التطور التاريخي للتدابير الوقائية: في العصور القديمة

بحث حول دور التدابير الوقائية في مكافحة الظاهرة الإجرامية
الفصل الأول : المبادئ العامة للتدابير الوقائية
الفرع الأول : ماهية التدابير الوقائية وتطورها التاريخي

المبحث الثاني : التطور التاريخي للتدابير الوقائية
يرتبط ظهور التدابير الوقائية بالمدرسة الوضعية إلى حيز الوجود : فهي التي أرست أساسها ورسخت معالمها وحددت عناصرها. وقد دفعها الحرص على صياغة هذه التدابير التي قالت بإفلاس نظام العقوبة تم رأت استبعاده، فكان لابد لها من أن تجتهد في صياغة نظرية للتدابير التي تقول بحلولها محل العقوبة. ولكن ليس من الصحيح القول بأن ظهور التدابير كإجراءات شتيتة لا تخضع لنظرية عامة( )، يرتبط كذلك بتعاليم المدرسة الوضعية فقد عرفت قبل ظهور هذه المدرسة كتدابير إدارية أو عقوبات تبعية أو تكميلية، ولكن يعود الفضل إلى المدرسة الوضعية فقط في تأصيل هذه التدابير وإسباغ الطابع الجنائي عليها. فما مدى وجود التدابير الوقائية في العصور القديمة ؟ (مطلب أول) وفي مطلب ثاني سيتم التطرق إلى الإطار النظري للتدابير الوقائية ومدى وجودها في العصر الحديث، وفي مطلب ثالث سيتم التطرق إلى التدابير الوقائية في التشريع المقارن، أما في مطلب رابع وأخير فسيتم التطرق إلى تطور التدابير الوقائية بالمغرب.

المطلب الأول : التدابير الوقائية في العصور القديمة

أولا عند الفراعنـــة
كان الفراعنة يعتقدون أنه لا جنون في حد ذاته لأن الأرواح الشريرة تتقمص من انتابتهم الحالة، وكانوا غالبا ما يتحاشون الشرس منهم، ويحبون هادئ الطبع، وذلك وفقا لتعليمات آنى الحكيم “تجنبوا السفيه والشرس” وكان النفي إلى الواحات معروفا لدى الفراعنة وعقابا للقتل بغير عمد أي بخطأ من الجاني أو بإهمال.
وقد كان النفي من أبرز الجزاءات، لأن المجرم المنفي حين يغادر أرضه يهيم على وجهه بدون رب يحميه ويسهر عليه وبذلك يكون دمه مهدورا، ويعيش في حالة قاسية من القلق والهواجس تفوق في شدتها كثيرا من العقوبات الجسدية الأخرى.
وكانت المصادرة للأموال معروفة أيضا بالأقل في حكم أمازيس، وبطليموس فيلادلف، وكانت توقع عند عصيان أوامر الملك. وينسب المؤرخون إلى أولهما أنه كان قبل وصوله إلى العرش لصا عريقا استغل المصادرة كذريعة ليسطو على أموال رعاياه( ).
ثانيا : عند الإغريق
أشار فلاسفة الإغريق للتدابير الاحترازية وأرسطو بوجه خاص حينما قرر بأن الهدف من العقاب ليس هو الانتقام فحسب، وإنما وقاية المجتمع من ارتكاب جريمة في المستقبل( ).
ثالثا : في القانون الروماني
يرى البعض بأن التدابير الوقائية نبعت من الفكر الروماني، ودليلهم على ذلك أنه عندما سأل البريتور الإمبراطور مارك أوريل ماذا نفعل في شخص قتل أمه وهو في حالة جنون ؟ أجابه الإمبراطور قائلا : “إذا تأكدت أن أليو العجوز قد قتل أمه وهو في حالة جنون، فعلى مستمر، فلا سبيل إلى تطبيق العقوبة لأن الجنون في حد ذاته عقوبة له، ومع ذلك فمن الواجب مراقبته بحرص وحذر، وإذا حكمت عليه فأمر بمسكه حتى يمكن حمايته وتوفير الضمانات الضرورية لذلك.
وعرف الرومان المعاملة الخاصة للجانحين الصغار مع مراعاة سنهم أيضا، وكان القانون يعطي للحاكم سلطة نفي الخطرين وسيئي السمعة من أقاليمهم كما أن المادة 176 من قانون كارولينا الذي أصدره شارل كنت سنة 1532 نصت على أنه: “إذا تبين من الجريمة الأولى أن حالة الجاني تهدد بخطر ارتكاب جريمة أخرى أمر القاضي بوضعه في السجن كإجراء “واق” حتى يثبت حسن سلوكه”( ). إذا كان هذا هو حال التدابير الوقائية قبل صياغتها كنظرية من طرف المدرسة الوضعية فما هو حالها في الشرائع السماوية ؟
رابعا : في الشريعة الإسلامية
للشريعة الإسلامية في تقسيم الجرائم والعقوبات مسلك فريد فقد نصت على عدد قليل من الجرائم فرضت لكل منها عقوبات محددة، وسميت هذه العقوبات في بعض منها بالحدود، وسميت في البعض الآخر بالقصاص، أما باقي الجرائم فلم تفرض لها عقوبات محددة بل ترك شأنها لأولياء الأمر والقضاء يفرضون منها في كل حالة ما يناسبها من عقوبات تسمى بالتعزيرات( ).
والتعزير بحسب المفهوم في الفقه الإسلامي : هو كل ما يقدره ولي الأمر أو الحاكم من العقوبات أو التدابير التأديبية والاستصلاحية ضد الجرائم التي لا تجتمع لها شروط وجوب القصاص أو الحدود الشرعية.
والسنة هي الأصل التشريعي لنظام التعزير الذي يخول ولي الأمر بمقتضاه سلطة التجريم، والتعزير فيما يخرج عن نطاق أحكام الحدود والقصاص رعاية للمصلحة العامة بمعرفة ولي الأمر، شريطة أن يصدر في ذلك عن رغبته في تحقيق المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي. وهكذا يكون التعزير في نهاية المطاف كناية عن التشريع الوضعي( ). والتعزير يضم كل مستحدث من تدابير الدفاع الاجتماعي، وهو يقبل كل ما استحدثته السياسة الجنائية العصرية مما يقال له اصطلاحا “التدابير الاحترازية أو تدابير الدفاع الاجتماعي”( ). وهذا لا يعني أن التدابير قد اقتصر نطاقها على التعازير، وإنما جاءت بعض نصوص القرآن الكريم بأحكام تحمل في طياتها ما يمكن اعتباره تدابير. ومثال ذلك جزاء النفي المنصوص عليه في قوله تعالى :  إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض( ). وقد قال بعض الفقهاء أن النفي هو التشريد في البلاد والأمصار، وقال البعض أن النفي معناه أن ينفى إلى بلد ويحبس فيه أو تقام الحراسة فيه حوله، بينما يرى جانب آخر أن النفي هو الحبس، ولو في البلد الذي ارتكب حوله جرائمه، وقال بالرأي الثاني مالك فهو يغربه ويحبسه، ولعل من صور الحبس “تحديد محل إقامته”. وقد أجاز بعض فقهاء الدولة الإسلامية عند الضرورة أن تبعد أي مسلم أو ذمي عن أرضها إذا لم يكن هنالك وسيلة لدفع خطر. إلا بالإبعاد. فإذا سمح للحربيين بدخول دار الإسلام، فللدولة أن تبعدهم ولو لم تنته مدة إقامتهم إذا أتوا بعمل يخل بالأمن العام أو خشي منه الإخلال بالأمن. وقد نفى الرسول صلى الله عليه وسلم المخنث الذي كان يخضب يديه ورجليه بالحناء تشبها بالنساء إلى البقيع. بل ذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبعد من ذلك حين نفى نصر بن حجاج إلى خارج المدينة، لمجرد أنه شاب جميل الصورة تفتن به النساء، وإن كان عمر بن الخطاب قد حلف ألا يعود إلى مثل ذلك الإجراء عندما علم أن نصر بن حجاج قد التحق بالروم.
ويرى البعض من الفقه أن الشريعة الإسلامية قد نصت على جزاء التغريب وأساس هذا الجزاء هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم : “البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام …”. أي أن الزاني غير “المحصن” يجلد مائة ويغرب عام( ).
وقد اختلف فقهاء الشريعة الإسلامية في التغريب، فقال مالك وأبو حنيفة : إن التغريب معناه الحبس، فيحبس المغرب في البلد الذي يغرب إليه مدة لا تزيد على سنة، ومن هذا الرأي الزيديون، بينما يرى الشافعي وأحمد بن حنبل أن التغريب معناه : النفي من البلد الذي حدث فيه الزنا إلى بلد آخر، على أن يراقب المغرب بحيث يحفظ بالمراقبة في البلد الذي غرب إليه، ولا يحبس فيه. ويرى مالك أن التغريب جعل للرجل دون المرأة، لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، ولأن الأمر لا يخلو أن غربت أن تغرب ومعها محرم، أو تغرب دون محرم. والأصل أنه لا يجوز أن تغرب دون محرم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم”( ). وقد اختلف الفقهاء في حديث التغريب. فمنهم من رأى أنه منسوخ، وهو قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه، ولذا يرى أنه تعزير يوقع حسب المصلحة المقتضية ذلك.
ومن التدابير التربوية الهجر، أي هجر الزوجة، إذ يقول الله تعالى :  والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا( ). والهجر يكون للعاصي أيا كان كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجر الثلاثة الذين خلفوا عنه في غزوة تبوك. وبالنسبة للنساء اللائي يقعن في الفاحشة فقد نصت الآية الكريمة على تدبير لهن، في قوله تعالى :  واللاتي يأتين بالفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا( ). وقد بينت هذه الآية ما ينبغي عمله بالنسبة للنساء اللائي يقعن في هذه الجريمة بعد عقوبتهن، وهي الإمساك في البيوت ومنعهن من الخروج حتى يتوفاهن الله أو يجعل لهن سبيل، وذلك عمل وقائي بالنسبة لمن وقعن في هذه الخطيئة( ). وقد عزر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتوبيخ. من ذلك ما رواه أبو ذر رضي الله عنه قال : ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يا أبا ذر أعيرته بأمه … إنك امرؤ فيك جاهلية. فالتوبيخ له أثر في النفس وفي عدم رجوعها إلى مثل هذا الذنب الذي اقترفته”( ).
عرف الإسلام كذلك المصادرة حينما قرر أخذ أموال الجناة للجرائم التعزيرية إذ أوجد في ذلك مصلحة حقيقية لردعهم، ويكون ذلك بأخذ مال الجاني وإيداعه في بيت المال مدة من الزمن طالت أم قصرت، كبيرا كان أم ضئيلا حتى ينتهي أجل الاحتجاز، فترد إليه أمواله من جديد إلا إذا تبين اليأس من توبة الجاني فلا ترد إليه أمواله، وإنما يصرفها ولي الأمر فيما يراه صالحا ولا تدخل مطلقا في زمام بيت المال( ).
وعرفت الشريعة الإسلامية التدابير مع الأحداث، فالصبي المميز توقع عليه تدابير تهذيبية علاجية لأن ما يحدثه الصبي لا يوصف بالجريمة، لأنه غير مخاطب بالتكليف. وتحديد هذه التدابير موكول إلى ولي الأمر، فيجوز له توقيع تدبير التوبيخ، أو التسليم لولي الأمر أو لغيره، أو أن يضع الصبي في إصلاحية أو مدرسة، أو يضعه تحت المراقبة الخاصة، إلى غير ذلك من الوسائل التي تؤدي إلى تأديب الصبي وتهذيبه وإبعاده عن الوسط الذي يعيش فيه. ومن التدابير التقويمية التي عرفتها الشريعة الإسلامية بالنسبة للأحداث المجرمين، تلقينهم المبادئ الدينية التي تحملهم على الاستقامة والتحلي بالفضيلة، وإخضاعه لبرامج تثقيفية وتربوية تعينه على التخلص من عوامل الانحراف التي سيطرت عليه، وكذلك تعليمه حرفة أو صناعة، وتعويده على الأعمال النافعة والمشاركة البناءة لإنماء الشعور فيه، بأنه أضحى مواطنا صالحا يساهم في بناء مجتمعه وهذا من شأنه أن يصرفه عن الانحراف والضياع. كذلك عرفت الشريعة الإسلامية الحبس غير محدد المدة فيعاقب به المجرمين الخطرين ومن اعتادوا الإجرام، كاعتياد السرقات والضرب والقتل بحيث لا تردعهم العقوبات الأخرى، فيحبسون حتى تظهر توبتهم ويتصلح حالهم فيطلق سراحهم أو يتركون في الحبس حتى الموت.
والمقصود العام من التشريع الإسلامي هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحها بصلاح الإنسان، ويتأتى هذا المقصود بتزكية الأنفس وتطهيرها عن طريق المعرفة بالله وعبادته، وهي الغاية التي ترمي إليها رسالة الإسلام. ومن ثم يكون من مقاصد الشريعة الإسلامية منع وقوع الجرائم( ).
وخلاصة ما تقدم أن الشريعة الإسلامية عرفت التدابير الوقائية وذلك قبل المدرسة الوضعية وذلك في عدة نواحي، منها إجراءات غير محددة المدة وذلك لحالة من تكررت منه الجرائم وكذلك نصت على تدابير سابقة على أي سلوك إجرامي محدد، ونصت على تدابير متنوعة للأحداث المجرمين تربوية وتهذيبية وعلاحية وتبقى التعازير الوجه الغالب في التدابير الوقائية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية لأن أمرها متروك لسلطة ولي الأمر أي رجال السلطة يحكموا بما يناسب الفعل المقترف من طرف الجاني. إذا كانت الشريعة الإسلامية وغيرها من الشرائع السماوية الأخرى والتشريعات القديمة قد عرفت التدابير الوقائية قبل المدرسة الوضعية والتي قامت بصياغتها في نظرية عامة وأصبغت عليها الطابع الجنائي فما هو الإطار النظري الذي قامت عليه التدابير الوقائية ؟ أو بمعنى آخر ما مدى وجود التدابير الوقائية في العصر الحديث ؟ هذا ما سنتناوله في المطلب القادم.

_________________

( ) محمود نجيب حسني : شرح قانون العقوبات، طبعة 1989، ص. 936.
( ) محمود سامي قرني : التدابير الاحترازية، المرجع السابق، ص. 12.
( ) جلال ثروت : الظاهرة الإجرامية، دراسة في علم العقاب، المرجع السابق، ص. 54.
( ) محمود سامي قرني : التدابير الاحترازية : المرجع السابق، ص. 13 ـ 14.
( ) عبد العزيز عامر : التعزير في الشريعة الإسلامية، ص. 5 وما بعدها. رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 1995، أشار إليها محمود سامي قرني، المرجع السابق، ص. 17.
( ) محمد أبو زهرة : الجريمة والعقوبة في الفقه الإٍسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة، ط. 1974، ص. 82.
( ) محمود سامي قرني : التدابير الاحترازية، المرجع السابق، ص. 18.
( ) سورة المائدة، الآية 33.
( ) محمود سامي قرني : المرجع السابق، ص. 19.
( ) عبد القادر عودة : التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، المرجع السابق، ص. 380.
( ) سورة النساء، الآية 34.
( ) سورة النساء، الآية 15.
( ) محمد أبو زهرة : العقوبة في الفقه الإسلامي، المرجع السابق، ص. 105.
( ) عبد الله بن سالم الحميد : التشريع الجنائي الإسلامي، مطابع النصر، الرياض، ط. 1980، ص. 141.
( ) عبد الرحيم صدقي : الجريمة والعقوبة في الشريعة الإسلامية، دار النهضة المصرية، القاهرة، طبعة 1987، ص. 219.
( ) محمود سامي قرني : التدابير الاحترازية، المرجع السابق، ص. 17 ـ 22.



   One Comment


  1. arwa
      17 November, 2012

    موضوع رائع جدا وفى غاية الاهمية ونرجو المزيد حول المدخل الوقائى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *