الأصول العقدية التي بنيت عليها أمريكا

دراسة في الصهيونية المسيحية الأمريكية المعاصرة – الفصل الأول:
يحتل الدين مكانة رئيسية في الحياة اليومية للمجتمع الأمريكي بكل طبقاته على مر القرون, ففي مرحلة الثورة على الإنجليز والاستقلال، كان ” الآباء المؤسسون”يعبرون في خطبهم الحماسية عن مزيج من المشاعر الوطنية والدينية، بل وحتى عندما شهدت أمريكا أخطر مرحلة هددت وحدتها، عند اندلاع الحرب الأهلية بين أهل الشمال والجنوب، كان كل من الطرفين يلجأ إلى الدين لتبرير موقفه،و قدكان رجال الدين في حركة دائمة مع الجنود، يعقدون جلسات الصلاة يوميا، و يشرفون على مواساة الجرحى ويصلون على الموتى في ساحة المعركة وفي هذا الإطار يقول – توماس بايرز-« إن الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أكثر الأمم المتقدمة تدينا بأشواط كبيرة…فاليمين المسيحي الأمريكي يتمتع بسلطة كبيرة على الشعب الأمريكي » .

هذا اليمين المسيحي الذي تكمن جذور أفكاره الدينية اليمينية الحديثة في التطور الفريد للبروتستانتية الأوربية، وبخاصة فيما يتعلق بالمعتقدات القدرية وعلاقة أمريكا بالتدبير الإلهي، هذا الاعتقاد أدى إلى بروز مجموعة من الجماعات والمنظمات الضاغطة ذات الطابع الديني، التي أصبحت تتمتع بنفوذ كبيرة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث تعتبر من الفاعلين الأساسيين في السياسة الأمريكية، بعدما كان تدخل رجال الدين في الشؤون السياسية محدودا، إن لم نقل معدوما في معظم الأحيان .

وللإشارة فإن دراسة الظاهرة الدينية بأمريكا، ومدى تأثيرها على صناعة السلوك السياسي الأمريكي الخارجي، يستوجب رصد أهم المراحل التي قطعها التفكير الديني في أمريكا منذ استيطان الآباء الأوائل في العالم الجديد(المبحث الأول).غير أن هذا المسار الذي رسمه الدين في الحياة اليومية للإنسان الأمريكي سيفضي إلى״بلقنة״ الوضع الداخلي الأمريكي من خلال إطلاق العنان لتناسل المذاهب والمنظمات الدينية التي تسعى إلى تمجيد دور أمريكا الحضاري المتمثل في تخليص العالم وتحضيره لبناء مملكة الرب الكبرى –كما يعتقدون- (المبحث الثاني).

المبحث الأول: مسار تطور المسيحية الصهيونية الأمريكية
لقد شكل الفكر الديني أهم الخصال التي بني عليها المجتمع الأمريكي، فالأفكار الدينية التي حملها البيوريتانيون إلى أمريكا شكلت الإطار العام لأغلب تحركات الآباء المؤسسين، وعليه كما يقول جيمس فن :« لا أحد يستطيع أن يفهم أمريكا وحرياتها إلا إذا وعى وتفهم التأثير الذي باشره وما زال يباشره الدين في صنع هذا البلد .. » سواء على مستوى الالتزام الأخلاقي الديني للأفراد والعلاقات الاجتماعية التي ترتبت عنه (المطلب الأول)أو على مستوى صناعة السلوك السياسي الخارجي لأمريكا وفق الدور الحضاري الذي ارتضوه لها. (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الأصول العقدية التي بنيت عليها أمريكا
يعتبر الدين أحد الركائز الأساسية التي قامت عليها فكرة أمريكا، فقد استلهمت جل حركاتها وسكناتها، ومعظم إسقاطاتها من العهد القديم ، وبذلك نمت مع أمريكا منذ تأسيسها حركة دينية أصولية، ألقت بضلالها على شتى مناحي حياة الإنسان الأمريكي، بل إن إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة قديمة قدم المشروع الأمريكي لا ينتهي الجدل بشأنها .

ففكرة أمريكا ليست في الأصل إلا التطبيق العملي للفهم البريطاني لحكايات العبرانيين، وأساطير إسرائيلهم في الكتاب المقدس، فالمهاجرون الأوائل ظنوا أنفسهم بل سموا أنفسهم إسرائيليين وعبرانيين ويهودا، وأطلقوا على العالم الجديد اسم أرض كنعان وإسرائيل الجديدة ، فهم كما يقول “لي فريد من”:« يريدون أن ينشئوا في أمريكا دولة تيوقراطية تعيد سيرة اليهود التاريخيين، فالخطباء استمدوا نصوص خطبهم من العهد القديم، وأما الآباء فقد استعاروا منه أسماء أولادهم …وكان تاريخ اليهود في العهد القديم قراءاتهم اليومية، بل لربما كانوا يعرفونه أكثر مما يعرفون تاريخ أي شعب ».
وبهذا فكريستوف كولومبس كانت تحكمه رؤية دينية أثناء مغامراته التي قادته إلى اكتشاف العالم الجديد. فهو يعتقد أن« الله جعله رسولا للجنة الجديدة و الأرض الجديدة بعد أن حدثه بها يوحنا المقدس في سفر الرؤيا ..، فقد كان يعتقد بأن مغامراته تأتي ضمن إرادة الرب » .
فالرؤية الدينية التي توجه المستوطنين الأوائل سيجسدونها على أرض الواقع « بتأسيس أول مستعمرة على ساحل فرجينيا التي صيغت قوانينها ونظمها من قداس ديني بكنيسة جيمس تاون سنة 1619، وهم يأملون في إنشاء مملكة الرب ونشر البروتستانتية البيوريتانية بعيدا عن أنظار كنيسة انجلترا الأنجليكانية، وتحكم العائلة الملكية في انجلترا .» .وبذلك فإن اكتشاف العالم الجديد وبناء المستعمرات الجديدة يمكن اعتباره بمثابة تصدير الأزمة التي كانت تعيشها انجلترا إبان التمرد الذي قاده كرومويل الذي استطاع أن يضم إلى صفه أصوات البيوريتانيين الذين فشلوا أنداك في تطهير كنيسة انجلترا، وبديهي ألا يكون هذا الخروج والهجرة إلى العالم الجديد بريئا، فتمثلوه على غرار خروج اليهود من مصر هروبا من ظلم فرعون، ورحيلهم إلى أرض الميعاد التي وعدهم بها الرب . فقد كانوا ينظرون إلى أنفسهم نظرة خاصة وهم يكتسحون أرض الميعاد ( العالم الجديد) وهم يستنسخون فكرة إسرائيل التوراتية التاريخية ويتقمصون شخصيات أبطالها. إن هذا الاعتقاد دفعهم بالتعهد والالتزام مع الرب

على غرار ما فعله العبرانيون مع يهوه حيث أكدوا أنه:« إذا أَمَّنَ الرَّبُّ ذهابنا إلى العالم الجديد سنؤسس مجتمعا تحكمه القوانين الإلهية».
ومن هذا المنطلق يؤكد الأب البروتستانتي جون كوتون:”إن الرب حين خلقنا ونفخ فينا روح الحياة أعطانا أرض الميعاد (أمريكا)؛ وما دمنا الآن في أرض جديدة فلا بد من بداية جديدة للحياة نعمل فيها من أجل مجد هذا الشعب المختار” . ففكرة العهد اللاهوتي تخمرت في أذهان البيوريتانيين الأوائل فجعلتهم مكلفون بمهمة خاصة من الرب قدرها لهم؛ هي تحضير العالم وفك قيوده من أغلال الشيطان ونوازع الشر. وبديهي أن تجد هذه النمطية في التفكير آثارها على أرض الواقع؛ حيث اعتبرت المبرر الأساسي لجرائم البيوريتانيين التي ارتكبت في حق شعوب العالم الجديد كشعب كونوي وجيرانه من شعوب “بوهاتان”و”توسكاروا” و”مونتوك” و”نانتوك” وغيرها من الشعوب التي سلخت من أسمائها وأبيدت ودفنت مدنها وحواضرها وقراها تحت ما سار يعرف أولا “بإسرائيل الله الجديدة” ثم “انجلترا الجديدة” و”أمريكا” فيما بعد .

بهذه الخطوات زحف المجتمع البيوريتاني الذي أراد أن يحول العالم الجديد إلى دولة شبه تيوقراطية ترعاها إرادة الله و تبارك خطواتها ليتجدر بذلك الاعتقاد بأن أمريكا أرض الميعاد وأن ساكنيها الجدد يلزم عليهم أن يكونوا في مستوى أبناء إسرائيل وبذلك «ظل أول من وضعوا النظريات الكونفدرالية مثل القس دانا يؤكدون على أن الشكل الوحيد للحكومة التي أسسها الرب بطريقة واضحة كانت حكومة العبرانيين، كانت تلك جمهورية كونفدرالية ويهودا رئيسها » .وعليه فولادة الجمهورية أعطاهم تصديقا على أن هذه المسيرة التي تجند لها البيوريتانيون الثوار ترعاها يد الله وتباركها حيث أن « آلام ولادة الثورة التي أدت إلى الاستقلال، أيقظت أبناء المستعمرات على رسالة جديدة في المجاهل. وبذلك تحولت إسرائيل الله إلى جمهورية، وصار القدر الاستعماري قدرا وطنيا متجليا » .
فالآباء الأوائل المؤسسون للدولة الأمريكية مثل جفرسون، أدامس، فرانكلين، جاين لم يكونوا معزولين عن التوراة لحظة تأملهم في نمط الحياة الذي يلائم مملكتهم الجديدة وهم بذلك يسقطون

الصهيونية المسيحية الأمريكية المعاصرةنواميس التوراة في بنود وثيقة الدستور الأول لأمريكا من خلال التأكيد على وجه الشبه بين ما نزل على موسى من ألواح وبين ما نزل على قلب واضعي اللبنات الأولى للدستور الأمريكي ، وهم بذلك يغالون ويستطردون في التشبيه والقياس بين شريعة موسى والدستور الأمريكي؛ وبين بني إسرائيل والأمة الأمريكية، ولا غرابة بعد ذلك أن تجد صامويل لانغدون يفتتح كلامه بمناسبة ميلاد الدستور الأمريكي بهذا النص المستلهم من أسفار التوراة حيث يقول :« أنظر لقد علمتكم فرائض وأحكاما كما أمرني الرب إلهي لكي تعملوا هكذا في الأرض التي أنتم داخلون إليها، لكي تمتلكوها، فاحفظوا واعملوا لأن ذلك حكمتكم وفطنتكم أمام أعين الشعوب الذين يسمعون كل هذه الفرائض فيقولون : هذا الشعب العظيم إنما هو شعب حكيم وفطن .

في الحقيقة إنه شعب حكيم وفطن استطاع أن يخرج من كماشة الكنيسة الأنخليكانية وأن يجعل حرية العبادة وعبادة الله كما يشاء المرء دون وساطة بين الإنسان وربه، إنها مرحلة عصمة الكتاب المقدس دون غيره »
وبهذا أصبحت الشخصية الدينية تعتمد على الفردانية في إطار ما يسمى״ بالدين المدني״ أو الإنجيل الاجتماعي، وأصبح المواطن الأمريكي أمام إلتزامين؛ إلتزام نحو مذهبه الذي يؤمن به ونحو قيم المجتمع التي أصبح ملزما للانصياع لها، ولعل السبب في هذه الفردانية هو التنوع الكبير في المذاهب في صفوف البيوريتانيين على شكل أبرشيات مستقلة لكل واحد منها نسقها وطابعها الخاص إضافة إلى مزاحمة الكنيسة الكاثوليكية للكنيسة البروتستانتية من أجل تجنيب الدولة الناشئة الأهوال التي قد يسببها الإعلان عن دين رسمي للدولة من خلال صدام ديني بين الطوائف، وبذلك يكون الآباء الأوائل المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية قد استفادوا من جيرانهم الأوربيين الذين أنهكتهم الحروب الدينية (1648-1618).إذ أسروا على استقلال الكنيسة عن الدولة وعن الكنيسة الأنجلكانية، ليس لهدف إقصاء وإبعاد الدين وفصله عن الحياة السياسية كما حصل في أوربا، وإنما لهدف حماية الدين نفسه من

الدولة، وهذا ما دافع عنه ˝جيمس ماديسون˝ قائلا :« السلطة المدنية يجب إبعادها عن تقرير المسائل المتعلقة بالاعتقاد والعبادة، وأن أعضاء المجلس التشريعي لا يملكون الحق أو افتراض الحكمة لوضع أنفسهم كقضاة للحقيقة الدينية.» وبذلك استجاب التعديل الأول للدستور لهذا النسق الفكري بإقامة جدار فاصل بين الدولة والكنيسة من خلال إقحام عبارة توماس جيفرسون الشهيرة « لا دين رسمي ولا كنيسة رسمية» كبند من بنود الدستور الجديد؛ وبذلك تكون المسألة الدينية أول موضوع يدفع بالآباء المؤسسين إلى تعديل الدستور من خلال السماح بأقصى حرية للفرد المتدين بعيدا عن تسلط الدولة، كل هذا في الحقيقة زاد من تعميق الاعتقاد بالرسالة الإلهية الملقاة على عاتق البيوريتانيين في إنشاء مملكة الله، وهذا ما يتطلب منهم إظهار سمو روحي يجعلهم في مصاف بني إسرائيل التي تحكي أسفار العهد القديم عن طهرا نيتهم، ومباركة الإله يهوه لحركاتهم، إن هذا الطموح والرغبة في السمو الروحي سيجد تجسيده في سلوكات المهاجرين الأوائل، فغداة الاستقلال وفي محاولة لاختيار تصميم لخاتم أمريكا جعل فرانكلين كتصميم لخاتم أمريكا “صورة موسى رافعا يده ، والبحر الأحمر متفلق وفرعون في عربته تبتلعه المياه مع شعار التمرد على الطغاة طاعة لله » أما جفرسون فاقترح رسما لبني إسرائيل في التيه يرشدهم السحاب في النهار وعمود النار في الليل، وعبر عن هذا بصراحة في إحدى خطبه بقوله : إنني بحاجة إلى فضل ذلك الذي هدى آباءنا في البحر كما هذا بني إسرائيل وأخذ بيدهم من أرضهم الأم ليزرعهم في بلد يفيض بكل لوازم الحياة ورفاه العيش ،وهم يسقطون حكايات العبرانيين وسيرة موسى وأسفار العهد القديم والتلمود والأفكار القبلية على واقعهم من خلال صياغتها صياغة تستجيب لمتطلبات العالم الجديد ومن هذا لا يمكننا أن نفهم تأسيس مجلس الشيوخ إلا باعتباره استمرارا لما فعله موسى عندما اشتكى إلى يهوه أنه لا يطيق الحكم وحيدا فأمره باختيار سبعين رجلا من الحكماء والرتباء .
وتجدر الإشارة إلى أن حركة الإصلاح الديني و العودة إلى الكتاب المقدس و بالأخص العهد القديم قد فتحت المجال لأساطير صهيونية لاختراق المسيحية عبر التفسيرات الحرفية للثورات، وبذلك

أخذت اللغة العبرية باعتبارها لغة الثورات مكانها بين اللغات العالمية، واعتبرها الإصلاحيون مفتاحا ضروريا لفهم محتوى التوراة، وبذلك انتشرت العبرية والدراسات اليهودية في الجامعات إلى درجة انه لم يعد أحد يرفض التفسير اليهودي للعهد القديم وبالخصوص التفسير المتعلق بأرض الميعاد واستعادة اليهود لفلسطين، إضافة إلى إشاعة فكرة أن إسرائيل الواردة في العهد القديم تعني كل الجماعات اليهودية في العالم التي وعدها الرب للعودة إلى فلسطين». هذا الوعد بإيفاء النبوءة بإعادة اليهود إلى فلسطين وذلك ليس حبا في اليهود، بل من أجل الوعد الذي أعطي لهم» هذه العودة التي يجعلها الإصلاحيون شرطا واقفا لبداية الألفية الثالثة بتحقيق مشروع« نهاية التاريخ » من خلال وضع أطروحاتها وملاحمها من طقوس تدمير بابل وإبادة أهلها وانتظار عودة المسيح الثانية ليخلص العالم ويعم العدل والسلم والسلام في مملكته بعد القضاء على قوى الشر. وبذلك أصبح هاجس أمريكا التسريع بمجيء هذا اليوم الفاصل حيث ستقام معركة فاصلة مع الشيطان في فلسطين بعد تأسيس دولة يهودية فيها أو ما يسمونه بمعركة – هرمجدون- حرب نهاية العالم، إن هذا الفهم الذي تضفيه قراءة التوراة بفهم يهودي جعل الأمريكيين يبررون التطرف الأصولي، وبذلك فهم مثل اليهود مسكونون دائما بهاجس الخطر الذي يهدد وجودهم، وكما عبر عن ذلك روبرت فولر :«إن الحاجة الدائمة إلى الشيطان والحديث عن خطره المصيري الذي يتطلب فلسفة أمنية متشددة تقتل بالحدس واحتياطات وإجراءات وقائية شديدة التطرف والعنف …وعلى كل حال فإن هؤلاء الأنغلوساكسون البيض البروتستانت أو ما يرمز له بـ WASPمتجدرون ثقافيا في تراث توراتي يمدهم باستعارات أسطورية لكل عماء يهددهم فما أن يتمكنوا من لصق هذه الاستعارات بحادثة أو شخص حتى يصبح سفك الدم عملا مقدسا» إن هذه الاستعارات ولدت في التفكير الأمريكي رغبة إلى تأجيج رغبة الشيطان المحيق بهم من كل حدب وصوب لما فيه من قوة محركة لعجلة التاريخ، فنهاية التاريخ الذي ستعجل أمريكا بدايته هو مؤامرة نصبتها ونسجت خيوطا قوى شيطانية خارقة. وفي هذا الصدد أكد صامويل نويل :«أن الله في علاه يبقي بعض الأمم قوية الشكيمة حرونا عنيدة عن قصد كما فعل من قبل حين أراد أن يعلم إسرائيل الحرب » وبالتالي كان لزاما على الأمريكيين الاهتمام بتراث اليهود لما فيه من إرث مشترك

يستمدون منه تعاليم فك لغز «نهاية التاريخ» وعودة المسيح .ومما لاشك فيه أن هذا الاعتقاد أعاد الاعتبار لليهود في فكر البيوريتانية وكذا الرفع من مكانة اللغة العبرية والسمو بها إلى مصاف اللغات العالمية بل أكثر من ذلك كانت هي اللغة الأم في مجموعة من المستوطنات الأمريكية الأولى إذ أن أول كتاب نشر في العالم الجديد يهودي العنوان هو- pay psalm- وهو ترجمة مباشرة لسفر المزامير وكانت العبرية ضمن الموضوعات الإجبارية في الجامعات حيث أن من بين أول الأطروحات التي قدمت في 1642 أطروحة جامعية بعنوان – العبرية هي اللسان الأم- وقد كانت البروتستانتية البيوريتانية في تلك الفترة أكثر تعصبا لليهودية من اليهود أنفسهم. حيث أصبحت المسيحية الأمريكية مطبوعة بصبغة يهودية إنها – مسيحية يهودية – ارتكزت على مقولتي أرض الميعاد والشعب المختار التي شكلت أساس استعمار أمريكا واستعمار فلسطين فيما بعد. فالصبغة اليهودية للمسيحية دفعتها منذ البداية إلى المطالبة بوطن قومي لليهود في فلسطين قبل أن يدرج هذا في جدول أعمال الحركة الصهيونية.

وكما يقول سيليج أدلر :«إنه منذ فجر التاريخ الأمريكي كان هناك ميل قوي للاعتقاد بأن مجيء المسيح المنتظر لاحق لعودة اليهود إلى فلسطين…كان يشكل جزءا من مصفوفة التاريخ الفكري الأمريكي التي كانت تتضمن دائما خيطا من العصر الألفي السعيد في الفكر المسيحي الأمريكي» .
إن هذا الاعتقاد سيتعرض لأكبر هزة في تاريخ الأمة الأمريكية غذاة الثورة الفرنسية التي هيجت في أمريكا حركة علمانية عقلانية معادية للدين التقليدي واعتبرته «إمبراطورية الخرافة »إلا أن الصحوة الدينية العظمى الثانية* أعادت إلى الأذهان الرسالة الكبرى للبيوريتانية في إقامة مملكة الرب، وانتشرت بذلك« العقيدة الميللية »وظهرت كنائس جديدة على أساسها، حيث دعا ويليام ميللر على غرار ما ذهب إليه القس شارلز فيني على أن عودة المسيح الثانية بين 21مارس 1843و12 مارس 1844 اعتمادا على سفر دانيال . إلا أن عدم تحقق هذه النبوءة لميللر خلق خيبة أمل لدى الجمهور الأمريكي المتعطش إلى حياة الألفية السعيدة. إن المسيح سيعود باعتبار ذلك تدبيرا إلهيا بعد توقف

التاريخ، وستكون النهاية بمعركة هرمجدون قبل المجيء الثاني للمسيح وستكون إحدى علامات نهاية التاريخ الممهدة لهذه المعركة عودة اليهود إلى فلسطين إنه حلم إقامة مشروع مملكة الرب التي يعم فيها الأمن والسلام والعدل و« أن تؤسس على الأرض أنبل معبد تم بناؤه لتسبيح وعبادة الأعلى والأقدس والحق وستكون أرضه عبارة عن نصف الكرة الأرضية وسقفه السماء المرصعة بالنجوم.. وجنوده من المصلين عبارة عن اتحاد من جمهوريات عديدة تضم مئات من ملايين السعداء.» إنها معالم كبرى مما لاشك فيه ستكون المؤطر الأساسي لحركات وسكنات الشعب الأمريكي سواء في مواجهة معيقات الارتقاء الروحي للأفراد ثم تبديد عوائق إقامة مملكة الله في علاقتهم بالآخر ومواجهتهم لشعوب العالم .
دور العامل الديني في السياسة الخارجية الأمريكية



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *