سبل مكافحة ظاهرة الرشوة (المغرب كنموذج) – المبحث الثالث:
المطلب الأول: الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة والفساد تراسنبالاشي المغرب
الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة هي جمعية وطنية، انبثقت عن إرادة فعاليات مغربية اتفقت على تكوينها، لكي تساهم في تقوية الشبكة الدولية لمحاربة الرشوة (ترانسباراشي الدولية) ولتبادل التجارب بين الفروع الوطنية للمنظمة الأم.
انخرطت منذ إنشائها في 6 يناير 1996، في حركة تهدف إلى وضع حد للوضع الفاسد الذي يعرفه المغرب.

ذلك أن الرشوة تجاوزت حدود الذهب المباشر وغير المباشر وأصبحت تشكل مؤسسة حقيقية تعرقل مسار التنمية الشاملة ومسار الديمقراطية بهذا البلد.
ومحاربة الرشوة هي من قبيل الدفاع عن حقوق المواطنة والإنسان الذي بدأ يتنامى الشعور بهما خلال السنوات الأخيرة.
وتعمل ترانسباراشي المغرب على التنسيق مع كل الجهات التي تهتم بمجال عملها أو مجال تابع لها، أو تشاطرها نفس الهدف في محاربة الرشوة وتخليق الحياة العامة، مع محافظتها على استقلاليتها في مواجهة هذه الظروف.
وأنشطة “ترانسباراشي المغرب” تعكس الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها حيث تقوم بإنجاز دراسات حول ظاهرة الرشوة بالمغرب، لكي تمكن المتخصصين والمهتمين من فهم حقيقة الظاهرة وميكانيزماتها كما تقوم بنشر نتائج هذه الدراسات.

الفقرة الأولى: أهداف الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة
أولا: المبادئ الأساسية للجمعية
تولدت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة عن قناعة بأن قيم النزاهة والاستقامة داخل مجتمعنا هي شرط ضروري لكي يتمتع الشعب المغربي بمستوى عادل من التنمية والاطمئنان الذي يستحقه فهي تعتبر أن مزاولة أي مسؤولية تحتم الالتزام بمبدأ تقديم الحساب، كما تؤكد على أن الرشوة تساهم في تفقير الشعوب وتعيق مسار التنمية مما يؤثر على بناء المواطنة الحقة ويهدد مصالح البلاد.

فمحاربة الرشوة هي إذن مسؤولية مستعجلة، وهي تنطلق من معالجة الأسباب الكامنة وراء عرقلة مسار التنمية، وهي تستدعي أكثر من أي وقت مضى العمل المشترك بين المجتمع المدني من جهة، والمقاولات والمهن الحرة والتنظيمات المهنية والتشكيلات السياسية ووسائل الإعلام … دون إغفال دور القضاء المستقل وباقي السلطات العمومية الأخرى كما تستدعي نزع ثقافة الخوف من السلطة داخل المجتمع والتي كرست حواجز في وجه العمل على محاربة الرشوة كما تعتبر أن تطوير المسالك القضائية يسمح أيضا بتطوير مراقبة الجهاز التنفيذي والإداري.

ثانيا: أهداف ترانسباراشي المغرب
تعمل ترانسباراشي على النهوض بقيم الاستقامة والشفافية والنزاهة، فهي تجعل المصلحة العامة دائما في مقدمة انشغالاتها، وتنتهز كل فرصة للحد من الرشوة ومن آثارها السلبية، وتصنع ضمن انشغالاتها مواجهة ثقافة الخوف كما تعمل على تقديم المساعدة والدفاع عن ضحايا الرشوة كما تهدف برامج عملها إلى مساندة كل التدابير الرامية إلى إرساء نظام حقيقي لحسن تدبير الشأن العام.

فترانسباراشي المغرب تعمل بشكل خاص من أجل:
 تعميق المعرفة بظاهرة الرشوة من خلال دراسة مسبباتها وطرقها وتجلياتها ومختلف انعكاساتها.
 تكوين رصيد وثائقي حول الموضوع يتضمن بالأساس المعلومات والدراسات المتوفرة.
 الدفع بالأوساط المهنية و السياسية والتجمعات الأخرى المستهدفة إلى الانخراط في تعبئة مستديمة ضد الرشوة .
 اقتراح إجراءات مؤسساتية وقانونية كفيلة بالرفع من مستوى الشفافية في المعاملات والعلاقات العمومية وتدعيم الحماية من أفعال الرشوة ومعالجتها.
 العمل من اجل تحقيق تواصل فعال يرمي إلى تحسيس الرأي العام بانعكاسات الرشوة وبالعوائق التي تصنعها في وجه التنمية.
 تنمية وإنعاش المبادرات الرامية إلى التقليص من لا مبالاة المواطنين تجاه الظاهرة وتعزيز وسائل محاربتها، وذلك عبر هيئات الجمعية أو من خلال شبكات أخرى.

وتحتفظ الجمعية بإمكانية اللجوء إلى جميع الوسائل الملائمة بما فيها الجهاز القضائي لتحقيق أهدافها( ).
فترانسباراشي المغرب تسعى إلى المشاركة في حماية وتشجيع الأخلاق الديمقراطية والمساهمة في تنمية البلاد وكذا إقرار المزيد من العدالة على الصعيد الوطني والدولي على حد سواء.

ثالثا: برنامج عمل ترانسباراشي المغرب
برنامج عمل “ترانسباراشي المغرب” يستلهم مبادئه من ميثاق ترانسباراشي الدولية.
ولكي يتم تفعيله فقد تم بلورته في استراتيجية ترتكز على مجموعة من المحاور( ).
-إعلام الرأي العام بمختلف تجليات الرشوة وتحسيسه بانعكاساتها الخطيرة وذلك من خلال تنظيم ملتقيات وتجمعات عمومية ونقاشات وندوات ودراسات وكذا بجمع ونشر المعلومات والتقارير والإحصائيات المتعلقة بهذا الموضوع والهدف من كل ذلك هو محاربة اللامبالاة والسلبية اتجاه هذه الآفة.
-تحليل الآليات إلى تشجيع ممارسات الرشوة ودراسة الوسائل القانونية لإيقافها.
-دراسة الوسائل القانونية والتنظيمية المتوفرة والعمل على أن يكون تطبيقا فعليا وفعالا.
-كشف مواطن القصور في المقتضيات القانونية مع اقتراح التعديلات التي ينبغي القيام بها الهيئآت المعنية.
-مساعدة المقاولات والمؤسسات التي تعمل من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي ترغب في استئصال الرشوة وذلك من خلال تسيير استفادتها من التجارب التي تمت في بلدان أخرى.
-مدها بالخبرة والمساهمة لتطبيق قواعد السلوك المطالبة للشفافية وكذا تشجيع بروز محالات متحررة من آفة الرشوة تكون بمثابة واحات من الشفافية.

الفقرة الثانية: استراتيجية “ترانسباراشي المغربي” لمحاربة الرشوة والفساد.
تسعى “ترانسباراشي المغرب” إلى إقرار قيم النزاهة والشفافية في تدبير الشأن العام وفي الحياة اليومية، وتشكل استرتيجيتها لمحاربة الفساد في المغرب الإطار العام الذي تتحرك داخله أنشطة “الجمعية المغربية” المتعلقة بمحاربة الرشوة والفساد.

واستراتيجية “ترانسباراشي المغرب” تتفق بشكل واضح مع التوجهات الدولية التي صاغتها المنظمة الأم، والتي ترتكز بالأساس على التحسيس بخطورة الظاهرة على المستوى الوطني والدولي، وكذا على تبني مقاربة شمولية علاجية لشرك جميع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والمجتمع المدني لأجل وضع حد لهذه المشكلة.

أولا: تحسيس الرأي العام الوطني بخطورة الرشوة
يعتبر الرأي العام القوي في البلدان الديقراطية، عاملا للضغط على الحكومات لأجل إجبارها على الالتزام بمبادئ الشفافية والنزاهة، فالرأي العام القوي يمكنه أن يجبر الحكومات على تقديم الحسابات، كما يمكنه المطالبة بعدم استمرار المسؤولين الفاسدين في مناصبهم ( ).
وتسيير الجمعية المغربية في اتجاه خلق وعي وطني شامل بخطورة الرشوة لكي يتمكن الجميع من الوقوف على حقيقة الظاهرة ومن ثم العمل على محاربتها ولتحقيق ذلك، تقوم الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة بمجهودات مختلفة بهدف التحسيس والتعريف بهذه الظاهرة التي تنمو في الخفاء والتي تمس جميع مجالات الحياة اليومية بدون استثناء.

 ومكننا التمييز بين العمل التحسيسي المباشر “لترانسباراشي المغرب” والتي يتخذ شكل حملات تحسيسية وبين اعتماد وسائل غير مباشرة للتوعية، يتم من خلال تمرير خطابات محاربة الرشوة، كوسائل الإعلام ونشر نتائج الدراسات والإحصائيات المنجزة بهذا الخصوص.
 التركيز على وسائل الإعلام
تشكل وسائل الإعلام دعامة أساسية في الترويج لنشاط الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة كما يساهم في فتح المجال أمام مواكبة تطورات ملفات الفساد التي تم فتحها خلال حكومة التناوب.
 فالعلاقة بين نشاط الجمعية المغربية والإعلام الوطني هي علاقة تكاملية لأن نشاط الجمعية المغربية التحسيسي لا يمكنه أن يتوسع وتتعمم فائدته، في غياب هذه العلاقة، وحضور الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة في وسائل الإعلام سواء المكتوبة أو المرئية المسموعة، هو حضور ضعيف، إذ أن هذا الحضور يرتبط عادة بمنسبات خاصة كاليوم الوطني للرشوة، أو بمناسبة عقد الجمعية لندوات صحفية بهدف إخبار الرأي العام بجديد “الجمعية المغربية في ميدان محاربة الرشوة”.

ويتسع هامش حضور أنشطة ترانسباراشي التحسيسية المغرب في وسائل الإعلام المكتوبة في حين يضيف أكثر في المجال السمعي البصري، باستثناء الوصلات الإشهارية التي يتم بثها من وقت لآخر، والتي يساهم المرصد الوطني للرشوة في نشرها سواء على القنوات المرئية المسموعة المغربية أو على صفحات الجرائد الوطنية، وللإشارة فإن المرصد للرشوة الوطني انطلق في يونيو 2001 بهدف توفير قاعدة المعلومات حول الرشوة.
وتجدر الإشارة إلى غياب الإعلام الالكتروني الخاص بقضايا الرشوة في جزء كبير منها من الصحافة المكتوبة( ).
المغرب فالإعلام اليوم أصبح يتماهى مع التطورات التكنولوجية الحديثة، بحيث أصبحت الصحافة والإعلام الالكتروني مع العلامات المميزة لعالم تطبعه إكراهات العولمة، فالصحابة الالكترونية تسمح بالانفتاح، وبالتالي يسهل على النشاط التحسيسي لمحاربة الرشوة أن يصل إلى أبعد نقطة بهذا العالم، بحيث يمتد إلى خارج الحدود الوطنية، وليشكل حتى أبناء الوطن المقيمين بالخارج، خاصة و أن الصحافة الإلكترونية تعطي هامشا أوسع من حرية التعبير وذلك بسبب صعوبة التحكم في المنتوج العلمي الحديث.

هذه العلاقة التكاملية بين عمل المجتمع المدني وسائل الإعلام المغربي، تبرز أيضا في النشرات الإخبارية الصادرة سواء عن “الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة” أو المرصد الوطني لمحاربة الرشوة، والتي يمكن اعتبارها بمثابة مساهمة في إخبار الرأي العام المغربي بكل ما يرتبط بقضايا الرشوة والفساد في المغرب وتستدعي هذه العلاقة أيضا توسيع قاعدة التكوين في ميدان محاربة الرشوة لتشمل أيضا تكوين الصحفيين، وهو الأمر الذي يمكنه أن يساهم في توجيه الرأي العام في الاتجاه الصحيح ويعطي قوة أكبر للعمل التحسيسي المشترك، الذي يتكاثف لأجل تبليغه للرأي العام جهود الجمعية من جهة والصحافة الوطنية من جهة ثانية فأغلب المنظمات التي تأخذ على عاتقها مسؤولية الدفاع عن قضايا من نفس الحجم (البيئة مثلا) تعطي أهمية خاصة لتكوين الصحافة في مجال تخصصها وذلك نظرا لأهميتها ومكانتها داخل المجتمعات.

 نشر نتائج الدراسات والتحقيقات والتقارير
يمكن إنجاز الدراسات حول ظاهرة الرشوة بالمغرب من فهم أوسع لظاهرة الرشوة وميكانيزماتها الداخلية، يستفيد من هذه الدراسات المتخصصون والمهتمون بقضايا الرشوة وذلك من خلال نتائج هذه الدراسات.
وقد أجرت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة في نهاية السنة الفارطة تحقيقا ثم نشر نتائجه خلال اليوم الوطني السادس لمحاربة الرشوة، وركز هذا البحث على التعرف على واقع الرشوة في المغرب وذلك من خلال سلسلة من استطلاعات الرأي شملت مناطق متعددة من التراب الوطني كما شملت هذه الدراسات مجموعة من العينات بحيث اعتمدت هذه الدراسة على 400 مقاولة ، كانت 7 % منها من الدار البيضاء وكذلك شملت 1000 أسرة.

أسفرت نتائج هذا التحقيق عما يلي:
اعتبار الرشوة عائقا أساسيا أمام نمو المقاولات المغربية بنسبة 94 % من المقاولات المستجوبة، في حين اعتبرت 87 % من الأسر المغربية أن الرشوة تأتي مباشرة بعد البطالة وتدني مستوى المعيشة والبيئة.
وأكد المستجوبون أن الرشوة موجودة في كل مكان في القطاع الخاص والعام على حد سواء، و أن طابع الابتذال والتداول في واضحة النهار، يرجع إلى غياب وسائل الردع والعقاب.
في حين يرى أرباب المقاولات أن الإدارات التي تعاني من هذه الآفة هي شرطة المرور في المقام الأول بنسبة 99 % منم المستجوبين، الشيوخ، والمقدمين بنسبة 97 % ووزارة النقل ب 96 % ، الإدارة المحلية بنسبة 32 % القضاء بنسبة 86 % والمكلفون بالضرائب بنسبة 82 %.

وبالنسبة لأرباب الأسر فإن المقدمين والشيوخ يأتون في أعلى الترتيب بنسبة 86 % الإدارة المحلية ب 76 % والجمارك بنسبة 75 % أما القضاء بنسبة 69 %.
وبخصوص اللجوء إلى التعامل بالرشوة، فقد أقرت 81 من المقاولات المغربية بتعاملها بالرشوة ولو لمرة واحدة لشرطة المرور، وبالنسبة لرجال الجمارك فقد لجأ إليها 65 % من المستجوبين.
من جهة أخرى فإن الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة تقوم بإنجاز مجموعة من الدراسات الأكاديمية حول مختلف الجوانب المتعلقة بالرشوة، في إطار سلسلة من الكتب التي تتولى الجمعية إنجازها ونشرها.

كما تقوم بإصدارات دورية نصف شهرية “لنشرة الشفافية تتضمن مواضيع مختلفة متعلقة بالرشوة وقضاياها في المغرب.
من جهة أخرى يسعى المرصد الوطني للرشوة و الذي أنشئ في 2001 إلى توفير قاعدة من المعطيات ، يتم تجميعها ودراستها بهدف الخروج بتقرير سنيو عن الرشوة في المغرب، ويكون بمثابة قراءة أوسع وأعمق لما يتضمنه التقرير السنوي للرشوة الصادر عن “ترانسباراشي الدولية” عن وضعية الرشوة والفاسد في المغرب.

 حملات التحسيس المباشرة:
إلى وقت قريب كانت الجمعية المغربية تلجأ إلى عمليات تحسيسية تتوجه إلى الشارع المغربي لكن هذه المبادرة سرعان ما تراجعت، وذلك بسبب عدم تحقيقها للنتائج التي كان ينتظر منها، لهذا اتجهت الجمعية المغربية إلى التركيز على حملات التوعية داخل المدارس، وذلك في إطار شراكة مع وزارة التربية الوطنية، على اعتبار أن أبناء اليوم هم دعامة للمستقبل ورجال الغد، كما تقوم بمناسبة اليوم الوطني للرشوة بفتح أوراش تحسيسية وندوات ولقاءات صحفية.
كما تعتمد على الشعارات والملصقات والشارات وبطائق التهنئة، وذلك للتعريف بالجمعية من جهة، وبنشاطها في محاربة الرشوة من جهة ثانية.

سبل مكافحة ظاهرة الرشوةثانيا: اشتراك جميع الفاعلين في مسؤولية محاربة الرشوة
تعتبر “ترانسباراشي المغرب” أن محاربة الرشوة هي مسؤولية للجميع لذلك فمن الضروري تنسيق الجهود الوطنية بين مختلف الفاعلين لأجل وضع حد للوضع الخطير الذي وصلت إليه الرشوة في بلادنا.

1-التنسيق مع فعاليات المجتمع المدني.
تهتم الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة بالتعاون مع النسيج الجهوي، لخلق فضاء تشاركي بين جمعيات المجتمع المدني، التي تمثل جميع القطاعات، وفئات المجتمع المدني المغربي والتي تستجيب لتفعيل ميثاق دجنبر 1998 ولمقتضيات إعلان ليما 1997.
وتعمل ترانسباراشي المغرب بالتعاون مع نسيج جمعوي (يتكون من حوالي 50 جمعية وطنية) تقوم بمساعدة الجمعية ودعمها في حركتها ضد الرشوة والفساد.

2-التنسيق مع فعاليات حكومية
تنفتح ™ في نشاطها لمواجهة الرشوة على جمعيات وفاعلين آخرين بحيث تقوم الجمعية بالتنسيق مع جهات رسمية متعددة كما أن لها علاقات متعددة مع مجموعة من البرلمانيين، والذين من خلالهم تعمل الجمعية إلى إيصال صوتها إلى الجهاز التشريعي( ).
وقد انخرطت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة في إطار اللجنة الوطنية لمحاربة الرشوة في عمل مشترك إلى جانب الدولة، لكن الجمعية المغربية فضلت الانسحاب من هذه اللجنة وعللت انسحابها بتحول اللجنة إلى مجرد إطار لتبادل المعلومات في الوقت الذي ينتظر من اللجنة أن تطور خطة عمل على المدى القصير واستراتيجية على المدى المتوسط والبعيد و أن تخرج إلى الوجود مجموعة من الإجراءات من بينها خلق مكاتب استقبال وإرشاد المواطنين تتكفل بأخذ شكايا تهم بعين الاعتبار، وخلق لجنة لمتابعة ملفات الرشوة والفساد التي طرحت على الرأي العام.

وكذا خلق مؤسسات الوسط ومن جهة ثانية، فقد ساهمت (t m) في مراقبة عمليات الانتخابات، 27 شتنبر وقد لاحظت في إطار النسيج أن “المال الحرام” لازال حاضرا في الاستشارات الانتحابية، رغم كون الانتخابات الأخيرة هي الأحسن من نوعها في تاريخ المغرب لهذا فمن الواجب تفعيل النصوص القانونية للوقوف أمام استمرار مساس الرشوة بالحياة السياسية في المغرب.

المطلب الثاني: نحو مقاربة إصلاحية لتخليق الحياة العامة بالمغرب

يعتبر التخليق مدخلا رئيسيا لإصلاح الشأن العام، ومرتكزا لكل المبادرات الإصلاحية، لأن مواطن الخلل التي تسكن دواليب الإدارة المغربية يمكن إرجاعها إلى أسباب أخلاقية.
فالأخلاق كما جاء في الرسالة الملكية السامية الموجهة للندوة الوطنية لدعم الأخلاقيات بالمرفق العام في أكتوبر 1999 هي “أساس من أسس الدولة تقوم بقيامها وتنهار بانهيارها”.
ويبقى هاجس تخليق الحياة العامة يطرح نفسه على كل إدارة لمحاربة الرشوة والفساد سواء على المستوى الوطني أو الدولي لهذا فإن أي سياسة لتخليق الحياة العامة، يجب أن لا تنحصر في مجرد الاستجابة الآنية لظرفية معينة تسعى لترضيتها، بل يجب أن تتضمن المطالب الحقيقية للمواطن، والتي لا يمكن تحقيقها في غياب تعميق الوعي بأهمية إقراره الشفافية والعمل بها داخل المؤسسات العامة( ).

فالمقاربة الإصلاحية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار، جميع الفاعلين المعنيين بمحاربة الرشوة وبقضاياها من جهة، كما يجب أن تراعي من جهة أخرى تشعب ظاهرة الفساد وامتدادها لتشمل واقع الحياة اليومية في كل مجالاتها، بالإضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار الدروس المستقاة من التجربة المغربية في مجال مكافحة الرشوة، والتي لم يكتب لها الاستمرارية في السابق وذلك بسبب استجابتها لظرفية معينة اجتماعية أو سياسية مما يجعل حملات التطهير غالبا تحيد عن هدفها الأساسي في استئصال الممارسات الضارة بالمجتمع، فأهداف تخليق الحياة العامة يجب أن تتبنى مقاربة أكثر شمولية تتوخى تعزيز مختلف الجهود واستنهاض مختلف الإمكانيات وذلك يهدف إقرار مبدأ سيادة الأخلاق كأساس لإنجاح كل مبادرة للإصلاح، والتي لا يمكن تحقيقها إلا بالعمل على تقوية المجهودات التحسيسية (فقرة أولى) والمجهودات الوقائية (فقرة الثانية) ووسائل زجرية (فقرة ثالثة).

الفقرة الأولى: المستوى التحسيسي
إن للجانبي التحسيسي دورا فعالا في تقويض الكثير من مظاهر الانحراف والسلوكات المشينة، ذلك أن من شان إشاعة الثقافة الأخلاقية على أوسع نطاق أن تساهم في تدعيم وترسيخ قيم ومبادئ السلوك الأخلاقي في المجتمع.

وفي هذا الإطار أضحى من الضروري دعم وتثبيت الأخلاقيات في الحياة العامة اعتمادا على الآليات التالية:
1-توجيه النظام التربوي العام للمجتمع لتعزيز شعور الناشئة بالمسؤولية المدنية وبحقوق المواطنة لتدعيم الوعي لديهم بما لهم وما عليهم.
2-إدراج التربية على تخليق الحياة العامة ضمن المناهج التعليمية وتنظيم حملات تحسيسية في هذا المجال على المستوى المركزي والجهوي.
3-الانفتاح على الفاعليات المجتمعية الناشطة في مجال تخليق الحياة العامة وإشراكهم في بلورة البرامج التي مكن إنجازها في هذا الشأن من خلال تخصيص مجال عمل محدد لها يساير الأهداف المقترحة لمكافحة مختلف السلوكات المشينة.
4-ترسيخ مبدأ الإقرار بالمساءلة وتقييم الأدق على جميع أعمال وأنشطة المرافق العمومية والأشخاص العاملين بهما وتوطين هذه المهام ضمن اختصاصات أجهزة الرقابة الموجودة.
5-إعداد مواثيق أخلاقية قطاعية في الإدارات العمومية تحدد القيم الأخلاقية والقواعد السلوكية التي توضع مسؤوليات وواجبات الإدارة والموظف إزاء العموم.
6-إرساء ميثاق أخلاقي بين المواطن وإدارة الدولة يحدد بالأساس طبيعة الخدمات والحقوق التي للمواطن الحق في الولوج إليها.
7-تمكين المشهد الإعلامي من ضمانات قانونية توفر إمكانية الإخبار والتنديد بملفات الفساد الموثقة بإثباتات موضوعية لكسب انخراط الفعاليات الإعلامية في الكشف عن بؤر الفساد، وتيسير مسطرة المتابعة وبتأهيل الصحافيين القيام بتحقيقات في عمق الميدان والتتبع القضائي لقضايا الفساد.

الفقرة الثانية: المستوى الوقائي
يحتل المستوى الوقائي في تخليق المرفق العام جانبا هاما في استئصال ومحاصرة مظاهر الفساد الإداري والحد من السلوكات المشينة في الوظيفة العمومية.

ويجب أن يرتكز العمل في هذا الصدد على بلورة رؤية قانونية تتوخى ترسيخ الشفافية ودمقرطة الإدارة من خلال:
1-إعادة العلاقات بين الإدارة والمتعاملين معها على أسس متوازنة تضمن حقوق كل طرف وتجاوز غلو السلطة التقديرية للإدارة والمتجلية على الخصوص في تفشي مفهوم السر المعني، وغياب التعليل والتوظيف السلبي لمفهوم السكوت الضمني للإدارة وغيرها.
وفي هذا المجال، يعتبر مشروع القانون الذي تقدمت به وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري حول تعليل القرارات الإدارية خطوة مهمة في ترسيخ هذه العلاقات المتوازنة بين الإدارة والمتعاملين معها.
2-ترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة في تدبير المال العام من خلال إرساء آليات فعالة للحفاظ على نظافة الذمم المالية للمواطنين حيث يعتبر مشروع القانون الذي تقدمت به وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري لأجل تفعيل قانون 1992 حول الإقرار بالممتلكات والنهوض به للاضطلاع بهذه المهام الوقائية مؤشرا إيجابيا في هذا الاتجاه.
3-ترسيخ مبدأ إقرار المساءلة وتقييم الأداء على جميع أعمال وأنشطة المرافق العمومية والأشخاص العاملين بها، وتوطين هذه المهام ضمن اختصاصات أجهزة الرقابة الموجودة.
4-تفعيل دور المفتشيات العامة للوزارات من خلال تأهيلها للقيام بالمراقبة الميدانية الفعالة، والاضطلاع بمهام التقييم والاستشارة والتنسيق والتأطير، فضلا عن المراقبة المعتادة.
وفي هذا الصدد فإن من شأن المشروع الذي هيأته وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري في هذا الشأن أن يشكل إطارا قانونيا ملائما لتحديد اختصاصات المفتشيات العامة للوزارات كأداة وظيفية تتسم بالمرونة في عملها.
5-إحداث جهاز لتنسيق التفتيش العام بهدف ضمان تقييم البرامج و السياسات القطاعية وتمكين الحكومة من تتبع نتائج عمل الوزارات والهيئات العمومية، والتفكير في ربح رهانات 2010 بالشروع في خلق الآلية القانونية لإحداث مفتشية عامة للدولة لدى الوزير الأول، تستند إليها اختصاصات هامة تتمثل في تقييم ومراقبة سير المصالح العمومية والتنسيق بين مختلف المفتشيات العامة للوزارات والمفتشية العامة للتراب الوطني والمفتشية العامة للمالية بغية توحيد عمل الإدارات العمومية في هذا المجال كما يعهد إليها بالقيم بمهام التفتيش العام بالنسبة للوزارات التي لا تتوفر على مفتشية عامة خاصة بالإضافة إلى إعداد تقارير تركيبية دورية حول التفتيش العام للإدارات العمومية.

الفقرة الثالثة: المستوى الزجري:
يعتبر الزجر آلية لا محيد عنها لإدانة السلوك المشين وتقويم الانحرافات التي يسببها، والنهوض به يمر بالضرورة عبر تثمين وصيانة القاعدة القانونية باعتبارها المرجع الأساسي لتطويق جيوب الفساد.

من هذا المنطلق يبدو ضروريا التنصيص قانونيا على ما يلي:
1-مراجعة الوضع الاستثنائي لمحكمة العدل الخاصة السابقة، بعد ما أثبتت التجربة أن هذا الوضع قد حال دون نجاعة هذه المؤسسة وبعد أن اعتبر حضور القضاء الاستثنائي لمحاربة مظاهر الفساد من طرف الحقوقيين والمهتمين بشؤون القضاء حالة يجب معها استبعاد القضاء الاستثنائي وتقريب المحاكم من المواطنين.
2-إرساء أسس قانونية للحث على نشر نتائج التحقيقات والتدقيقات التي تقوم بها الهيئات المختصة، وتوسيع دائرة الإعلام بها، لأجل تقوية الحواجز المانعة من جهة، والتعريف بممارسات التدبير الجيد من جهة ثانية، ثم من أجل إفساح المجال لإدانة السلوك المشين وتوفير إمكانية عملية لاشتغال النصوص وتفعيلها.
3-بحث إمكانية التنصيص القانوني على مبدأ فتح مسطرة التحقيق القضائي والمتابعة عندما يتعلق الأمر بوقائع قد توصف سلوكات مشينة يعاقب عليها كما يتم الإعلان عنها بإثبات موضوعي في تصريحات عمومية أو مقابلات في الصحف.
4-بحث إمكانية تثمين مبدأ العقوبة في جانبها المتعلق بالغرامة من خلال التنصيص مبدأ الضعف، أي الحكم بالغرامة بضعف المنافع المحصلة بدل تحديد المبلغ الذي يظل هزيلا جدا مقاربة مع الأموال والمنافع المحصلة عن ممارسات الفساد.
5-بحث إمكانية التنصيص القانوني على مبدأ التشهير (بعد الإدانة بطبيعة الحال) واستشراف إمكانيات ترجمته عمليا باستثمار مختلف القنوات التواصلية، خاصة بعد أن بات مؤكدا أن كل عقاب لا يراه الناس هو عقاب ضائع لا فائدة منه، وهو المبدأ الذي يجد مرجعيته في تعاليم ديننا السمحة التي تحث على ضرورة حضور جماعة المسلمين بعض عقوبات القصاص.
6-ضرورة تفعيل وإعادة النظر في المقتضيات المتعلقة بمنع وجود مصالح للموظفين في المعاملات المالية لإدارتهم بوضع مقتضيات تطبيق الفصل 16 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، حيث يتعين التنصيص كتابيا في المقتضيات التطبيقية لهذا الفصل على مختلف السلوكات المقصودة مع إقرار مبدأ الحق في إجراء التحقيق والتحري على إثر شكاية أو تظلم بوجود مصالح غير مشروعة وكذا الحق في تحريك مسطرة المتابعة سواء جنائيا أو بمقتضى العقوبات المنصوص عليها في قانون المنافسة أو إداريا عبر تحريك مسطرة التأديب.
الفصل الثالث: عوامل انتشار الرشوة انعكاساتها سبل مكافحتها
موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة

 

موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة