دور الوقف على الشعائر الدينية المختلفة

الوقف ودوره في تنمية المجتمع
الفصل الثاني: دور الوقف في تنمية المجتمع
المبحث الثاني: دور الوقف على الشعائر الدينية المختلفة

تعددت أشكـال الوقف في المجالات الدينية نظـرا لأن الواقف إنما يرجو من خلال عمله كسب الثواب والأجر والفوز بمرضاة الله تعالى ولا شك أن أقرب السبل للحصول على هذه الأهداف إنما هي المجالات التي يتم من خلالها عبادة الله وتنفيـذ شرعـه.
فقد وجد في التاريخ الإسلامي وقفيات خاصة للأداء بعض أركان الإسلام كالحج مثلا، وللقيام بالذود عن حياض الأمة، والدفاع عن بيضتها، متمثلا بالجهاد في سبيل الله، إضافة إلى الوقفيات الأخرى التي حبست على تقديم الصدقات وأعمال البر من خلال المناسبات الدينية المختلفة.
ومن هنا فإن هذا المبحث سيتناول المحاور التالية:
 الوقف لتسهيل أداء فريضة الحج.
 الوقف على الجهاد في سبيل الله
 الوقف في المناسبات الدينية الأخرى

المطلب الأول: الوقف لتسهيل أداء فريضة الحج

وتعتبر فريضة الحج من الأركان الدينية التي تأثرت إلى حد كبير بنظام الأوقاف، ذلك أن الحج إنما يجب على المستطيع القادر ماليا وبدينا على أدائه، ومن هنا يبرز دور المؤسسة الوقفية في معالجة حالات غير المستطيعين الذين يرغبون بأداء هذه الفريضة.
فقد اشترط كثير من الواقفين أن يصرف ربع أوقافهم أو جزاء منها في مساعدة غير القادرين للأداء فريضة الحج.
وبالـرغم من أن الحج لم يفرض إلا على القادرين من خـلال قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ( ).
إلا أن قوة الشعور الديني جعلت الكثيرين يتوقون لتأدية الفريضة، ومن هنا توجه عدد من الميسورين الواقفين للإعانة الفقراء المسلمين على تأدية الحج، باعتبار ذلك وجها من وجوه البر التي ينفقون فيها صدقاتهم.
وقد عمل بعض الواقفين على تسيير قوافل الحجاج الذين يرغبون في الحج ولا يجدون سعة من العيش، وتشمل تلك القوافل كافة المتطلبات التي تحتاجها الرحلة إلى بيت الله الحرام، كالجمال والمياه والزاد، ذهابا وإيابا.

المطلب الثاني: الوقف على الجهاد في سبيل الله

ويعد الجهاد في سبيل الله قربة من أفضل القربات التي حث الإسلام اتباعه على القيام بها، حفاظا على بيضة الإسلام، وذودا عن حمى الدولة.
ومن الآثار الصحيحة التي تؤكد أن ربط مؤسسة الأوقاف في فريضة الجهاد، ما روي أن خالد بن الوليد حبس دروعه وكراعه في سبيل الله، فأجازه النبي  كما أن طلحة حبس سلاحه وكراعه في سبيل الله.
ومما يؤكد أهمية الوقف على الجهاد في سبيل الله عليها هي فك أسرى المسلمين من أيدي الأعداء، ولعل أشهر هذه الأوقاف هي وقف صلاح الدين الأيوبي لبلدة بلبس.
ومن وجوه الصـرف على الـوقف في سبيـل الله إعـداد المقاتلين بجميع اختصاصاتهم وأعمالهم، كالرماة والمدافعين، والقائمين على إصلاح الأسلحة وخزنها، وغير ذلك من الموظفين والعاملين في مجالات الجيش المختلفة.
وهكذا يتضح لنا أن الوقف على هذا المجال من مجالات الدفاع عن الأمة والحفاظ على بلاد المسلمين من الغزاة والطامعين، وفك أسرى المسلمين وإعداد المقاتلين وتـدريبهم، ليؤكد أهمية هذه المؤسسة في العمـل على حفـظ هيبة الأمة، وضمـان الاستمرار في الصـرف على القـلاع وقاعات السـلاح ووضعها أهبة الاستعداد، لصد من يريد النيل من عقيدة المسلمين وبلادهم في أي وقت، حيث تمثل الأوقاف في هذا الجانب موردا ماليا ثانيا لا يتأثر كثيرا بمالية الدولة ووصفها الاقتصادي ويتولى الصرف على هذه المنشآت العسكرية المهمة( ).

المطلب الثالث: الوقف والمناسبات الدينية

تعتبر المناسبات الدينية التي تتوزع على شهور السنة وأيامها مجالات تعبدية رحبة دعا الإسلام اتباعه إلى استغلالها والإكثار من عمل المعروف والخير فيها، فقد ورد في الأثر “أن الله تعالى في دهره خواص في الأزمنة والأمكنة، والأشخاص”.
ويؤكد هذا المعنى ما ورد في بعض الأحاديث التي تشير إلى تفضيل بض المواسم في السنة على بعض آخر، فقد ورد عن رسول الله  أنه قال: “… ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر”.
وقال عن يوم الجمعة: “… والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر”.
وقوله  عن يوم الاثنين والخميس: “تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم”.
إلى غير ذلك من المواسم والأيام التي خصها الله تعالى ببعض الفضائل عن غيرها، باعتبارها محط رحمة الله تعالى لمضاعفة الأجر وزيادة الحسنات.
ومن المظاهر الاجتماعية للأمة الإسلامية حب التوسعة على الناس وأصحاب العلم والأيتام والفقراء والمساكين في مثل هذه المواسم التعبدية، كيوم عاشوراء ورمضان وعيدي الفطر والأضحى، وغير ذلك من المناسبات الدينية على مدار السنة، وقد كان هذا دافعا للموقفين أن يحددوا وقوفهم أو جزءا منه للإنفاق منه في مثل هذه الأيام الفاضلة.
وسنحاول هنا أن نقدم عرضا لتلك المواسم الدينية، وما حصل خلالها من وقوف خيرية لنشر أعمال البر والفضيلة بين المسلمين ( ).
أولا: يوم عاشوراء:
وهو العاشر من محرم حيث أصبح من التقاليد الإسلامية المعمول بها مساعدة المحتاجين والفقراء في هذا اليوم بأشكال وطرق متنوعة، ففي كل مجتمع من المجتمعات الإسلامية طريقة خاصة تتناسب مع أفضلية هذا اليوم وزيادة الأجر فيه.
فقد نصت إحدى الوثائق الوقفية على أنه يصرف في كل سنة في يوم عاشوراء: ثمن أربعين قنطارا من خبز البر وثمن عشرة قناطير من لحم الضأن وثمن أربعة قناطير عسل وثمن عشرين رطلا من السبرج وثمن من يتولى طبخ هذا الطعام وتفريقه ويقسمه إلى قسمين: قسم يوزع على الطلبة المقيمين وأرباب الوظائف والأيتام. ومؤدبيهم وقسم آخر يوزع على الفقراء والمساكين من الجيران وغيرهم( ).
ثانيا: شهور رمضان:
فقد ورد على الرسول  فيما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: “كان رسول الله  أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من شهر رمضان فيدارسه القرآن، قال: كان رسول الله  حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة”
وقد كان هذا بمثابة دعوة المسلمين إلى الإكثار من الصدقات بصرف رواتب إضافية للعاملين والموظفين.
وقد حددت وثائق الأوقاف تفصيلات دقيقة فيما يستحقه كل فرد من الموظفين وطلاب العلم والأيتام كل حسب منزلته ومكانته، ووفقا لشرط الواقف وتحديده، فقد جاء في بعض تلك الوثائق أنه يصرف في كل يوم من الأيام رمضان ثمن عشرة قناطر من لحم الضأن، وثمن أربعين قنطارا من الخبز ، وثمن حب الرمان، والأرز والعسل والحبوب والتوابل، وأجرة من يتولى طبخ ذلك وتفريقه… على أن يطبخ في كل يوم من أيام رمضان ويوزع على المقيمين من الفقراء والمساكين والأيتام والعاملين وطلاب العلم والجيران.

ثالثا: عيد الفطر وعيد الأضحى: ( ).
ومن أجل مشاركة عدد كبير من الفقراء أفراح الناس وبهجتهم حرص الواقفون في المجتمع الإسلامي على التوسعة وتقديم المساعدة للمستحقين في الأعياد الإسلامية كعيد الفطر وعيد الأضحى.
ففي عيد الأضحى يتم توزيع كميات كبيرة من اللحوم، حيث يتم شراؤها من ريع الأوقاف لتذبح على أبواب المدارس والمساجد، وتوزع لحومها على الفقراء المجاورين وأبناء السبيل.
رابعا: توزيع الكسوة:
حيث يتم الصرف من أموال الوقف في شهر رمضان مبالغ لكسوة العيد، كما يتم تقديم الكسوة للمحتاجين مرتين كل عام.
في فصل الصيف قميصا ولباسا وقبعا ونعلا.
في فصل الشتاء مثل ذلك ويزيد عليها جبة محشوة بالقطن.
وفي بعض النصوص الوقفية إشارة إلى أنه تكون الكسوة من قماش لائق مصنوعة من الحرير أو الكتان الناعم يقدر كفاية الأيتام، توزيعها على الذكور والإناث على حد سواء.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *