التدابير الوقائية العينية: المصادرة و الإغلاق

بحث حول دور التدابير الوقائية في مكافحة الظاهرة الإجرامية
الفصل الثاني : أسباب إنقضاء التدابير الوقائية وتقييم دورها في مكافحة الظاهرة الإجرامية
الفرع الأول : أنواع التدابير الوقائية
المبحث الثاني : التدابير الوقائية العينية
جاء في المادة 62 من القانون الجنائي أن التدابير الوقائية العينية هي :
1. مصادرة الأشياء التي لها علاقة بالجريمة أو الأشياء الضارة أو الخطرة أو المحظور امتلاكها.
2. إغلاق المحل أو المؤسسة التي استعملت في ارتكاب الجريمة.
المطلب الأول : المصادرة
تتخذ المصادرة شكلين مختلفين : فهي تعتبر أحيانا عقوبة إضافية يجوز للقاضي الحكم بها وذلك عندما يتعلق الأمر بالأدوات أو الأشياء التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجريمة أو التي تحصلت منها( ). أما المصادرة كتدبير وقائي عيني فتتعلق بالأدوات أو الأشياء التي يكون صنعها أو استعمالها أو حملها أو حيازتها أو بيعها جريمة ولو كانت تلك الأدوات أو الأشياء على ملك الغير، بل ولو لم يصدر حكم بالإدانة ضد المتهم( ).
ولكن يجب أن نشير إلى أن المصادرة كتدبير وقائي عيني، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ظروف المالك الحقيقي لتلك الأشياء أو الأدوات والذي تكون حيازته لها حيازة مشروعة نظرا لمهنته، ومثال ذلك حالة بائع الأسلحة الذي يتعرض للسرقة وحالة الصيدلي الذي يتعرض لسرقة بعض المواد السامة والأدوية. ففي مثل هذه الأحوال يجب تطبيق مقتضيات الفصل 106 من القانون الجنائي المتعلقة برد وإعادة الأشياء أو المبالغ أو الأمتعة المنقولة الموضوعة تحت يد العدالة أو أصحابها. وتجدر الإشارة إلى أن المصادرة كعقوبة إضافية لا يمكن للمحكمة الحكم بها إلا إذا صدر حكم بالإدانة ضد المتهم( ). أما المصادرة كتدبير وقائي عيني فيمكن الحكم به حتى في حالة عدم صدور حكم بالإدانة ضد المتهم، وذلك نظرا لعدة أسباب كأن يبقى المجرم مجهولا أو كأن تكون المتابعة غير ممكنة كحالة الصبي أو المختل عقليا أو وفاة المتهم.
المطلب الثاني : الإغـلاق
ينصب الإغلاق كتدبير وقائي عيني، على المحلات التجارية أو الصناعية التي تستعمل لارتكاب الجرائم وعلى المحلات غير الصناعية والتجارية.
أولا : إغلاق المحل التجاري أو الصناعي
يجوز الأمر بإغلاق المحل التجاري أو الصناعي في جميع الأحوال التي يستعمل فيها المحل لارتكاب الجريمة، سواء كان ذلك بإساءة استغلال الإذن أو الرخصة المحصل عليها، أو بمخالفة الضوابط أو النظم الإدارية، وقد يكون الأمر بالإغلاق إلزاميا متى نص القانون على ذلك كالمادة 37 من قرار 17 يوليوز 1967 المنظم للاتجار في المشروبات الكحولية التي تقضي بأنه يعلن عن الإغلاق وجوبا في حالة العود إلى الجرائم المنصوص عليها في المواد 19 و23 و25 و27 و28 من ذلك القرار.
ثانيا : إغلاق المحلات غير الصناعية والتجارية
أما المحلات غير التجارية والصناعية كعيادة طبيب فلا يجوز الأمر بإغلاقها إلا في الحالات التي ينص عليها القانون، والإغلاق بجميع أشكاله قد يكون نهائيا وقد يكون مؤقتا، والمؤقت لا يقل عن عشرة ايام ولا تتجاوز ستة أشهر ما لم ينص القانون على خلاف ذلك( ).
ثالثا : نتائج الغلق
ينتج عن الغلق منع المحكوم عليه من مزاولة نفس المهنة أو النشاط بذلك المحل، والمنع يشمل أفراد أسرته وغيرهم ممن يكون المحكوم عليه قد باع له المحل أو أكراه أو سلمه إليه، كما يسري المنع في حق الشخص المعنوي أو الهيئة التي كان ينتمي إليها المحكوم عليه أو كان يعمل لحسابها وقت ارتكاب الجريمة (الفصل 90) فالحكم بإغلاق المحل ينتج عنه :
•منع المحكوم عليه من مزاولة نفس المهنة أو النشاط بذلك المحل، ومؤدى هذا أنه يجوز له أن يزاول نفس المهنة في مكان آخر، أو يزاول مهنة أخرى في نفس المكان وهي نتيجة في الواقع غير منطقية إذ يؤدي الأمر إلى أن يكون الإغلاق عقوبة للمحل لا لمرتكب الجريمة ولكن يمكن تفادي هذا بمنع الجاني من مزاولة المهنة أو النشاط كتدبير وقائي شخصي.
•أن المنع يشمل إلى جانب الجاني أفراد أسرته والغير الذي تلقوا منه المحل بعقود حقيقية أو صورية تفاديا للخسارة التي تلحقه باستمرار المحل مغلقا.
أما الغير الذي لم يتلقى المحل من الجاني كالمالك الذي أكرى المحل للجاني فارتكب فيه الجريمة التي أدت إلى الإغلاق فإنه لا يمنع من استغلال محله ما دامت نيته حسنة ولم يكن له دور في الجريمة التي ارتكبها المكتري.
ـ إغلاق محل الشخص المعنوي كجمعية أو شركة يمنع على نفس الجمعية أو الشركة استغلاله في نفس المهنة، ولو لم يكن المحل مستعملا من طرف الجمعية أو الشركة مباشرة. قبل ارتكاب الجريمة ما دام الجاني أحد أعضاء الشخص المعنوي أو يعمل لحسابه. كالمشرف على فرع حزب أو جمعية أو ممثل شركة، فإذا أغلق محل فرع جمعية بسبب ما ارتكبه أحد أعضائها منع على الجمعية إعادة فتح المحل ولو تحت إشراف عضو آخر، وسريان المنع في هذه الحالة مشروط بأن يكون عضو الشخص المعنوي يستعمل المحل بوصفه هذا.
وكذلك من يعمل لحساب الشخص المعنوي كممثل دار النشر إذا أغلق محله بسبب العثور في هذا المحل على كتب أو نشرات تخل بالأمن، فإن هذا الإغلاق يسري على دار النشر التي يعمل لحسابها ولو لم يكن عضوا من أعضائها.
بعد أن تطرقنا للمبادئ العامة للتدابير الوقائية بصفة عامة في فصل أول ولأنواعها في فرع أول، سنأتي في فرع ثاني لتوضيح أسباب انقضاء هذه التدابير الوقائية والإعفاء منها وإيقافها.

_______________________

( ) الفصول من 42 إلى 46 من القانون الجنائي.
( ) الفصل 89 من القانون الجنائي.
( ) الفصلين 43 و44 من القانون الجنائي.
( ) الخمليشي : المرجع السابق، ص. 352.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *