دور الوقف في مجالي التعليم والتثقيف

الوقف ودوره في تنمية المجتمع
الفصل الثاني: دور الوقف في تنمية المجتمع
المبحث الثالث: دور الوقف من الناحية التعليمية والتثقيفية

كان للوقف دور كبير في نشر التعليم في الدول الإسلامية، وذلك بتشييد صـروح العلم والثقافة، وتأمين الظـروف المناسبة للفقهاء والعلمـاء والأدباء في محراب التأليف والنشر والتحقيق العلمي والفقهي والأدبي، وقام الوقف بذلك الدور من خلال مؤسسات عديدة من أهميها: الكتاتيب والمدارس والمكتبات العامة.

المطلب الأول: الكتاتيب.

الكتاب أو المكتب هو المكان الذي كان يعنى بتعليم المبتدئين، القراءة والكتابة والقرآن الكريم ومبادئ علوم الدين.
ولما كان تعليم الأولاد يعد أمرا شرعيا، وواجبا دينيا تقع مسؤولية القيام به على عاتق الآباء، تولى أولياء الأمور والمحسنون المسلمون، أمر إنشاء الكتاتيب لتعليم الناشئة و الإنفاق عليهم، وشارك في هذا الفضل المعلمون الذين كانوا يقومون بمهمة التدريس احتسابا، وخاصة في العهد الأول للإسلام.
وفي العصر الأموي ظهرت الكتاتيب الخاصة في القصور للأبناء الخلفاء والوجهاء، والموسرين، بإنشاء كتاتيب عامة لليتامى وأبناء الفقراء والمساكين ووقفوها عليهم.
وقد انتشرت الكتاتيب العامة الموقوفة عبر العصور المختلفة في كل أنحاء العالم الإسلامي، وكانت من الكثرة بحيث عد ابن حوقل ثلاثمائة كتاب في مدينة واحدة من مدن صقلية، وكانت من الاتساع أحيانا بحيث يضم الكتاب الواحد مئات وآلاف من الطلاب( ).
وفي الشام أقيمت عدة كتاتيب موقوفة لتعليم أبناء العامة والفقراء حول الجامع الأموي بدمشق.
وفي القاهرة وجد الرحالة ابن جبير، في القرن السادس الهجري، عددا كبيرا من الكتاتيب التي وقفت على الأيتام في أمكنة متفرقة من البلاد المصرية، وكانوا يسمونها “كتاب سبيل”.
وفي عهد المماليك يذكر المقريزي، أنه صدر توجيه من الدولة يلتزم كل من يؤسس مدرسة للعلوم الشرعية، أن يقيم بجوانبها كتابا للأيتام، والفقراء والمساكين، وقد أنشئت هذه الكتاتيب ووقفت، وكان تلاميذها يتلقون الإعاشة والتعليم الذي يمول عن طريق الأوقاف.
وفي العهد العثماني استمر وقف الكتاتيب ودعمها لتعليم اليتامى وأبناء الفقراء والمساكين فانتشرا في كل مكان.
وظلت الكتاتيب تقوم بدورها في نشر المبادئ الأولى للتعليم ومحو أمية قطاعات كبير من النشئ في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وعلى مر العصور، إلى أن جاء القرن التاسع عشر الميلادي واحتلال بعض الدول الغربية للعديد من الأقطار الإسلامية، وانتشار الإرساليات التبشيرية والجاليات الأجنبية في بعض الدول الإسلامية وقيامها بإنشاء المدارس والمراكز التعليمية( ).
هذا وقد كان بمكة المكرمة والمدينة المنورة عدد كبير من الكتاتيب قبل قيام المملكة العربية السعودية، وعندما نظمت الدولة شؤون التعليم في عهد الملك عبد العزيز، رحمه الله وأنشئت المدارس المجانية لجميع فئات المواطنين ثم الاستغناء عن هذه الكتاتيب( ).

المطلب الثاني: المدارس

ظهرت المـدارس المستقلة والمنفصلة عن المساجد، وحلقاتها العلمية، نتيجة للنمو الطبيعي لما سبقها من مؤسسات علمية، ولمواكبة مطالب العصر، وبصفة رئيسية للوقوف في وجه التيارات الفكرية، والعقدية المنحرفة، وكانت المدارس عبارة عن مؤسسات تعليمية مستقلة، اختير للتدريس فيها العلماء الأكفاء، وطلابها متفرغون ووقفت لهم المصروفات والإعاشة والإنفاق فضلا عن الدراسة والعلاج.
وقد شارك في هذه الأنماط الوقفية قطاع عريض من المجتمع خلفاء وسلاطين، وأمراء وأثرياء وعلماء وبعض عامة الناس.
والمتتبع للتاريخ الإسلامي يدرك مدى الاهتمام والعناية بإنشاء المدارس الـوقفية التي انتشرت في أرجاء العـالم الإسلامي، إذ كـان التسابق نحو إنشائها وإقامتها ظاهرة واضحة للعيان، حتى أن القرى النائية لم تخلو منها، فضلا عن المدن الكبيرة التي كانت تعج بالمدارس المتنوعة مثل: دور القرآن والحديث، والمدارس الكبيرة الشاملة( ).
“ولم تكن المدارس مجرد بنية تقام، أو مجموعة من الطلاب يتلقون العلوم فيها على مدرسين في زمان ومكان محددين، بل كان أكثرها في شكل مؤسسات علمية راقية، لها نظمها الخاصة التي تسير عليها، وتقاليدها التي ترعاها، ومواردها المالية التي تعتمد عليها في أداء رسالتها( ).
وقد كانت هذه المدارس تعتمد على الأوقاف من حيث الإنشاء و الإنفاق عليها، وكان التعليم فيها مجانيا ولمختلف الطبقات فلم يكن يدفع الطلاب في دراستهم أية رسوم، ولم يكن التعليم فيها محصورا بفئة من أبناء الشعب دون فئة.
وكانت الدراسة فيها قسمين: قسم داخلي للغرباء والذين لا تساعدهم أحوالهم المادية على أن يعيشوا على نفقات آبائهم وقسم خارجي لمن يريد أن يرجع في المساء إلى بيت أهله وذويه( ).
وكان من أشهر المدارس في التاريخ الإسلامي المدارس النظامية وهي التي أنشئت عندما فتح السلاجقة الأتراك خرسان في أواخر القرن الرابع الهجري، فأراد الوزير الأول “نظام الملك” أن يعد شبابا مسلحا بالعلم، على عقيدة أهل السنة، لتولي مناصب الدولة، خاصة في مجالات التدريس والقضاء، والإفتاء في تلك البلاد، فأنشئت المدرسة النظامية في بغداد عام 709هـ، وقد نجحت الفكرة وتحققت أهدافها، وقام الوزير نظام الملك الوقف عليها وعلى أساتذتها وطلابها( ).
ومن أشهر المدارس الوقفية في الدول الإسلامية:
1-المدرسة الظاهرية:
التي أنشأها الظاهر بيبرس في القاهرة سنة 626هـ وأوقف عليها المال وأغدق عليها، مما جعلها أجمل مدرسة في مصر ( ).
2-المدرسة الصالحية بمصر:
وقـد أنشأها الملك الصـالح نجم الدين أيوب سنة 644هـ، وأوقف عليها أمـولا ضخمة.
3-المدرسة المسعودية ببغداد:
بناها مسعود الشافعي، وجعلها وقفا على المذاهب الأربعة بجانب تدريس العلوم والطب.
4-المدرسة الصلاحية بحلب:
أوقفها الأمير صلاح الدين يوسف الدودار.
5-المدرسة الغياثية:
أو مدرسة الملك المنصور بمكة المكرمة، بناها المنصور غياث الدين سنة 813هـ، وأوقف عليها أموالا كثيرة.
5-المدارس الأربعة بمكة المكرمة:
والتي بناها السلطان سليمان سنة 927هـ وأوقف عليها أموالا طائلة لتدريس المذاهب الأربعة.
وهناك مدارس وقفية عديدة يصعب حصرها مثل:
المدرسة المستنصرية في بغداد، ومدرسة السلطان حسن، والجامع الأزهر بمصر، والزيتونة بتونس، والقرويين في فاس بالمغرب وغير كثيرة.
وقد كثرت المدارس الوقفية وخاصة في المشرق كثرة هائلة، حتى أن ابن جبير الرحالة الأندلسي هاله ما رأى في المشرق من كثرة المدارس والغلات الوافرة التي تغله أوقافها. فدعا المغاربة أن يرحلوا للمشرق لتلقي العلم( ).
ومن ذلك يتضح أن الأموال الموقوفة كانت أحد الأسباب والعوامل المهمة في تنشيط الحركة العلمية، ونشر التعليم، والارتقاء بالمستوى الثقافي ومكافحة الأمية، وبناء الحضارة الإنسانية الإسلامية وقد تربى في أحضان المدارس الموقوفة الكثير من الفقهاء والمفكرين، والأدباء والوعاظ والمصلحين الاجتماعيين، وكانت الأوقاف معينا لهم، ومددا في وقت عز فيه المال عندهم، وفي ظروف عصيبة من التاريخ كثرت فيها الفتن التي كان يموج بها العالم الإسلامي.
ومن أشهر العلماء الذين تخرجوا في المدارس الوقفية، سعد الجبريلي وأبو الثنا بن أبي السعادات، والخوارزمي، وجابر بن حيان، والرازي وغيرهم.

المطلب الثالث: المكتبات

تعد المكتبات من أقوى وسائل نشر العلم، وللأهمية الكتب لطلاب العلم والعلماء من جهة وللارتفاع أسعارها من ناحية أخرى، قام المحسنون ومحبو العلم والمقتدرون بإنشاء المكتبات الوقفية وفتحها أمام طلاب العلم، ووقفوا عليها الأموال الوفيرة تقربا إلى الله تعالى، وسعيا إلى التقدم العلمي في مجتمعاتهم.
وقد عرفت هذه المكتبات بأسماء عديدة، مثل خزانة الكتب، وبيت الحكمة، ودار العلم ودار الكتب وبعضها كان يقام في المساجد و المدارس والمشافئ، وكلها تماثل ما يعرف اليوم بالمكتبات المركزية أو المكتبات العامة وكلها كانت موقوفة.
فإلى جانب التوظيف الاجتماعي للأوقاف في إنشاء المؤسسات التعليمية وتمويلها وإدارتها كما سبق أن أوضحنا، اهتم مؤسسو الأوقاف أيضا بتوظيفها من أجل إتاحة الثقافة العامة للأكبر عدد ممكن من عموم الناس، وذلك بإنشاء المكتبات العامة.
ومما لاشك فيه أن وقف الكتب والمكتبات للمنفعة العامة هو من الممارسات الاجتماعية، الثقافية للأوقاف ذات التاريخ الغريق، وقد استمرت هذه الممارسة في كثير من البلدان العربية الإسلامية حتى يومنا هذا ( ).
وفضلا عن أهمية “المكتبة العامة” باعتبارها مؤسسة لها وظائفها المتنوعة في مجال بث الثقافة وتيسير المعرفة لعموم الناس، والمحافظة على كتب التراث ومخطوطاته فإنها تعتبر في ذاتها معلما من معالم الرقي الحضاري للأمة( ).
“وقد انتشرت خزائن الكتب الوقفية في أرجاء العالم الإسلامي مند القرن الرابع الهجري، لدرجة أننا قلما نجد مدينة تخلو من كتب موقوفة، وأصبحت هذه المكتبات بما فيها من كتب قبلة لطلاب العلم تعينهم على التزود بكل جديد، وتوفر لهم فرص مواكبة الأفكار والآراء المدونة لمؤلفين من أنحاء العالم الإسلامي”.
وقد تنوع الوقف في هذا المجال “فتشمل وقف مكتبات بأكملها، ووقف الكتب على المدارس والمساجد والمشافئ والربط والخانقاهات، كما كان هناك نوع من الوقف يتمثل في وقف كتب عالم بعد وفاته على أهل العلم أو على ورثته، واقفوا المكتبات المستقلة أو تلك التي تكون في مدارس أو مساجد بتوفير دخل مادي ثابت لها صيانتها وترميمها، وتحمل التكاليف المادية للعاملين فيها”.
أما الأبنية الخاصة بالمكتبات فقد كانت ( ) تشتمل على حجرات متعددة تربط بينها أروقة فسيحة، وكانت الكتب توضع على رفوف مكتبة بالجدران، تخصص كل غرفة لفرع من فروع العلم، وكان فيها أروقة خاصة للمطالعين، وغرف خاصة للنساخ الذين ينسخون الكتب وغرف لمبيت الغرباء منهم.
ومن أشهر المكتبات الوقفية العامة في التاريخ الإسلامي:
1-دار العلم في الموصل:
وتعتبر هذه الدار أول مكتبة وقفية في الإسلام، وقد أنشأها أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه الشافعي، في أوائل القرن الرابع الهجري.
وكانت تضم عددا كبيرا من الكتب في معارف شتى، نظرا لتنوع اهتمامات ابن حمدان نفسه، الذي كان مهتما بالفقه والشعر والأدب و التاريخ والنجوم( ).
2-دار العلم في بغداد
هذه الدار هي مكتبة عامة، قام بوقفها الوزير سابور بن أردسير في سنة 471هـ، وجعل فيها كتبا كثيرة، ووقف عليها غلة كبيرة، وكانت في منطقة بين السورين في بغداد. وقال عنها ابن الجوزي في معرض التعريف بسابور: “وابتاع دارا بين السورين في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وحصل إليها كتب العلم من كل فن وسماها دار العلم، وكان فيها أكثر من عشرة آلاف مجلد، ووقف عليها الوقوف وبقيت سبعين سنة”( ).
3-دار الحكمة في القاهرة:
وقد أعقب إنشاء دار العلم في بغداد بسنوات افتتاح مكتبة وقفية كبيرة من الأهمية في تاريخ المكتبات في الإسلام، ألا وهي دار الحكمة بالقاهرة، والتي قام بتأسيسها الخليفة الفاطمي بأمر الله سنة 395هـ، وحملت الكتب إليها من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من سائر العلوم والآداب.
وحرصا على توفير موارد مالية كافية تعين على استمرارها في أداء رسالتها العلمية، قام بوقف دور وحوانيت بنيت ليستغل ريعها في الصرف على هذه المكتبة.
وقال عنها المقريزي: “وكانت من عجائب الدنيا، ويقال أنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان فيها ألف ومئتا نسخة من تاريخ الطبري إلى غير ذلك، ويقال أنها كانت تشتمل على أكثر من ستمائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة…”( ).
ومما لا شك فيه أن دار الحكمة بالقاهرة كانت تعتبر أبرز نموذج للمكتبات الوقفية التي شيدت منذ البدء في هذا النظام وأعطيت ثمارا جناها أهل العلم من مختلف الطبقات، ولم يستغن عن استخدامها العلماء والطلاب، وكافة أفراد المجتمع لغناها ووفرة ما بها من كتب.
4-خزانة المالكية في مكة المكرمة:
في عام 588هـ وقف محمد بن عبد الله بن الفتوح بن محمد المكناسي إمام المالكية بالحرم الشريف: نسخة من “المقرب” للابن زمنين المالكي بست مجلدات على المالكية والشافعية والحنفية الذين يكونون بمكة، وجعل مقره خزانة المالكية بمكة المكرمة.
وكانت هذه الخزانة تزود بين فترة وأخرى بكتب يوقفها علماء وأشخاص من المالكية.
5-الخزانة العلمية الصبيحية بسلا:
ولا يخلو العصر الذي نعيش فيه من نموذج تراثي مثيل لما درج عليه الأسلاف، فقد حبس باشا الحاج محمد بن الحاج الطيب الصبيحي خزانته العلمية في الرابع عشر من ربيع الأول عام 1387 هـ لتكون وقفا على العلماء وطلبة العلم، وعامة الفقراء، وكانت تشتمل على أربعة آلاف كتاب مخطوط ومطبوع.
وواصل ابنه المهندس عبد الله المسيرة فوقف على هذه المكتبة بناية جديدة في شعبان من عام 1396هـ، تتكون من طابقين، تقع في ساحة الشهداء بمدينة سلا من المغرب لتكون مقرا للكتب التي وقفها والده( ).
وهناك مكتبات وقفية شهيرة أيضا مثل: خزانة الكتب في حلب، ودار العلم في طرابلس الشام، ومكتبة شيخ الإسلام عارف حكمة بالمدينة المنورة، وخزانة كتب الهمداني في همذان وغير كثير.
وكانت هذه المكتبات بكتبها الوقفية، بالإضافة إلى المكتبات الخاصة مثل مكتبات الخلفاء والأمراء والوزراء و العلماء وراء حركة الازدهار الفكري و الثقافي التي شهدها العالم الإسلامي على مدى قرون طويلة( ).
6-مكتبة العدة:
وقد أسسها ووقفها عبد الجبار بن أحمد الفكيكي في مدينة فكيك وهي بلدة صغيرة في المغرب، وجعل وقفها على طلاب العلم، وقد جاء بمعظم كتبها من فاس وتلمسان ومصر( ).
وقد اعتمد على بعض مصادرها العلمية بعض العلماء في تصنيف كتبهم واهتم الرحالون بزيارتها والاطلاع عليها.
وقد تعرضت هذه المكتبة إلى العبث والتخريب والإهمال بعد فترة من تأسيسها، ولذلك قام أحد أحفاد مؤسسها وهو عبد القادر بن محمد بالاهتمام بها من جديد وإعادة وقفها وكتابة وثيقة جديدة لها إشارات إلى أنها حبس معقب لا يورث ولا يقسم ولا يباع ولا يوهب.

المطلب الرابع: أثر الوقف ي استقلال العلماء والقضاة

إن الولاء في الإسلام هو الله أولا، وهذه من أساسيات العقيدة، لذا فإن رجال العلم سواء كانوا من علماء الشريعة وفقهائها، أم من علماء العلوم الطبيعية وغيرها من العلوم الدنيوية، كلهم يشعرون بالاستقلال والنهوض بما يجب عليهم من نصح الله ولكتابه ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم.
ونجد أن العلماء بصورة عامة قد اجتهدوا في بذل العلم، كما فعل الإمام أبو حنيفة وتلميذه محمد بن الحسن الشيباني وأبو يوسف، والإمام مالك أو الإمام مالك، والإمام الشافعي، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل وغيرهم ( ).
فقد بقي العلماء مستقلين عن السلطة، غير خاضعين لها، معتمدين على الأموال الموقوفة التي تنفق عليهم.
كما بقي القضاة قائمين بالحق يحكمون بالعدل، ذلك لاعتماد هؤلاء القضاة على ما كانوا يديرونه من الأموال الموقوفة التي أعطتهم الاستقلال المادي والفكري.
وأسوق هنا ما كتبه الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في كتابه محاضرات في الوقف ( ): “اضطر الظاهر بيبرس لفرض الضرائب بسبب الحروب مع التتار وسلك سبيلا في الاستيلاء على الأراضي ومن بينها، أراضي الوقف، وعارضه الإمام النووي حتى ترك هذا الأمر، ولكنه حاول فرض ضرائب كثيرة ترهق الناس والأوقاف، وعارضة الإمام النووي، وكانت النوازع في واقع الأمر بين سطوة السلطان وقوة العلم.
فالسلطان يحتج بفرض الضرائب، بضيق الحال وقلة المال، والشيخ يحتج بفقر الرعية وضيق الأمر عليها، ويقول في إحدى رسائله:
“إن أهل الشام في هذه السنة في ضيق وضعف حال بسبب قلة الأمطار ، وغلاء الأسعار وقلة الغلات والنبات، وهلاك المواشي،وأنتم تعلمون أنه تجب الشفقة على الرعية ونصيحة (أي ولي الأمر) في مصلحته ومصلحتهم”
والعلماء كانوا من وراء الإمام النووي يؤازرونه ويؤيدونه وقد رد السلطان هذه النصيحة ردا عنيفا، وغيره بموقفهم، يوم كانت البلاد تحت سنابك الخير في عهد التتار، وسكوتهم على الذل، وأنهم كان الأولى أن يهبوا لمقاومتهم أو مناقشتهم.
فقال الشيخ النووي، وأما ما ذكر من كوننا لم ننكر على الكفار كيف كانوا في البلاد، فكيف يقاس ملوك الإسلام وأهل الإيمان وأهل القرآن بطغاة الكفار، وأما أنا في نفسي، فلا يضرني التهديد ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري وما ترتب على الواجب فهو خير وزادة عند الله.
وبذلك استطاع العلماء أن يقفوا مع الحق، و أن يقفوا مع أحكام الشريعة وأن يجبروا السلطان للخضوع لشرع الله كما فعل العز بن عبد السلام في أحكامه ضد السلاطين، وكما فعل الإمام البلقيني ضد المماليك وكما فعل أبو حنيفة مع الخليفة المنصور عند اجتماعه بالفقهاء.
وبقيت الهيمنة والظهور بشرع الله حتى في عصور انحساره قوة المسلمين وقد كانت إدارات المعاهد العلمية وتنظيم أمورها تعتمد على القائمين عليها، إذ كان جلهم من أئمة المسلمين وأكفأ علمائهم، وقادة مجتمعهم، وكانت الوقفيات تجعلهم مخولين بسلطات تسمح لهم بتنظيمها وإدارتها كما يشاؤون، ولم يجد وهم أو يحدد أعمالهم إلا ما اشترطه الواقفون طالما التزموا بنظام الشريعة العام.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *