التدابير الوقائية في التشريع المغربي

بحث حول دور التدابير الوقائية في مكافحة الظاهرة الإجرامية
الفصل الأول : المبادئ العامة للتدابير الوقائية
الفرع الأول : ماهية التدابير الوقائية وتطورها التاريخي

المبحث الثاني : التطور التاريخي للتدابير الوقائية
المطلب الرابع : التدابير الوقائية في التشريع المغربي
إن تطور التدابير في نطاق القانون المغربي كان يشبه إلى حد بعيد التطور الذي رأيناه في القانون المقارن، وإن كانت مراحله مفصولة بعوامل سياسية، تاريخية أكثر منها علمية. فقد عرف بدوره سوابق هامة ثم طبق كثيرا من التدابير في شكل عقوبات إضافية قبل أن يستقر فيه هذا النظام ويدخل إلى المجموعة الحالية بهذه الصفة.
وهكذا يمكن التمييز في نطاق التشريع المغربي بين ثلاث مراحل، مرحلة ما قبل الحماية، ومرحلة الحماية، ومرحلة الاستقلال.
ـ ففي المرحلة الأولى لا نعتر على شيء يمكن تسميته حقيقة نظام التدابير وإنما نجد سوابق في النطاق التي كانت توجد فيه هذه السوابق ضمن أحكام الشريعة الإسلامية. فالمغرب دولة إسلامية يمارس فيها العدالة السلطان بحكم كونه خليفة وينيب عنه في الاضطلاع بمهامها قضاة شرعيين كانوا يمارسون الاختصاص العام. ووضعه من هذه الناحية لم يكن يختلف كثيرا عن الوضع في جميع البلاد العربية الإسلامية الأخرى منذ الفتح الإسلامي إلى أوقات مختلفة من عهد حكم الدولة العثمانية، حيث كانت أحكام هذه الشريعة في المواد الجنائية هي التي      تطبق فيها( ).
وقد سبق أن أوردنا ما ذكره الأستاذ مارك أنسل، نقلا عن الدكتور السعيد مصطفى السعيد، من أن أحكام الشريعة الإسلامية تشتمل على نظام جزائي يمكن تسميته في حدود معينة نظام الدفاع الاجتماعي، بالنسبة للقاصرين والراشدين     على السواء.
إلا أن أهم مرحلة في هذا التطور هي بدون شك مرحلة الحماية التي دخل بها المغرب في نطاق القانون الوضعي وعرف كثيرا من النماذج والأمثلة لهذه التدابير.
وقد بدأت هذه المرحلة بظهير التنظيم القضائي لثاني عشر غشت 1913 واستمرت لحين صدور المجموعة الحالية.
ـ أما في فترة الحماية : لم نعد نجد أنفسنا أمام قضاء شرعي يمارس الاختصاص العام وإنما أيضا أمام قضاء فرنسي لا يختلف عن قضاء فرنسا في شيء، وأمام قضاء مغربي يحمل اسم (القضاء المخزني). ونحن لا نهتم في هذا البحث بهذه المحاكم أو تلك إلا بالقدر الذي كانت تطبق فيه الإجراءات التي تدون في حقيقتها تدابير وقائية.
فالمحاكم الفرنسية في المغرب كانت تطبق أحكام المجموعة الجنائية الفرنسية، إلا إذا وجد نص صريح يقضي بخلاف ذلك، كما كانت تطبق النصوص التشريعية الأخرى الموجودة خارج المجموعة إذا صدر بشأنها ظهير، وهذا ما كان يحدث عادة وبدون صعوبة كلما دعت إليه الحاجة الأمر الذي يجعل الحديث عن الإجراءات أمام هذه المحاكم وعن تطورها لا يعدو في واقعه أن يكون حديثا عن تطور القوانين والتدابير الفرنسية، لو لا أن هذه القوانين أصبحت مغربية بفضل الظهائر الشريفة التي أضفت عليها هذه الصفة.
وعلى كل فهي بهذا المعنى قوانين مغربية وبالتالي تسمح بالقول بأن القانون الجنائي المغربي عرف في ظلها جميع التدابير التي كانت توجد في تلك القوانين، مثل الوضع في دار للإصلاح بالنسبة لعديمي المسؤولية من القاصرين، ومثل الوضع في ملجأ أو دار للصحة بالنسبة للمجانين من المجرمين، إذا أجرموا في هذه الحالة، ومثل الإقصاء أو الوضع القضائي في سجن فلاحي بالنسبة للعائدين، ومثل إيقاف التنفيذ وغلق المؤسسات وغير ذلك من الإجراءات الموجودة في التشريع الجنائي المغربي.
أما القضاء المخزني فإن اختصاصاته الضيقة والوضع الشاذ الذي كان يوجد فيه لم يسمح له باتخاذ كثير من الإجراءات من هذا النوع( ) لأن أهم القضايا وأخطرها والتي كانت تستوجب الحكم بتلك الإجراءات كانت من اختصاص المحاكم الفرنسية.
إلا أن هذا الوضع تغير بصفة محسوسة بعد صدور مجموعة 1953، فقد اشتمل أول فصل منها على فكرة الدفاع الاجتماعي وتدابير الوقاية، حيث جعل الجريمة لا تستحق العقاب إلا بسبب ما تحدثه من اضطراب في المجتمع، كما تضمن الفصل 16 قائمة من العقوبات الإضافية هي في جوهرها تدابير وقائية، والتي جعلت منها المجموعة الحالية تدابير الوقاية.
وهكذا أصبح هذا القضاء المكلف بتطبيق هذه المجموعة، بمقتضى الفصل العاشر منها يطبق كلا من الإبعاد والاعتقال التأديبي، والعزل والحرمان من الوظائف والمنع من مزاولة المهن أو التمتع ببعض الحقوق والمصادرة الخاصة ونشر الأحكام وتعليقها وغلق بعض الأماكن، وأصبحت بذلك مرحلة الحماية مرحلة خصبة من هذه الناحية، بقطع النظر عن التدابير الأخرى التي بقيت محتفظة بطبيعتها الإدارية والتي لا تقل كثرة عن التدابير القضائية.
إلا أن المجموعة 1953، على الرغم مما اشتملت عليه من إصلاح وتقدم، لم تحقق عملا حاسما في الموضوع ولم تكن سوى مجرد وسيلة للعمل دعت الحاجة إلى إصدارها في انتظار إتمامها وتنفيذها فيما بعد، وهذا هو ما حققه مشروع الاستقلال عندما تبنى على الأخص نظام تدابير الوقاية وأدخله بهذه الصفة في المجموعة الجديدة ليصبح التشريع المغربي، على حد تعبيره، قادرا على الاستجابة إلى ما تتوقف عليه كل دولة عصرية من جديد وليساهم في بناء صرح القانون الجنائي المعاصر.
___________________
( ) محاضرات الأستاذ حسين جميل لمعهد الدراسات العربية العالية، قسم الدراسات القانونية 1965، ص. 16.
( ) المجلة المغربية للقانون، 1954، ص. 49.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *