الصيغ التقليدية لتمويل الوقف

الصيغ التقليدية لتمويل الوقف – المبحث الثالث:
كان أهم ما يشغل بال الفقهاء هو استغلال واستثمار مال الوقف واستمرار قدرته على إنتاح المنافع والعوائد المقصودة منه، أكثر من نمائه وزيادة رأسماله وزيادة قدرته الإنتاجية على العطاء المستقبلي.

لذلك تحدثوا عن الحاجات التمويلية للوقف عند تعطله أو تهدمه أو احتراقه، كما تحدثوا عن استبداله عند انقطاع المنافع منه في موقعه، و لكنهم لم يتحدثوا عن استعمال جزء من إيراداته ( ). وإذا ما نظرنا في الكتابات الفقهية فإننا نستطيع أن نستخلص منها حديثا عن صيغ خمس لتمويل الأوقاف سنتطرق لها في خمسة مطالب نتناول في مطلب أول: إضافة وقف جديد وفي مطلب ثاني: صيغة الاقتراض وفي مطلب ثالث: صيغة الاستبدال، وفي مطلب رابع: صيغة الحكر، وفي مطلب خامس وأخير صيغة الإجارتين.

المطلب الأول: التمويل بإضافة وقف جيد إلى الوقف القديم.

عن أول مثال لإضافة وقف جديد إلى قديم من نوعه هو ما تذكره بعض الروايات أن عثمان رضي الله عنه بعد أن سمع الحث من الرسول  على شراء بئر رومة وتسبيله للمسلمين، اشترى أول نصفه، ثم اشترى بعد ذلك النصف الآخر وضمه إلى النصف الأول. وكذلك فإن عثمان نفسه رضي الله عنه كان السابق إلى إدخال أول توسعة على المسجد النبوي الشريف في عهد النبي وبناء على توجيهه، حيث قام عثمان بشراء بعض الدور وضمها للمسجد كما ورد الخبر.

ومن المشاهد المعروفة في كثير من الأوقاف الإسلامية أن تبنى مدرسة أو مسجد رباط، تم يحتاج الناس إلى توسعة فيها فيتقدم واقف جديد ليقول بذلك أو تحتاج المدرسة أو المسجد لإدخال الماء والكهرباء والتدفئة فيأتي واقفون جدد ليقدموا الاستثمار الأساسي اللازم لهذه التحسينات والإضافات وقد حصل عبر تاريخنا الإسلامي الطويل أن أضيفت أوقاف جديدة إلى أوقاف قديمة في المساجد، والمدارس والمستشفيات، ودور الأيتام، والزوايا، والمقابر، والآبار، والجامعات. وقد تحدث الفقهاء عن وقف البناء والشجر دون الأرض وقالوا بصحة ذلك إن كان لهما قرار بأرض( ) كأن يحبس صاحب الحكر البناء والشجر الذي يملكه على أرض الوقف، فينضم البناء والشجر إلى الأرض ليصبح وقفا جديدا إضافيا على أرض وقفية، فهو بذلك إضافة وقف جديد إلى قديم. كما تحدثوا عن إمكان اختلاف شروط وأغراض الوقف الجديد عن شروط وأغراض الوقف القديم، فتكون الأرض للفقراء والمساكين، مثلا ويكون الشجر للإنفاق على مستشفى خيري. وقالوا عندئذ بتقدير نصيب الأرض من الثمر، فيعطى كل غرض بقدر حصته من مجموع عائدات الوقفين الصافية.

ويلاحظ أن إضافة مال جديد يوقف إلى مال وقفي قديم هي صيغة تنموية، لأنها تعني زيادة رأسمال الوقف ونماؤه. ولعلها أفضل صيغة يمكن محاكاتها وتطويرها من خلال صناديق لتنمية أملاك الأوقاف بحيث تناسب الأشكال الاستمثارية المعاصرة( ).

المطلب الثاني: الاقتراض للوقف

لقد أكثر الفقهاء من الحديث عن استدانة الناظر على مال الوقف لتشغيله واستغلاله، واشترطوا لذلك إذن القاضي فقالوا بالاستدانة عند الحاجة لشراء البذور والسماد واستئجار العمالة اللازمة للزارعة أو غيرها من أشكال استغلال مال الوقف.
وتحدثوا كذلك عن الاقتراض على مال الوقف من أجل عمارته إذا تهدم واحترق سواء كانت العمارة كلية أم جزئية ومثل هذا الكلام عن استدانة المأذونة لعمارة الوقف قد يوحي بان الفقهاء كانوا يقولون بإمكان ذلك من أجل تنميته والزيادة في أصل مال الوقف لأن ذكر العمارة ورد عندهم مطلقا ولكننا إذا تتبعنا النصوص الفقهية، وربطنا مسألة الاستدانة لعمارة الوقف بمسألة توزيع عوائده ومعالجتهم لحالة وجود فائض في العوائد عن حاجة الموقوف عليه، أو انقطاع الموقوف عليه في وسطه أو في آخره، لأدركنا أنهم إنما يقصدون عمارة وقف قد تعطل عن الاستغلال، أو عن تقديم المنافع التي أنشئ من أجلها، وليس العمارة بمعنى العمران والتنمية والزيادة، كما بينا ذلك فيما مضى من مباحث هذا الفصل، وأخيرا فإن مبدأ الاقتراض على مال الوقف، من اجل عمارته، يمكن تطويره أيضا، بحيث يستفيد من التكنولوجيا المالية المعاصرة بشكل معاصر لتمويل تنمية الأوقاف الإسلامية واستثمارها، وبخاصة أنه لا يوجد ما يمنع شرعا من الاستدانة بزيادة رأسمال الوقف إذا أمكن حماية أغراض الوقف من أي حرمان أو تقليل منها، لأنه يمكن في كثير من الأحيان أن تغطي الزيادة في الإيرادات بل إنها يمكن أن تزيد أحيانا.

المطلب الثالث: إستبدال الوقف
تعني صيغة الاستبدال( ) أن يباع مال الوقف كله أو جزء منه ويشترى بالثمن مال وقفي آخر يستعمل لنفس الغرض الأصلي للوقف مع الإبقاء على الالتزام بسائر شروط الواقف وعند التأمل نجد أن الاستبدال في حقيقته لا يتضمن أي زيادة في مال الوقف ولا يؤدي إلى زيادة فيها لأن الأصل في المعاملة بيعا وشراء ألا يكون فيها غبن ولا غش وأن تتصف السوق بظروف من التعامل مما يجعلها سوقا تنافسية إلى درجة معقولة وواقعية. فالفرضية إذن أن يستبدل الوقف بقيمته السوقية. فلا تكون هناك زيادة، ولا يكون نماء، ومع ذلك، فإن الاستبدال الجزئي، يبيع جزءا من مال الوقف من عمارة الجزء الآخر يوفر سيولة نقدية للوقف تمكن بوساطتها عمارة ما بقي منه. فيتحول بذلك وقف من حالة عطالة كاملة أو ضالة في العوائد الصافية إلى حالة استغلال مقبول ومجز، رغم عدم تغيير القيمة الكلية لمال الوقف، لأن ثمن الجزء الذي بيع قد رد فيما لم يبع.

ومثل ذلك لو كان الاستبدال كليا، فإن القيمة الرأسمالية واحدة بين المالك الجديد للوقف والمالك القديم، حيث لا يشكل الاسبتدال زيادة في رأسمال الوقف، ولكن ذلك لا يعني عدم إمكان زيادة منافع غرض الوقف نتيجة الاستبدال. فقد تحصل ظروف محيطة بالمال الموقوف تجعل من الممكن زيادة منافع الوقف بالنسبة للموقوف عليهم بواسطة صيغة الاستبدال، على الرغم من عدم زيادة رأسماله، أو عوائده المالية. وذلك بسبب تدخل عامل خارجي، هو نشوء استعمال مال ممكن جديد لمال الوقف وأمثاله. وكون الطلب على هذا الاستعمال الجديد كثيرا بالنسبة للعرض فيرتفع سعر مال الوقف دون أن تزيد المنافع الوقفية المتحصلة منه، لأن هذه المنافع مرتبطة بالاستعمال الأصلي وليس بالاستعمال الجديد. وإذا أردنا أمثلة لمثل هذه التغيرات فلننظر إلى الكتب المخطوطة القديمة، فالمخطوطات صارت لها اليوم قيمة أثرية تزيد كثرا عن قيمتها العلمية، فيمكن لمكتبة تملك مخطوطات موقوفة أن تبيعها بمبالغ كبيرة وتحتفظ بنسخ مصورة عنها، وتشتري بالفرق أضعاف عدد الكتب التي كانت لديها، فينتفع كتاب المكتبة الموقوفة انتفاعا كبيرا في مطالعتهم فيها .
وكذلك الأمر في مدرسة ابتدائية قديمة، صارت أثرية بحيث يدفع بها الأثريون مبالغ كثيرة، يمكن بها شراء مدرسة كبيرة تتسع لأضعاف عدد التلاميذ الذين كانوا ينتفعون من المدرسة القديمة.

ومثلها أرض موقوفة لغلاتها الزراعية (-ولنفرض أن الوقف اشترط الزراعة لا غيرها من صور الاستغلال) صارت حضرية بسبب التوسع السكاني، فيمكن استبدالها بأرض زراعية خارج المدينة ذات مساحة تزيد أضعافا عن الأرض الموقوفة، وتغل بالتالي أضعافا كثيرة( ).
ومثلها أرض أو بناء سكني أو ديار أيتام، كل ذلك غير ذي قيمة أثرية، حتـى يمكن إعادة بنـائه، صار له استعمـال تجاري لكـونه داخل قلب مدينة قد أصبحت كبيرة كثيفة السكان، فيمكن تحويل هذا المال الوقفي إلى الاستعمالات الجديدة، إذا كانت شروطه تسمح بذلك ، وكان الوقف استثماريا مقصودا لعائده وليس مباشرا أي مقصودة منه المنافع، والحصول بذلك على عائد كبير يتناسب مع أسعار السوق، مع الأخذ بالاعتبار للقيمة السوقية الجيدة لأصل رأسمال الوقف أو يمكن استبداله، وبخاصة إذا كان وقفا مباشرا بناء أكبر وأوسع، وأكثر بالتالي نفعا للموقوف عليه، بعيدا عن وسط المدينة.

ولكننا ينبغي أن لا يغرب عن بالنا أنه في كل هذه الأمثلة لم يزد الاستبدال في القيمة الرأسمالية للوقف نفسها، وإنما التغير في الاستعمال الممكن، أي ظهور استعمال جديد لمال الوقف، هو الذي زاد في تلك القيمة، وبالتالي زاد في العائد المالي للوقف أو في منافعه سواء في حالة تحويل مال الوقف إلى الاستعمال الجديد مع كون شروط الواقف تسمح بذلك ( ) أم في حالة استبدال الوقف بمال في موقع آخر. فصيغة الاستبدال هي إذا صيغة تسمح بتوفير السيولة اللازمة لاستغلال مال الوقف.

المطلب الرابع، الحكر في الوقف

الحكر صيغة ابتكرها الفقهاء للاستغناء بها عن بيع الوقف واستبداله، الأمر الذي قد تعترضه صعوبات قضائية وإدارية كثيرة.
ويعني الحكر أن يبيع المتولي حق استئجار الأرض الموقوفة بأجرة سنوية أو شهرية زهيدة محددة ومتفق عليها في العقد وهي تدفع دوريا وحق الاستئجار هذا يباع بملغ كبير يقارب القيمة السوقية للأرض يدفع دفعة واحدة.
ويعطى الحكر مالكه حق احتكار استئجار الأرض الموقوفة بتلك الأجرة الزهيدة لمدة طويلة جدا، قد تتجاوز العمر الطبيعي للإنسان، أو قد يتعلق هذا الحق بالأرض نفسها بصفة دائمة، وهذا الحق -وقد أسماه الفقهاء حق الحكر- هو حق مالي متقوم، يباع ويورث ، يوهب، وتجري عليه سائر التصرفات وكلما طالت مدة الحكر وصغر القسط الدوري للأجرة، كان ثمن حق الحكر كبيرا فهذه الصيغة تمكن المتولي، عمليا، من الحصول على ما يقارب ثمن الأرض الموقوفة دون بيعها، ويفترض فيه أن يوزع ذلك على الموقوف عليه أو أن يستعمله لصالح غرض الوقف نفسه.

مسجدوبما أنها ليست بيعا لرقبة الأرض أو العقار، فلا يطالب الناظر بأن يشتري عقارا آخر يجعله وقفا بدلا من العقار المحكر.
لذلك وجد المتولون والناظر في هذه الطريقة أسلوبا للخلاص من هذا القيد في استبدال الوقف، لأن الوقف لا يباع بل ينبغي -أن يبيع- أن يشتري بثمنه مال وقفي جديد يخصص لنفس غرضه، فعن طريق صيغة الحكر إذن، يمكن مثلا لتولي مال وقفي ينفق منه على مسجد، أن يحكر الوقف وينفق ثمن حق الحكر على المصاريف العادية للمسجد( )، ولم يكن ليستطيع ذلك من خلال الاستبدال.
ولا تقتصر المنفعة في صيغة الحكر على ناظر الوقف، بل إن الحكر مفيد أيضا للمشتري فهو في الواقع يشتري العقار ويدفع ثمنه على قسمين: دفعة كبيرة آنية، ودفعات صغيرة دورية آجلة، فيستطيع بذلك استثمار ما اشتراه من مال وقفي في إقامة البناء عليه وغرس الشجر فيه وسائر أنواع الاستثمارات.
وهو أيضا مفيد للأمة، لأنه مثل غيره من أنواع المعاملات والمبادلات في الأسواق يؤدي إلى خلق فرص استثمارية وانتفاعية جديدة تعمر الاقتصاد وتزيد المنافع وترعى المصالح.
وإذا كانت ثمة اعتراضات على استعمال ثمن بيع حق الحكر من قبل ناظر الوقف في غير شراء مال وقفي جديد، فإن أهم الاعتراضات هو أن يقيد استعمال ثمن حق، الحكر، وهو أمر يوافق العدل مع أغراض الوقف.

والحكر صيغة من صيغ التعامل التي يمكن أن تمارس في أية سوق، ولأي مال طويل العمر مثل العقارات، ويمكن أن تتخذ أسماء عدة في البلدان المختلفة، فهي صيغة في التعامل معروفة في بريطانيا باسم (ease hold) وذلك في مقابل البيع الذي يؤدي إلى التملك الحر من أية قيود (Free Hold).
عندما يجري هذا العقد في ظل ظروف سوقية تتصف بحد معقول من المنافسة الحرة، فإن ثمن حق الحكر لا يكون فيه غبن للأوقاف ولا استغلال من المشتري، فلا يمثل الحكر خيانة ولا غفلة من الناظر.
وبالتالي لا يرد على هذه الصيغة الاعتراض الذي أورده الدكتور أنس الزرقاء بقوله : “إن طريقة تحكير عقارات الوقف ينبغي أن تعتبر طريقة استثنائية لا ينبغي الرجوع إليها إلا في حالات الضائقة المالية الشديدة” وذلك بحجة أنها تتضمن دفوعات دورية مستقبلية صغيرة، فالمعيار في القبول وعدمه ليس ضآلة مقدار الدفعة ولا دوريتها، وإنما كفاءة السوق بالكشف عند سعر حق الحكر نفسه وإجراء المعامل دون غش أو غبن أو تلاعب، فيكون ثمن الحكر بشقيه المقدم والدوري مكافئا للثمن العادل الذي يكشف عنه السوق لجميع المنافع المستقبلية للمال الموقوف.
فالتحكير مثل الاستبدال هو صيغة من صيغ المعاملات التي يمكن أن تجري على عقارات الوقف، لتحقيق مصالحه، ويمكن في التحكير أن تكون الدفعات المستقبلية ثابتة ومعروفة ، كما يمكن أن تكون ثابتة لعدد معين من السنوات ثم تفتح بعدها ليتم تحديدها بمفاوضة جديدة بين الناظر والمحكر، تقوم على أساس سعر السوق عندئذ.
ولكل من هذه العقود قيمته والحاجة إليه في السوق، فلا يكون الثمن واحدا لحكر دائم، وحكر لعشرين سنة دون حق أولوية بالاستئجار بعدها باجرة تفاوضية، وحكر لعشرين سنة مع حق الأولوية المذكورة الخ.

على أن قصد الدكتور أنس الزرقاء من اعتراضه على صيغة الحكر في التعاقد على منافع الوقف يمكن أن يقع على تغيير الظروف بطول المدة، فإن طول المدة يعتبر مظنة لتفسير كبير في الأحوال الاقتصادية لمال الوقف من حيث ظروف العرض والطلب في موقعه وسوقه، فإذا ما تغيرت الأوضاع الاقتصادية في وقت لاحق لعقد الحكر، بشكل زاد كثيرا بالقيمة الرأسمالية لمال الوقف، وبالتالي ارتفعت أسعار منافعه، فإن المفارقة تقع فنجد مالا وقفيا ملزوما باجرة دورية زهيدة جدا في حين أن أجرته السوقية تبلغ عشرات أو مئات الأضعاف.
ولكن انعدام النظر في هذه الحالة أيضا يؤكد أن المشكلة تتلخص في طول مدة الإجارة –أو ديمومتها- التي هي مظنة تغير كبير في الظروف، وليست في صيغة لحكر من حيث هي بيع لمنافع عين إذا ما كان البيع بسعر السوق. وتتضح هذه المسألة بشكل خاص في أملاك الأوقاف لأنها مؤيدة لا يجوز بيعه، لذلك نجد كثيرا من الفقهاء ينهى عن تأجير أملاك الأوقاف لمدة طويلة.
ولعل قوانين الأوقاف ينبغي لها أن تحدد سقفا لمدة تأجير الأملاك الوقفية، كما تقيد سلطة الناظر في أجراء عقد التحكير والإجارتين حسب الظروف الاقتصادية و القانونية لكل بلد، بما يحقق استمرار حقول أغراض الوقف على عائداته كاملة في كل حين، رغم التغييرات الاقتصادية والاجتماعية. وبخاصة عند ما يتعلق الأمر بديمومة الوقف واستمراره، وعدم القضاء الفعلي عليه واستلابه من خلال صورة التحكير الذي يخفى حقيقة البيع والتهرب من ضرورة شراء عين جديدة تحل محل العين الوقفية المحكرة.

المطلب الخامس: الإجارتان في الوقف
صيغة الإجارتين هي أن يؤجر عقار إجارة طويلة لعدد من السنوات، و أن تتألف الأجرة من دفعة كبيرة معجلة ودفعات صغيرة دورية (سنوية مثلا) مؤجلة إلى هنا نجد أن هذه الصيغة هي مطابقة للحكر ما عدا أن الحكر يمكن أن يكون دائما.
ولكن صيغة الإجارتين ملحوظ فيها أن العقار لا يؤجر بحالته الراهنة بل بعد بنائه بحيث يصبح صالحا للاستعمال بوصفات يحددها العقد وتستعمل الدفعة المعجلة في هذه العمارة. وهنا تفترق الإجارتان عن الحكر حيث لا يشترط في الحكر استعمال الدفعة الفورية الكبيرة في أي عمارة للوقف نفسه، لذلك فإن صيغة الإجارتين تستعمل للوقف الاستثماري مهما كان حال غرضه الموقوف عليه لأن الدفعة الفورية فيه تستعمل لتهيئة العقار لاستعمال المستأجر، أما صيغة الحكر فيحتاج فيه غرض الوقف للدفعة الفورية لتنفق فيه.
ويلاحظ أن د. أنس الزرقاء قد اعتبر هذه الصيغة مشابهة لصيغة التحكير في معظم خصائصها، بل رّأى أن التضحية من جانب ناظر الوقف في الإجارتين هي أكبر مما هي عليه في التحكير، حتى إنه ليرى “أن الحكر هو أجدى على الأوقاف من الإجارتين” لأن ثمن الحكر قد يستعمل في عمارة وقف آخر، ويترك للمحتكر أن يعمر المال الوقفي الذي احتكره، في حين أن الدفعة النقدية في الإجارتين تستعمل في بناء المال الوقفي الذي احتكره، في حين أن الدفعة النقدية في الإجارتين تستعمل في بناء المال الوقفي المؤجر نفسه، وتبقى في الحالتين أجرة دورية ضئيلة، وهنا أيضا لا نوافق الدكتور الزرقاء في النظر، فإن تحليله يصح لو كانت الأجرة الدورية الضئيلة متساوية في الصيغتين لو طبقها على نفس الأرض الوقفية وبنفس الظروف الأخرى، و هذا غير معقول إلا في سوق مليئة بالتشوهات.

أما في سوق تتصف بالحد الأدنى المعقول من خصائص المنافسة، فلا يمكن أن تتساوى الأجرة في الحالتين، ولابد أن تكون الأجرة الدورية في صيغة الإجارتين كبيرة – من جهة- بحيث تكافئ مقدار ملكية الوقف في العقار (وهي الأرض والبناء) وضئيلة من –جهة أخرى- بحيث تنزل (باسم أجرة مخفضة) هامشا معقولا للمستأجر /الممول لقاء التمويل الذي قدمه.
أما الأجرة الدورية في التحكير فستكون أقل من الأجرة في الإجارتين لنفس الأرض الوقفية، لأن الناظر لم يستعمل ثمن حق التحكير في الأرض نفسها، فمجموع استثماره فيها أقل والسوق التي تتوفر فيها الشروط المعقولة في المنافسة( )، ستقيم كلا بما يناسبه، فلا أفضلية بين صيغة وأخرى في ذلك، ويمكن للصيغتين معا أن توجد في التعامل، فيكون الناس في الخيار حسب ظروف سلعهم ورغباتهم.
الفصل الثالث: تنمية الوقف وتمويله
الوقف ودوره في تنمية المجتمع



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *