجهة ضد الطيران والملاحة البحرية واحتجاز الرهائن واستعمال المتفجرات والمواد النووية وقمع تمويل الإرهاب.
والتزمت الدول الأطراف في هذه الاتفاقية بوضع تدابير الوقاية ومكافحة والحد من تمويل الإرهاب عن طريق وضع نظام قانوني وإداري يسهل التعاون فيما بينها وتعهدت باتخاذ التدابير المسطرية للازمة لحجز ومصادرة الأموال والأشياء المتحصلة من الجرائم الإرهابية وعدم النظر إلى هذه الجرائم باعتبارها جرائم سياسية أو مرتبطة بجرائم سياسية ذات بواعث سياسية وان ترفض منح اللجوء السياسي لمرتكبي هذه الجرائم ، فضلا عن التعاون في ميدان مراقبة الحدود وتبادل المعلومات ورصد تحركات الإرهابيين والتعاون القضائي في هذا المجال، وخلصت الأطراف في النهاية إلى جملة من الضمانات تقضي بعدم متابعة شخص أو إدانته من أجل انتمائه العرقي أو دينه أو جنسيته أو انتمائه الاثني أو لآرائه السياسية أو الإضرار به لأحد هذه الأسباب أثناء متابعة وضرورة احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية تماشيا مع المواثيق الدولية ، وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة للأشخاص المتابعين في ظلها .

2-الاتفاقية الأوروبية لقمع الإرهاب.
نتيجة تزايد خطورة الإجرام خاصة في إطار المافيات والعصابات الإجرامية المنظمة وتماشيا مع المواجهة الدولية للإرهاب وتحقيق الدولي، أقرت الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي في ستراسبوغ بتاريخ 27/01/1977 اتفاقا يرمي إلى قمع الإرهاب هدفه التأكيد على التعاون بين دول المجلس إلى أقصى حد إزاء تصاعد الجرائم من الملاحقة القضائية مركزة على إجراءات التسليم إيمانا منها بالدور الفعال الذي يلعبه هذا الإجراء للحد من هذه الظاهرة. ولم تتضمن هذه الاتفاقية بدورها تعريفا للإرهاب وإنما عمدت في مادتها الأولى إلى تحديد الجرائم التي تعتبر من قبيل الجرائم الإرهابية والتي يتم التسليم من أجلها مع التأكيد على عدم اعتبارها ذات طابع سياسي وهي نفس الأفعال التي عددنها الاتفاقية الأمريكية السابقة مع إضافة أنه بإمكان الدول الأعضاء التسليم من أجل جرائم العنف ضد الأشخاص أو الأموال غير تلك الأفعال المنصوص عليها في الاتفاقية المذكورة.
وتحيل هذه الاتفاقية فيما يتعلق بالأختصاص والعقوبات على القوانين الجنائية الداخلية مع التوصية بضرورة تشديد العقاب والتعهد بالتعاون لتسهيل إجراءات البحث والتحقيق. وتكريسا من هذه الاتفاقية لضمان المحاكمة العادلة أعطت الدول الأطراف إمكانية رفض طلب التسليم متى تأكد لها أن الأصل فيه اعتبارات عرقية أو دينية أو سياسية.

3-الاتفاقيات العربية لمكافحة الإرهاب.
نتيجة للظروف التي عرفتها المنطقة العربية بدورها والمتمثلة في الرواسب التاريخية والاجتماعية والسياسية التي ظلت حبلى بها وخلقت لديها توترات وصلت في كثير من الأحيان إلى مواجهات وصراعات دامية. وبفعل الخطر الذي أصبح يهدد أمن المنطقة واستقرارها نتيجة زرع الدولة الصهيونية التي تمارس عدوانا مستمرا في حق الشعب الفلسطيني والشعوب المجاورة، وتماشيا مع المبادئ الأخلاقية والدينية التي تنبذ العنف بكل أشكاله ومنها الإرهاب، جاءت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الصادر عن مجلسي الداخلية والعدل العرب بالقاهرة في 22/04/1998 .
وعلى خلاف الاتفاقيتين السالفتي الذكر عملت هذه الاتفاقية على تعريف الإرهاب في المادة الأولى (فقرة 2) كما يلي :” كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر. أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر”.

كما حددت في الفقرة الثانية من نفس المادة مفهوم الجريمة الإرهابية على الشكل التالي:” هي جريمة أو شروع فيها ترتكب تنفيذا لغرض إرهابي في أي من الدول المتعاقدة أو على رعاياها أو ممتلكاتها أو مصالحها يعاقب عليها قانونها الداخلي “.
وعلى غرار باقي الاتفاقيات الإقليمية اعتبرت جرائم إرهابية الجرائم المنصوص عليها في مجموعة من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالموضوع مع استثناء كفاح الشعوب والجرائم السياسية من زمرة الأفعال الإرهابية.
وقد شكلت المقتضيات المتعلقة بتسليم المجرمين ركنا أساسيا في هذه الاتفاقية حيث نصت المادة الخامسة على تعهد الدول بالاستجابة لطلبات تسليم المتهمين أو المحكوم عليهم في الجرائم الإرهابية كما التزمت بالتعاون في مجال تنفيذ الإنابة القضائية المتعلقة بالتحقيق أو سماع الشهود وتبليغ الوثائق وإجراءات التفتيش والحجز والمعاينة ما لم تتعارض هذه الانابات مع سيادة الدول ونظامها العام وحثت على التعاون القضائي المتبادل .

4-معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي:
إن المرجعية الإسلامية التي تنبذ العنف وتدعو إلى التمسك بالمبادئ الدينية والأخلاق السامية وتعتبر الإسلام بريء من كل أشكال الإرهاب التي تؤدي إلى اغتيال الأبرياء وتستهدف ممتلكاتهم وسيادة الدول وسلامة أراضيها واستقرارها. واعتبارا لفعالية التعاون الدولي والإقليمي بين الدول لمكافحة الجريمة الإرهابية انعقد المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية ببوركينا فاسو في الفترة ما بين 28 يونيو وفاتح يوليوز 1999 الذي انبثقت عنه معاهدة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي.
وقد تبنت نفس التوجه الدولي الذي سارت عليه الاتفاقية العربية إذ أعطت نفس التعريف الذي جاءت به هذه الأخيرة مع اختلاف بسيط في الصياغة وإضافة مقطع أخير يتعلق ” بتعريض المرافق الدولية للخطر أو تهديد الاستقرار أو السلامة الإقليمية أو الوحدة السياسية أو سيادة الدول المستقلة “.

وحددت هذه المعاهدة بدورها نفس مفهوم الجريمة الإرهابية وعددت نفس الأفعال المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية والتي تعتبرها أفعال إرهابية مستثنية منها كذلك الكفاح المسلح للشعوب ضد الاحتلال العدوان الأجنبيين .
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المعاهدة أقرت مبدءا عاما مفاده ” أنه يعد جريمة إرهابية جميع أشكال الجريمة المنظمة بما فيها الاتجار الغير المشروع في المخدرات والبشر وغسل الأموال”. كما تطرقت لمجموعة من الآليات لمكافحة الجريمة الإرهابية والمتعلقة خاصة بموضوع التسليم مرسية نفس المبادئ التي أكدتها باقي الاتفاقيات والاتفاقية العربية على وجه الخصوص، مكرسة سبل التعاون بين الأجهزة المعنية بمكافحة الإرهاب سواء فيما يتعلق بتبادل المعلومات والخبرات والأدلة والإنابة القضائية ودعم الأنشطة الإعلامية والتعليمية.
أما فيما يخص الإجراءات المسطرية والعقوبات فقد أحالت هذه المعاهدة على القوانين الداخلية.

وقد أوصت معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي شأنها في ذلك شأن الإتفاقية العربية بضرورة الالتزام بقواعد المحاكمة العادلة وتوفير كافة الضمانات الحقوقية للمتابعين وتأمين الحماية اللازمة للضحايا والشهود والمحققين .
لكن بالرغم من هذا الكم الهائل من المعاهدات الدولية والاتفاقيات سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي فإن شبح الإرهاب لازال يخيم بظلاله على مجموع أرجاء المعمور، بما يثبت أن المجتمع الدولي قد فشل في مكافحته ومرد ذلك بالأساس أن أثر هذه الاتفاقيات بقي ضعيفا أمام التشريعات الداخلية للدولة فهذه الاتفاقيات لا تخرج عن كونها اتفاق وتسري عليه أحكام وشروط ومبادئ القانون المدني، الأمر الذي يؤكد بأن آثرها لا تلزم سوى الدول الموقعة عليها دون غيرها من الدول، كما أن الإخلال بها قد يؤدي إلى إمكانية المسؤولية العقدية عليها، ومع ذلك فإن الصعوبة تكمن فيما إذا أمكن اعتبارها بمثابة قانون داخلي بالنسبة لرعايا الدولة الموقعة عليها، أم أنها تحتفظ بطبيعتها العقدية، وما هو الحكم في حالة تعارضها مع القانون الخاص الداخلي.

إن الجواب على هذه الأسئلة يقتضي القول بأن المشرع المغربي يعتبر المعاهدات التي وقعها بمثابة قانون داخلي متى توفرت الشروط الآتية:
الشرط الأول :أن تتم المصادقة على هذه المعاهدات من قبل المشرع الذي يريد أن يرقى إلى مستوى القانون الداخلي .
الشرط الثاني : يجب على السلطة التي صادقت على المعاهدات أن تنشرها بصفة صحيحة في وسائل النشر الرسمية، والمتمثلة في الجريدة الرسمية بالنسبة للمغرب ويبدو أن القضاء المغربي سار في النهج عندما اعتبر بأن ” الجريدة الرسمية التي تصدرها الحكومة بصفة دورية، ومنظمة هي الضمانة الوحيدة لتبليغ النصوص القانونية إلى عليم الأفراد والجماعات، كما يستحيل على المحاكم تطبيق نصوص لم تطلع مسبقا على فحواها من خلال نشرها في الجريدة الرسمية .
وبتحقق هذين الشرطين يبدو لنا أنه في حالة تعارض أحكام المعاهدات التي تمت المصادقة عليها مع أحكام القانون الداخلي الخاص، فإنه يجب تقديم النوع الأول من هذه الأحكام على النوع الثاني وذلك بغض النظر إذا كانت سابقة أو لاحقة عليها في الزمان وهذا ما أشار إليه المشرع المغربي مثلا في الفصل الأول من ظهير الجنسية المغربية عندما أكد في الفقرة الثانية من هذا الفصل ” بأن مقتضيات المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية التي تقع المصادقة عليها، والمرافق على نشرها ترجح على أحكام القانون الداخلي “.
فمحاربة الإرهاب أذن يقتضي مسارعة الدول إلى المصادقة على كل الاتفاقيات الدولية والإقليمية في هذا الشأن وتكييف قوانينها الداخلية وفق مقتضيات هذه الاتفاقيات الدولية.
وفعلا وفي سبيل خلق رؤية عالمية موحدة للإرهاب وإقرار مقتضيات قانونية مشتركة بين دول المعمور لمكافحة فقد انخرطت بعض الدول، وليس للأسف ليس جلها في مسلسل المصادق على مضمون هذه الاتفاقيات كما وضعت قوانين خاصة لمكافحة الإرهاب وتصنيفه كجريمة جنائية مستقلة مضمون هذه الاتفاقيات كما وضعت قوانين خاصة لمكافحة الإرهاب وتصنيفه كجريمة جنائية مستقلة عن غيرها من الجرائم الكلاسيكية وأقرت عقوبات في غاية الصرامة في حق مقترفيها فقد أصدرت المكسيك قانون مكافحة الإرهاب سنة 1968 ثم كوبا سنة 1969 وفرنسا بموجب قانون رقم 634 سنة 1970 وإيطاليا سنة 1976 إلى غير ذلك من الدول وإن كان الطابع الغالب في هذه القوانين كونها تنصرف أساسا لمعالجة الجرائم الإرهابية الموجهة ضد الطيران المدني.

أما المغرب فإنه وبحكم التزامه الدولي كعضو فاعل في المنظمات الدولية يتعهد بما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وواجبات كما أكدت ذلك مختلف الديباجات الواردة في دساتيره، فقد صادق على مختلف الاتفاقيات المناهضة للإرهاب الدولي وأصبح ملزما بتطبيق مبادئها استنادا إلى المادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات المؤرخة في 26/09/1972 بشأن حجية المعاهدات ومدى إلزامية تطبيقها بالنسبة للدول المصادقة عليها كما بادر من جهة أخرى إلى إقرار قانون خاص بمكافحة الإرهاب(03-03)و الذي دخل حيز التنفيذ.
وبعد هذه النظرة على تعريف الإرهاب لغة واصطلاحا، سنحاول التقرب من هذه الظاهرة انطلاقا من التطرق إلى جذوره التاريخية (فقرة أولى) والاجتماعية (فقرة ثانية).
قانون مكافحة الإرهاب دراسة نقدية



   One Comment


  1. hatim
      18 February, 2010

    جميل جدا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *