العامل الأخلاقي والنفسي / التربوي – المطلب الأول: 
فقرة أولى : العامل الأخلاقي
يعتبر هذا العامل من بين أهم العوامل الرئيسية في انتشار الرشوة، وتتجلى أهمية هذا العامل في انعدام الوازع الديني والتربوي، والأخلاقي المستمد من الشريعة الإسلامية التي تعرض بالظاهرة وتجعلها ضمن دائرة الحرام الذي يلا يدوم وإن دام لا ينفع، وانعدام الضمير المهني لدى الموظفين وعدم التفاني في أداء العمل الواجب الملقى على عاتقهم، ذلك بأن عدم الاكتفاء المصحوب بغياب الخوف من الله عز وجل يؤذي إلى الجزع والجشع. أما الذين يسقطون في الرشوة فلا يأبهون بأهمية الأخلاق الحميد ولا بصحوة الضمائر إذ ينظرون إلى هاته الأشياء بأنها تقاليد تافهة لا يجب التشبث بها ولا يهمهم غير الاغتناء اللامشروع وتحقيق المصالح اللاقانونية.

وسبب انتشارها بهذا الشكل هو إحساس الجمهور بعدم منافاة الرشوة لنظم المجتمع، فبعد أن كان المرتشي يعد في نظر المجتمع مرتكبا لأسوأ خطيئة وأعظم ذنب، أصبح الأفراد يشعرون بان دفع الرشوة لإنجاز أعمالهم لا يعتبر جريمة، بل لا يطلقون عليها حتى مصطلح “الرشوة” واختلقوا لها تسميات جديدة( ).
وللأسف فقد عششت ورتبت في التفكير، وكل هذا بسبب البعد الديني لدى أولئك الذين يستسيغون طعام الرشوة، فالموظف إذا كان مشبعا بروح دينه تعفف عن طلب أو قبول الرشوة لأنه يعتبرها فعلا محرما بدليل القرآن الكريم والسنة النبوية لهذا يجب تقوية هذا الوازع لدى الموظفين عن طريق، مثلا: النشرات الداخلية أو عن طريق المحاضرات العامة أو عن طريق الصحافة الناطقة والمسموعة والمرئية وكذا المقروءة.

فقرة ثانية: العامل النفسي / التربوي
وللرشوة أيضا جذور نفسية/تربوية تنعكس في دور المواطن العادي من مـوقف الابتزاز الذي يتعرض له بمناسبة تقـديم الـرشوة فهـو بروح الانهزامية المتأصلة فيه يفضل اختصار الطريق، وتجنب الدخول في مواجهة مع الإدارة التي يعرف مسبقا بأنها تملك وسائل خاصة للانتقام منه، ولاشك أن كل واحد منا يستطيع تمثل ذكراه مع سياسة التطويع التي تنطلق من سلطوية الأسرة، مرورا عبر سلطوية المدرسة لتنتهي إلى أورقة الإدارة، حيث يأتي مشكلا وفقا لصيغة معدة قبلا بشكل لا يعوزه وجود المرامي البعيدة، وحيث يكون مستعدا لتقبل أي موقف يبديه رجل الإدارة للسلطة حياله من التماطل في قضاء المصلحة إلى الدخول في متاهة تعقد الإجراءات والمساطر ثم مظاهر الغطرسة والإحساس بالتفوق في تلبية الخدمة…

وبموازاة مع ذلك يكون المواطن مشلولا عن إبداء أي رد فعل حازم لاستعادة حقوقه لأنه يخشى كذلك أن يعزل ويستهدف، وفي المقابل يجد أمامه وسيلة سهلة وبسيطة لاختزال كل ذلك في ورقة نقدية (10 دراهم) تغنيه عن الدخول في كل هذا العناء، إنه يهئ نفسه بشكل قبلي حتى يكون أرضية صالحة لممارسة مختلف أنواع الإكراه والابتزاز المادي والمعنوي لتبقى الرشوة في بعدها المادي جزءا من كل ما يتشعب عبر ظاهرة

مختلفة.
وإذا كان المواطن يقبل بأن يتعرض لابتزاز /الرشوة لعالم الخوف وذل الخضوع، فإنه يفعل ذلك أيضا تحت ضغط جهله بحقوقه وواجباته الناجم عن أميته.
بينما أن الدافع النفسي للقبول بوضع المبتز من طرف المواطن يوازيه وجود دافع نفسي للقبول بوضع المشارك في عملية الابتزاز، و هذا أمر واضح من خلال حالات لشراء صمت الإدارة أو تواطئها في عمليات مشبوهة تمس الحق العام في الصميم وتعرقل مسار التنمية بصفة عامة.
وتتطور هذه العوامل لتتخذ بعدا أكبر يعين هذه الظاهرة الخطيرة على انتشارها في مجتمعنا حيث لا يتم الأخذ على يد المتورطين من الكبار فلا يضرب بهم المثل فنقع فيما إذا ارتشى (الشريف) لم يرتدع وإذا ارتشى (الصغير) يقمع أحيانا، حتى إذا حاولوا محاربتها فإنهم لا يذهبون إلى الأصل والجذر فتراهم يقولون ما لا يفعلون فلا يتخذون إجراءات واقعية حاسمة.

المطلب الثاني: العامل الاجتماعي والعامل الاقتصادي :

فقرة أولى: العالم الاجتماعي
ومن الذين قالوا بأهمية هذا العامل في انتشار هذه الظاهرة نجد الباحث “كولاني” ( ) حيث أرجع في كتابه “علم الاجتماع” الصادر سنة 1889 السبب الأساسي لانتشار هذه الظاهرة بصفة عامة إلى العوامل الاجتماعية وحدها، تأسيسا على أن الاستعداد الشخصي للرشوة يكون نتيجة تأثير عوامل اجتماعية معينة، ويرى بأن إصلاح المجرم يقتضي إزالة الأسباب الاجتماعية التي أنشأت لديه استعداده لارتكاب جريمة الرشوة.

-والعامل الاجتماعي مجموعة من المؤثرات والظروف تحيط بالجاني تجعله يتخذ سلوكا مضادا للمجتمع، فالمجتمع الذي تسود فيه الأمية والجهل، والفقر وانعدام الوعي القومي، والوازع الديني والخلقي والضمير المهني، وكذا انتشار ظاهرة الفوارق الطبقية، فإنه لا محالة سوف يعرف الرشوة بشكل حاد وكبير حتى تصبح شيئا معتادا وأمرا لازما لقضاء الحاجات كما هو الحال الآن ببلادنا فقلما يوجد موظف لا يتقاضى الرشوة والشاذ هو من يتعفف عن قبولها.

وانتشار هذه الظاهرة ببلادنا ليس بالأمر العجيب مادام المجتمع نفسه هو المسؤول بالدرجة الأولى عن انتشارها، فالرشوة كما يرى عالم الاجتماع الفرنسي “إيميل دوركهايم” ( ) ظاهرة طبيعية سوية تشيع في كل المجتمعات على اختلاف درجة تطورها.

فقرة ثانية: العامل الاقتصادي
أجمع الباحثون والدارسون على أن انتشار هذه الظاهرة يرجع إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما أعقب ذلك من انعكاسات خطيرة على المجتمعات البشرية حيث أدى تضخم الأوراق النقدية إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الأساسية في حين ظلت الأجور ومرتبات الموظفين جامدة( ).
والملاحظ أن الأستاذ “صلاح الدين عبد الوهاب” يشارك الاستناد “أجوييد” في فكرته فهو أيضا يعزي انتشار هذه الظاهرة إلى ارتفاع مستوى المعيشة عقب الحرب العالمية الثانية واضطراد هذا الارتفاع مع عدم الزيادة في أجور الموظفين والمستخدمين زيادة مماثلة، وهذا ما أدى إلى انتشار الرشوة في جميع الدوائر العامة والخاصة.

وفي نظر الأستاذ “عبد الوهاب”( ) فقد أصبح الأولى اعتبار الرشوة أصلا من أصول الحياة فمنذ سنة 1971 عرف العالم أزمات اقتصادية وارتفاعا مستمرا في المواد الأساسية وغيرها فكان هذا سببا في تعاطي الموظفين للرشوة حتى يتمكنوا من مواجهة تكاليف الحياة الباهضة فاتبع أكثرهم سلطان المادة خاصة بعد ح ع ii حيث اضطربت الموازين الاقتصادية واختفت القيم الاجتماعية وبذلك وجد الموظفون في الرشوة طريقا سهلا وسريعا للثراء على حساب الآخرين.

وفي إطار البحث عن الأسباب العميقة لانتشار الرشوة توصل الباحث “يسنطة سراسورو” إلى أن المال في إفريقيا أصبح شيئا مقدسا إلى حد الوثنية فهذا الباحث يرجع انتشار هذه الظاهرة إلى نفس ما قاله الباحثان السابقان (أي المال) غير أنه ينحو اتجاها آخر في تفسير ذلك، إذ يرى أن أجور الموظفين العموميين هزيلة بالمقارنة مع أجور القطاع الخاص، لهذا يضطر الموظف العمومي للجوء إلى الرشوة حتى يستطيع العيش في نفس مستوى القطاع الخاص( ).

ومما يدفع موظفي الإدارات العمومية إلى الارتشاء في نظر الباحثة الأمريكية “سوزان إكيرمان” ( ) تدني الأجور في البلدان النامية، ففي كثير من بلدان العالم الثالث، يفرض محصلو الضرائب على الأفراد والشركات أداءات إضافية يستغلونها لصالحهم مما يحفزهم على تحصيل أكبر مبلغ ممكن من الضرائب، فيسعى الأفراد والشركات بدورهم إلى تجنب أو تخفيض تكاليف الضرائب والمكوس وأعباء أخرى تفرضها الدولة عليهم مما يدفعهم إلى أداء الرشوة.

وخلاصة ا ستنتجناه من أقوال هؤلاء الباحثين، في حديثهم عن أسابا استفحال الرشوة –هزالة المقابل المادي (الأجور) الذي يتقاضاه الموظف عن ممارسته لمهامه فيسلط المحتاج على من هو أحوج منه بطريقة اضطرارية، وهذا ما يعكس الخطأ الجسيم الذي ارتكبته الدولة في خلقها لوضع التراتبية الطبقية بين موظفيها لتخلق منهم الهامشي المفقر إلى حد الإدقاع مقابل البرجوازية مع أن النظام الرأسمالي الذي ينجع قيادته بتبني أسسه ومبادئه لم يكن يتخذ حسب ما نعلم من الوظيفة مجالا لخلق التراتبية الطبقية على شاكلة الوضع الفاحش الذي أصبح يعرفه واقع الوظيفة العمومية في المغرب لأن مجال الفوارق هو القطاع الخاص، حيث تعمل رؤوس الأموال الخاصة وتتنمى في نطاق مراقبة الدولة، بينما يبقى القطاع العام، موقوفا على خدمة الصالح العام، بعيدا عن الأهداف التي أضحت مكتوفة المثبتة من طرف بعض الفئات في نقل واقع الاختلاف المادي إلى ميدان الوظيفة العمومية للاحتفاظ بمواقع السيادة والهيمنة الكاملة.

وقد تم طرح عدة اقتراحات للتقليص من الأجور العليا والزيادة في الأجور الدنيا يهدف التقريب من الفوارق إلا أنه قوبل بالرفض، والكاد تم تجميد الأجور العليا مع الاستمرار في الاحتفاظ بالجور الدنيا كما في الغالب أدى إلى تجميد الحوار الاجتماعي وتنامي حركة السخط والتذمر، وليس من مظاهر الكره أو الحقد أن يطلبها الموظف مقابل عن خدمة يؤديها بمثابة حق المستفيد، لكنه يضطر إلى طلب المساعدة في شكل آخر هو الرشوة أما الدولة فإنها تتقاضى لأنها تجد في ذلك إراحة من عناء المواجهة في معالجة المشكل من جذوره.

واستعملت الهدية في تمتين أواصر العلاقات بين الدول، فكان تبادل الهدايا ولا زال ساريا عند الزيارات المتبادلة بين الملوك والرؤساء تدعيما للعلاقات وإظهارا لحسن النوايا.
إما إذا ساب هذه الظاهرة مقابل محدد أو تزينت بالرغبة في قضاء حاجة معينة حادت عن جادة الصواب وزاغت عن سكتها الصحيحة وصار الباب مفتوحا على مصراعيه للفساد والاضطراب وعدم الاطمئنان عل الحقوق والمصالح، وأصبح حينها الحديث عن الرشوة أمرا لا غبار عليه، وقد عرفت هذه المجتمعات الإنسانية كذلك هذا التحول والانزياح في مفهوم الهدية قديما وحديثا، وحسبنا أن نتأمل في هذا الصدد قصة نبي الله سليمان مع ملكة سبأ “بلقيس” وكيف أنه عليه السلام استشعر البعد القصدي الذي تلبس الهدية التي أرسلتها إليه هذه الملكة، واشتم رائحة الرشوة التي تفوح منها، فكان جوابه حاسما في رفض هذه الهدية والرد عليها بالجواب المناسب الذي أورده الله تبارك وتعالى فيما يرويه عن نبيه سليمان قال: ” فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون”.
المبحث الأول : بعض عوامل إنتشار ظاهرة الرشوة
الفصل الثالث : عوامل انتشار الرشوة انعكاساتها سبل مكافحتها
موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة

 

موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة