الدين في السياسة الخارجية للولايات المتحدة

دور العامل الديني في السياسة الخارجية الأمريكية

المقدمــة:
إن الأحداث في العالم تندفع بسرعة مخيفة، فالمنازعات والحروب والإشاعات، والنبوءات قد صارت اليوم حقيقة ناجزة .حيث لم يعد الدين مسيحيا أو إسلاميا أو يهوديا ، كافيا وحده لإيقاف طغيان عودة الظاهرة الدينية إلى الواجهة الدولية، حيث استطاعت أن تصنع بمؤسساتها وبرامجها نظاما شموليا في أغراضه، و أنشطته ، وعلاقاته وتمزج الدين بالتعليم وبالخدمات الاجتماعية وبالطب وبالسياسة وبالفن والحرب والسلم …و لا يفلت من شباكها شيء يتعلق بالحياة اليومية للإنسان ،حيث أصبحت هذه الظاهرة تجسد أفكارها في مؤسسات ومنظمات وجماعات وتحالفات متعددة نتج عنها تيار جماهيري واسع ومؤسسات متعددة الأغراض، وإمكانات مالية ضخمة، ونفوذ سياسي ليس من السهل مقاومته.وقد بدا ذلك بوضوح في قدرتها على تعبئة عدة ملايين للانخراط في العملية السياسية الانتخابية وتكمن مخاطر هذه الاتجاهات فيما يجري حاليا من تنافس محموم بين التيارات الدينية الغربية للسيطرة على القرار السياسي من جهة ، وتوجيه الرأي العام الشعبي من جهة ثانية مع تقاسم النفوذ الدولي وتوزيع الخريطة الدينية في القارات الخمس، وبالتالي التأثير على البيئة الدولية عن طريق صناع القرارات السياسية الخارجية وبذلك فالدوافع والقيم والعقلانية والشعور بالمسؤولية، والانتصار والولاء،والعقيدة، والعوامل الإيديولوجية والحزبية .كلها عوامل لها دورها في تحديد الموقف السياسي للشخص صانع القرار، وبالتالي التأثير على مجرى العلاقات الدولية، وارتباطا بالبيئة التي سوف ينفد فيه القرار السياسي، خلص مجموعة من الخبراء إلى بروز عدد من المؤسسات الدينية في محاولة منها لتأطير سلوك الفاعلين الدوليين، وبالتالي توجيه السياسة الخارجية، وإعادة صياغتها وفق المعتقدات

الدينية والقيم الأخلاقية . وكما توضح الأحداث الراهنة ، فالإنسان بالأساس كائن متدين بالدرجة الأولى، وأن التدين فطرة متجدرة في الكيان البشري .وأن الظاهرة الدينية تسجل يوما بعد يوم عودتها
إلى الواجهة وبقوة . وبذلك لم يفقد الشعور الديني شيئا من حيويته حتى في كنف أزمنة الحداثة .وقد تبين مما لايدع مجال للشك، أن المجتمع أللائكي لايمكن أن ينسلخ عن صوت الفطرة وان يستغني عن الإيمان، وأن عودة المقدس أخذ نصيبه في المجتمعات وبرهنت التحولات صدق شارل بودلير عندما قال:”لا يوجد في الدنيا ماهو أكثر أهمية من الديانات وهذا مايكرسه تنامي قوة وجاذبية التدين التي أضحت تغزو أركان المجتمعات العلمانية بل تجاوزت هذا إلى استقطاب قلوب الوزراء والساسة والقادة ، وأكيد أن هذا سيؤدي إلى التحكم في دواليب القرار السياسي، وتوجيه الرأي الشعبي والدولي، وفرض سلوكات وتصرفات خاضعة لمنطق القيم والأحكام الأخلاقية. وبالتالي إرباك حسابات الفرقاء الدوليين والحكم على السلوك الخارجي في العلاقات الدولية بالغموض والتأزم أحيانا. ويمثل النموذج الأمريكي الصورة النمطية للسلوك الديني في قالب سياسي، بحكم أن هذا المجتمع منذ تأسيسه أقيم على أسس عقائدية دينية محضة. وفي هذا الصدد يؤكد علماء الاجتماع ” الاجتماع الديني” بصفة خاصة :أن العقائد الدينية والكنائس تعكس المجتمعات التي تهيمن عليها، بقدر ما تعكسها هذه المجتمعات بدورها أيضا .فالحالة الأمريكية تمثل تعبيرا مثاليا لهذه المقولة حيث أنه “لم يكن غريبا بحسب جان بيار فيشو أن يولد المجتمع والدين في آن واحد، ولأن المهاجرين الجدد – الأوائل–كانوا من البروتستانت، فقد كانوا قوة غالبة فسادت كنيستهم وساد مذهبهم ،وبديهي أن تكون الحركة الدينية التي اجتاحت أمريكا مع بداية اكتشافها، امتدادا للتطور الديني الذي شهدته الساحة الأوربية. الأمر الذي يستوجب الرجوع إلى جذوره لاكتشاف حقيقته والوقوف عند معالمه.

وعليه فالصهيونية المسيحية كحركة ودعوة دينية مسيحية تدعوا إلى عصمة الكتاب المقدس، والعودة الثانية للمسيح، وقيام حكمه الألفي، وتأتي صهيونيتها من دعوتها إلى وجوب عودة اليهود إلى أرض الميعاد – فلسطين – تحقيقا للنبوءات التوراتية التي يؤمن بها المسيحيون ، وهذه الدعوة تعود جذورها إلى عام 1649 حيث وجه كل من عالمي اللاهوت التطهيريين “جوانا”وإبينزركاتريت” مذكرة إلى الحكومة البريطانية. يطالبان فيها أن لبريطانيا شرف حمل أولاد إسرائيل إلى الأرض التي وعد إياها أجدادهم .
وهكذا تفاعل شعور الحركتين الصهيونيتين المسيحية واليهودية بوجوب توطين اليهود في
أرض الميعاد، ونتج عنه مطالبة اليهود للمسيحيين الالتزام بثلاث مواقف:
*-رفض العداء للسامية ومحاربتها، وتطهير المؤسسات الدينية والطقوس الكنسية من كل أثر سلبي لها.
*- الكف عن دعوة اليهود إلى الدخول في المسيحية.
*- الاعتراف بحق اليهود في دولة خاصة بهم ، وأكيد أن هذا التفاعل قد أسفر عن ظهور حركة بروتستانتية تطهيرية تحمل صفات وراثية عدة :سياسية، ويهودية، ومسيحية شاردة منفلتة من قيود كنيسة روما ، وبدأت بذلك ملامح مرحلة جديدة من الحركة الدينية المسيحية، بميلاد تيار ما سمي بالإصلاح الديني الذي بدأه مارتن لوثر تم تبعه كالفن الفرنسي، والذي اتخذ شعار العودة إلى الأصول أي إلى حرفية الأسفار المقدسة . وقد عزز هذا التيار آنذاك “صراع الملك الإنجليزي هنري الثامن مع الكنيسة حيث أصدر سنة1538 أوامره إلى كل كنائس انجلترا بإنهاء الوصاية الكهنوتية على الكتاب المقدس وتفسيره .
وتكمن أهمية هذه الدراسة في البحث في البعد الديني لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الوقوف على الجانب الصهيوني في الحركة المسيحية الأصولية الأمريكية التي تشكل عنصرا

أساسيا في توفير البيئة الملائمة للنفوذ الصهيوني اليهودي، و ترسيخ مجموعة من الآراء المتحاملة في شعور الرأي العام الأمريكي وثقافته، وفي سياسات الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية بصفة عامة والشرق الأوسطية بصفة خاصة ..
كما تهدف هذه الدراسة إلى ” كشف العلاقة بين الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة بقضية فلسطين،وذلك بالوقوف على الجانب غير اليهودي من الصهيونية من خلال تحليل البيئة الثقافية والدينية والسياسية التي تحمست للمشروع الصهيوني ودعمته، وما تثيره من أطروحات سياسية وعقائدية وممارسات ضغط وتأثير في المجتمع الأمريكي، وفي السياسة الخارجية الأمريكية، وهنا يتبادر إلى الذهن أسئلة مهمة لعل الجواب عنها يسهم في اكتمال الرؤية عن ملامح هذه الحركة من قبيل كيف استولت هذه الديانة الجديدة على أمريكا ؟وكيف أطرت صناع القرارات السياسية الخارجية الأمريكية؟ بل وكيف استطاعت أن تشكل اللبنات الأولى للنظام الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي لأمريكا على أساس عقائدي ؟ وكيف استطاعت أن تنتقل من مجرد حركة دينية بسيطة إلى حركة دينية سياسية لها تأثيرها في صناعة القرار السياسي الداخلي والخارجي؟ و هذا ما سنناقشه في هذه الدراسة على وفق التصميم الآتي:

الفصل الأول: دراسة في المسيحية الصهيونية الأمريكية المعاصرة.

المبحث الأول: مسار تطور المسيحية الصهيونية الأمريكية.
المطلب الأول:الأصول العقدية التي بنيت عليها أمريكا.
المطلب الثاني:السياسة الخارجية الأمريكية كأداة لفرض القيم والنموذج الأمريكيين.

المبحث الثاني: أهم المراكز والمؤسسات التابعة للأصولية المسيحية بأمريكا.
المطلب الأول:مؤسسات اللوبي اليهودي الصهيوني .
المطلب الثاني :مؤسسات اللوبي المسيحي الصهيوني .

الفصل الثاني:المحافظون الجدد وصناعة القرار الأمريكي.

المبحث الأول:اختراق المحافظون الجدد للمؤسسات السياسية الأمريكية .
المطلب الأول: الصحوة الدينية الثانية وبزوغ المحافظون الجدد.
المطلب الثاني :تأثير المحافظون الجدد على مؤسستي البيت الأبيض .
والكونغرس الأمريكي .

المبحث الثاني:تأثير المحافظون الجدد في المسرح الدولي من خلال السياسة الخارجية الأمريكية .
المطلب الأول :دور المحافظون الجدد في صياغة الإستراتيجية الأمريكية إبان الحرب الباردة.
المطلب الثاني : المعالم الكبرى للسياسة الخارجية الأمريكية بعد الحرب الباردة و دور المحافظون الجدد في بلورتها.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *