خلفيات أزمة الجامعة : ضرورة إصلاح جامعة الدول العربية

خلفيات أزمة الجامعة – الفصل الأول :
توضح خبرات التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، أن كل قومية تسعى إلى أن تتجسد في كيان سياسي محدد هو الدولة وبتعبير أكثر دقة في الدولة القومية وقد يتحقق هذا الكيان السياسي في بعض الأحيان، وقد لا يتحقق في أحيان أخرى، لكن كل قومية تبحث عن كيانها السياسي، أي تبحث عن دولتها الخاصة بها( ).

ومن هذا المنطلق فإن الكيان السياسي للقومية العربية هو الدولة العربية الواحدة أي توحيد هذه الكيانات المنتشرة على امتداد الأرض العربية، وفي إطار كيان واحد، فإذا كانت يقظة القومية العربية قد بعثتها أصول تستند جذورها العميقة إلى الصلات الثقافية ” ثروة اللغة العربية وذكرى القرون الوسطى ” العديدة التي سادت فيها الثقافة العربية حوض البحر الأبيض المتوسط، ثم الدين الإسلامي ” كل ذلك كون تقليدا تاريخيا متصلا ساهم في إرساء شعور بين العرب: ينزع إلى الوحدة السياسية والاستقلال ، ولذلك يلاحظ أن فترات النهضة القومية التي شهدها الوطن العربي كانت ولا تزال، تميز شكلا من أشكال البحث عن الكيان السياسي لحركة القومية العربية( )، ومعنى أن خصوصية النهضة القومية العربية ، التي رسخها التقليد التاريخي المتواصل .
تتمثل في عملة ذات وجهتين : الاستقلال من ناحية والوحدة من ناحية أخرى ومع ذلك فإن فرض التجزئة على الوطن العربي قد أدى ليس فقط إلى الفصل بينهما .

ولكن قام الاستقلال من دون هذه الوحدة مما أدى إلى تفريغ الاستقلال من مضمونه الحقيقي، وفي ضوء ما تقدم تقتضي متابعة خلفيات أزمة الجامعة”، تحليل مجموعة من العوامل أولهما الخلفيات التاريخية وثانيهما الخلفيات التنظيمية، حيث أصبح ستارا يخفي حقيقة التبعية للغرب وخصوصا مع ما يقوم بينهما التجزئة والتخلف أيضا من رابطة عضوية.( ) من ثم يمكن الانتقال إلى الخلفيات السياسية مع استخلاص خبرة التاريخ من مسيرة الجامعة في ظل هذه المواريث وتلك المحددات

المبحث الأول : الخلفيات التاريخية
يمكن القول أن نقطة البدء في تحديد أصول أزمة الجامعة، إنما تتجسد في عرض التسوية التاريخية التي فرضها الغرب على المنطقة، المتمثلة في ظاهرة التجزئة بكل ما ترتب عنها من آثار ونتائج والتي لا تزال تعمل فعلها في الوطن العرب حتى الآن من ناحية ، وطبيعة الرد العربي من ناحية أخرى ، وبهذا تكون الدراسة ، استكملت عرض الإطار التاريخي للمباحثات التي أدت إلى إنشاء جامعة الدول العربية،هذه المباحثات التي وصفت حينها بأنها مباحثات الوحدة العربية وبناء على ذلك يمكننا القيام بتحليل للإشكاليات التالية :
 إلى أي حد ساهم الاستغلال في منع الوحدة العربية (المطلب الأول).
 إلى أي حد ساهمت التسوية العربية في تعميق التجزئة (المطلب الثاني).
 وكيف الاستجابة العربية إزاء التحدي الغربي (المطلب الثالث) .
 وكيف كانت مهدت المباحثات العربية في إنشاء جامعة دول عربية (المطلب الرابع) .

المطلب الأول : الاستقلال .. الوحدة.
شهد الوطن العربي فترتين من فترات النهضة القومية في تاريخه الحديث وهما فترات، يقوم التمييز بينهما على سبيل التصنيف و التحليل، النهضة القومية الأولى حدثت في مواجهة الاضطهاد القومي الذي تعرض له العرب من فبل القومية التركية،و الثانية لا تزال تطوراتها متواصلة التي انطلقت من مواجهة اضطهاد القومي الذي تعرض له العرب من قبل الحركة الاستعمارية الغربية التي اجتاحت المنطقة منذ أواخر القرن 19 عشر( ).

ومن خلال هاتين القرنين من فترات النهضة القومية ،إن التوجه السياسي الذي يتمثل ليس في الخروج من الاضطهاد القومي الذي تعرض له العرب فقط، أو في الحصول على الاستغلال الوطني فحسب ،ولكن أيضا في إقامة الدولة العربية الوحدة العربية ،ويمكن القول أن هذا التطور يستمد جانبا من دوافعه ومصوغاته من حقيقة أن حصول الأقطار العربية على الاستقلال لم يرتبط تلقائيا بقيام الوحدة، لأن فرض التجزئة على الوطن العربي، الذي تعدد بقوى الاستعمار وتنوع أساليبها في العنف والسيطرة، قد انتهى إلى تحويل النضال إلى نضال فطري ضيق الأفق، في أغلب الأحوال.
وإن الأكثر خطورة من ذلك أن طبقة الأعيان والبرجوازية التقليدية الكبيرة التي تصدت لقيادة الكفاح من أجل الاستقلال السياسي، قد تعاونت مع الاستعمار للحفظ على مكانتها كطبقة حاكمة متميزة، وكان همها في الكفاح أن تحل محل المحتل الأجنبي، وتنشأ دولة قطرية نؤمن مصالحها، بحيث تنحصر في سرقة الأمة، لا أن تبدل طبيعة الحكم ولا أن نؤسس نظاما جديدا لكفل الحرية والمساواة للشعب، ويمكن المجتمع من مواجهة التحديات التاريخية التي تعصف به ، وفي مقدمتها قوى التجزئة ،لقد اتصفت مرحلة الصراع الأولى، منذ بدئ النهضة المعاصرة بكفاح العرب القطري بقيادة هذه الطبقة التي اتفقت مصالحها في الواقع مع مصالح العائلات والطبقات والفئات السياسية التقليدية، فاستمرت الأوضاع على ما هي عليه حتى انتهاء الاستعمار المباشر.
لقد فرضت هذه الطبقة الحاكمة نفسها على الشعب بمعونة الاستعمار بإقامة دولة قطرية مبنية على التسلط والإفقار، وبقدر ما كان الشعب يقاومها كانت تلجأ إلى الاستبداد ، فنشأت حلقة مفرغة في العلاقات بين الشعب والسلطة في مختلف الأقطار العربية ، وهذه الحلقة المفرغة هي صميم الأزمة السياسية العامة ، لذلك كان التفتت العربي، فنشأت الكيانات المصطنعة بعد الحرب العالمية الأولى، وبرزت الدولة القطرية ضد الشعب، وفوقه وعلى حسابه، أما على الصعيد القومي فقد ظلت هذه الطبقة تعتمد على الغرب ليحميها من شعوبها، وشكلت له حلفا ضد قوى التحرر وحتى في القضايا القومية الأساسية “مثل القضية الفلسطينية “، فقد اكتفت بالدعم الشفوي فيما مارست ضغوطا على قوى التحرر على سبيل المساواة والقبول بالأوضاع القائمة، وهكذا ففي ظل هذه الطبقات الحاكمة ترسخت التجزئة وتحولا لوطن العربي إلى كيانات متقطعة ، فتشكلت إقطاعيات سياسية مماثلة للإقطاعيات الاقتصادية في ظل الحكم العثماني مع فارق شكلي هو زوال الخلافة وملكيتها الرسمية للبلاد وتحول التاريخ القومي العربي إلى تاريخ ملوك الطوائف الذي ساد زمن الأندلس.( )

ومن ناحية أخرى سعى الغرب الاستعماري إلى ترسيخ النزعة القطرية والهوية المحلية التي تدور حولها معالم الدولة ومؤسساتها : العلم – النشيد الوطني – الحكومة، الجمارك، الشرطة، الجوازات، الجيش والعملة والنظم الإدارية والثقافية والاقتصادية، كما سعى وشجع دعوات مشبوهة كالفينيقية الفرعونية والبربرية، وغدى الخصوصية القطرية بمسوغات بعضها من الماضي البعيد وبعضها من الماضي القريب من الطبيعة ومن الثروة وبعضها من الملاحم الاجتماعية أو النفسية.( )

وحين حصلت بعض البلدان العربية على الاستقلال بموجب معاهدة “الصداقة والتحالف” التي أبرمتها مع الأجنبي، بذل هذا الأخير قصارى جهده ليحمل”الاستقلال” معنى عكسيا بحيث لا يكون استقلالا حقيقيا بل استقلالا عن الأخوة أساسا , وأن تكون لكل وطن عربي مستقل، ذاتية خصوصية متميزة عن الأوطان العربية الأخرى ومع ذلك استمرت سيطرة الطبقة البرجوازية التقليدية الكبيرة، في معظم الأقطار العربية، على الرغم من عوامل المقاومة الوطنية القومية، حتى مطلع الخمسينات، عندما تمكنت العناصر الوطنية، بقيادة الطبقة المتوسطة الجديدة وعناصر البرجوازية الوطنية الصغيرة من الوصول إلى السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية، في بعض الأقطار العربية، ولذلك يلاحظ أن قضية الوحدة العربية ، لم تطرح ضمن أسباب التدخل من أجل التغيير في المرحلة المبكرة بخاصة تدخل الجيوش ، وإن كان من الصحيح أن مشكلات التجزئة حرضت على التغيير ، وفضلا عن ذلك ، يلاحظ أن ظاهرة التجزئة بما فرضته من اختلال جدري عام في الوطن العربي على المستوى العقيدة والكيان هي التي دفعت بالمخططات العربي إلى داخل الجيوش القطرية( ).

وفي ضوء ما تقدم يلاحظ أن توحيد الوطن العربي في كيان قومي سياسي، كان ولا يزال مطلبا جماهيريا يرنو إليه أبناء الأمة في مواجهة التحديات خارجية وداخلية متنوعة، واستجابة لدواع ومقدمات طبيعية وإنسانية وتاريخية عديدة ، وقد شغلت مجموعات النخبة المثقفة والسياسية نفسها بهذا المطلب منذ أواخر القرن 19 عشر. وبدا بعضها يدخل تجارب وممارسات واقعية جزئية لتحقيق هذا التوحيد ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من تعثر هذه التجارب أو فشلها، فإن المحاولات لا تزال مستمرة وهو الأمر الذي يدل على عمق هذا المطلب الجماهيري استجابة للدواعي و المقومات الطبيعية والإنسانية والتاريخية في مواجهاتها للتحديات الغربية الخارجية و الداخلية نفسها، التي فرضت ذاتها منذ قرن من الزمان( ).

المطلب الثاني : التحـدي الغـربي
يمكن القول أن المحاولات البسيطة للتكامل العربي خلال العقود الماضية يرجع إلى التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي المشوه، الذي عرفته الأقطار العـربية خلال القرنين الماضيين، ومع بداية القرن 19 عشر بدأت الهياكل الاجتماعية التقليدية في الوطن العربي بالتآكل والانهيار التدريجي، ولكن بدلا أن تحل محلها هياكل اجتماعية حديثة مثلما حدث في العالمين الرأسمالي الاشتراكي استبدلت بهياكل مشوهة تختلط فيها عناصر قديمة بعناصر حديثة بشكل غير متناسق أو منتظم، وهو ما يفترض عرض التسوية التاريخية التي فرضها الغرب على الوطن العربي كما تجسدها ظاهرة التجزئة من ناحية ، وموقف الغرب من محاولات النهضة القومية العربية مجالات التنمية والديمقراطية والوحدة من ناحية ثانية.

1 – التـسوية الغربية : أصـل التجـزئة.
إن ظهور الأصوات الداعية إلى قومية عربية بمعناها الحديث ظهر في النصف الثاني من هذا القرن ، بعد أن كان العالم الرأسمالي الغربي قد عرف أوج ثروته الصناعية واستكمل ثورته الاجتماعية والسياسية خلال القرن 18 عشر، وكان هذا التزامن من التاريخي عاملا أساسا في تشويه التطور السياسي الاجتماعي والاقتصادي للوطن العربي، فبدلا من أن تنمو الدعوة للقومية العربية من أجل أن تجسد نفسها سياسيا بتحقيق الوحدة السياسية، وجدت نفسها في مواجهة لهجمة إمبريالية شرسة من دول الغرب الرئيسية جميعا، وبين سنة 1740 – 1920 وقع الوطن العربي في قبضة هذه الدول، وتعرض لعنفها وسيطرتها، ومنذ الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1840 إلى السيطرة البريطانية، الفرنسية الكاملة على الوطن العربي عامي 1917 – 1919، إلى إلغاء الخلافة العثمانية رسميا عام 1924 استطاع الغرب تدريجيا أن يصفي لأول مرة في التاريخ الكيان العربي الإسلامي الموحد نهائيا ويحكم أجزاءه( ) حكما مباشرا، وأن يعرض أسلوبه في الإدارة والتشييع ، ومنهجه في التربية ونمطه في الاقتصاد وأن يلحق المنطقة لدورته الرأسمالية العالمية، فيجعل منها مصدرا للمواد الخام، وسوقا استهلاكية لمتوجاته وممرا إستراتيجيا لطرقه ، وأصبحت مؤثراته الحضارية تبعا لذلك تنفذ إلى المجتمعات المسلوبة الاختيار والرفض في ظل غياب شخصية جماعية مشتركة وموحدة ، ومما زاد الأمر تعقيدا، هو الجديد الذي أتى به الغرب، حيث جاءت أوروبا إلى المنطقة بكل صراعاتها وتناقضاتها وتراكم عصور حضاراتها دفعة واحدة ، وألقت بالعبء كله على عاتق الجيل الذي حاول الإطلاع بمهمة التجديد والذي أصابته الحيرة أمام التناقضات الجدية ، إضافة إلى حيرته في مصارعته لقديمه وعناصره المتعددة ، فكان بحق جيل الحيرة ،وقد نتج عن ذلك سوء إستعاب وهضم للمؤثرات الغربية، مما أدى إلى ارتباك واضطراب في شرد المجتمعات؛ واختلال التوازن إلى حد كبير بين مورثاتها وجديدها( ).

لقد أدى سقوط الوطن العربي في براثن الهيمنة الغربية إلى عدة نتائجي طويلة المدى لا تزال آثارها تفعل فعلها حتى الآن بخاصة أنها استهدفت المس بالكيان والمعتقد، واستجدت بالتالي تناقضات وصراعات عديدة ، ومن بين هذه النتائج :
أ– تحول طاقة النضال الموحد ضد السيطرة العثمانية، التي كانت في مرحلتها الأخيرة، إلى حركات وطنية قطرية انشغلت بالكفاح ضد الاحتلال الأجنبي في كل قطر عربي ،على مدة وفي الوقت الذي بدأت فيه بعض الحركات الوطنية، تصل بأقطارها إلى الاستقلال السياسي , كانت إسرائيل قد ولدت بدعم مباشر وغير مباشر من الدول الاستعمارية نفسها التي احتلت الوطن العربي ، وانشغلت بذلك الأقطار العربية خاصة المحيطة بإسرائيل بكفاح آخر، استنفذ ولازال يستنفذ قدرا هائلا من طاقتها السياسية والاقتصادية والعسكرية( ).
ب – تسوية التطور الطبيعي للهياكل الاجتماعية للوطن العربي، فبدلا من تطوير قوى الإنتاج وعلاقتها من شكلها التقليدي إلى شكل حديث، تحولت الأقطار العربية إلى التخصص في إنتاج المواد الأولية وتصديرها إلى الدول العربية المهيمنة، وإلى سوق لاستقبال الواردات المصنعة من هذه الدول، ونشأت وتكرست تدريجيا علاقات التعبئة العربية للغرب.
ج – نشوء مؤسسات وقوى اجتماعية قطرية بدأت وظيفيا بخدمة أهداف السلطة المحتلة ، وارتبط نموها على مدى عدة عقود بهذه السلطة، وعلى الرغم من الاستقلال السياسي عن الغرب فإن تلك المؤسسات والقوى التي نشأت على يده كانت قد اكتسبت مواقع راسخة تمكنها من الاستمرار بقوة دفع ذاتية، إن نتائج ما شاب التطور الاجتماعي، السياسي لأقطار الوطن العربي من تشويه نتيجة الهيمنة الغربية خلال القرنين الماضيين ، انعكس يشكل أو بآخر على بنيانها وهياكلها في الوقت الحاضر .

وهو الذي يجعل ارتباط كل منها بالعالم الغربي في علاقة بالتعبئة الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية، أقوى من تلقائية تكاملها بين بعضها البعض اقتصاديا أو توحدها سياسيا، وحتى مع تسليم بأن البيانات الرسمية والمعاهدات التعاقدية في شأن التكامل العربي تعبر عن نوايا صادقة لصانعي القرارات في الأقطار العربية، فالنتيجة الموضوعية لذلك وهي أن نمو العلاقات الاقتصادية بين هذه الأقطار وبين العالم الغربي،بخاصة الدول الصناعية الغربية ما زال يتحقق بمعدل أقوى وأكبر مما هو بين الأقطار العربية، هذه حقيقة موضوعية لا يمكن تفسيرها إلا على أساس تشوه الهياكل الداخلية للأقطار العربية ، الأمر ما زال يكرس من تبعيتها للقوى الأجنبية التي أحدثت هذا التشويه.

في المقام الأول: أن تشويه التطور السياسي، الاجتماعي، والاقتصادي للأقطار، بفعل الهيمنة الغربية السافرة في الماضي، خلق اقتصاديات عربية متشابهة في تبعيتها ومتشابهة في وظائفها.
لقد خلفت التشوهات التي أحدثتها الهيمنة الأجنبية على التطور الاجتماعي، الاقتصادي للوطن العربي سلسلة من المتناقضات القطرية، أهمها على الإطلاق هي التجزئة، وقد نبع من هذه التجزئة نفسها سلسلة أخرى من المتناقضات مثل التفاوت في المساحة والسكان وفي الثروات القطرية والتكوينات الاجتماعية، أصبحت عقبة رئيسية في إنجاز التكامل والتوحيد ، ولكن الخطل وتخديرا لذات، أن تكتفي بإعلان مسؤولية الهيمنة الغربية عن هذه المتناقضات وتعميمها، فإذا كانت الهيمنة الغربية قد حلفتها بداية ، فالقيادات والفئات الفاعلة في الأقطار العربية تتحمل مسؤولياتها في استمرار إعاقة التكامل والوحدة ( ).

2- موقف الغرب من النهـضة القـومية:
لقد تضاعفت حدة الأزمة التي واجهتها الأمة العربية في مطلع نهضتها الحديثة، بفعل ظاهرة التجزئة التي فرضت عليها و ما ترتب عليها من مشكلات عميقة على مستويات الكيان والمعتقد ، و تفصيل ذلك أن هذه التسوية التاريخية التي ساهم الغرب في فرضها على الأمة العربية في الفترة ما بين 1920و1930 والمتمثلة في تجزئتها داخل كيانات متعددة .
وإن خلقت أمرا واقعا وقائما، لا يزال مستمرا في خطوطه إلى اليوم، إلا أنها لم تتخذ صفة الشكل الطبيعي المستمر والنهائي لوجه هذه المنطقة واتضح من توالي الشواهد الفكرية والتاريخية بعد عام 1930 أن أسس هذه التسوية تعاني خللا كبيرا، فالمنطقة العربية في جل أقطارها لم تجد فيها هويتها الحقيقية ، وأن تطمح إلى تحقيق ذاتها ضمن كيان مشترك جديد يكون امتدادا لجذورها التاريخية وبقدر ما يكون متفاعلا مع حضارة الغرب، ولقد حال الغرب دون نشوء كيان جماعي بديل في المنطقة العربية يتولى أمر النهضة الحضارية فيها بإرادتها واختيارها عندما نقص وعوده بإقامة المملكة العربية المتحدة، وحارب المحاولات الاتحادية والوحدوية التالية لها حتى اليوم .

3- مـعارضة الوحـدة:
ومن ناحية معارضة الغرب لمحاولات الوحدة الغربية ، يلاحظ أن اتفاقية «سايكس بيكر» في سنة 1919 بين بريطانيا وفرنسا أدت إلى إحباط حركة توحيد المملكة العربية بزعامة الشريف حسين وبتالي فقدت إمكانية الوحدة التقليدية، وعندما منع تصارع النفوذ بين بريطانيا وفرنسا ، توحيد سوريا والعراق في العهود الدستورية والبرلمانية، ذهبت إمكانية الوحدة اللبرالية التحديثية التطويرية .
فقد كانت التطلعات العربية المشتركة آنذاك هي تحرير سوريا من الفرنسيين وتصفية الوطن القومي اليهودي من فلسطين , ثم توحيد الهلال العصيب تحت حكم عربي مستقل، ولكن هذه الأمور كانت ضمن المصالح الكبرى الفرنسية البريطانية ، وبإحداث انفصال بين سوريا ومصر عام 1961، بعد معارضة الغرب ولاتحاد السوفياتي للوحدة ، قضي على الحركة التحررية الوحدوية الاشتراكية، لقد تبين أن الوحدة العربية تثير مخاوف الغرب اللبرالي والاتحاد السوفياتي معا بأي شكل كانت.

4 – معـارضـة التنميـة :
يؤكد الدكتور جلال أمين أن العقود الأربعة الأولى من القرن التاسع عشر شهدت محاولات رائعة لتحقيق نهضة عربية مستقلة، تعتمد على الطاقات الاقتصادية والفكرية الذاتية وتدل كل الدلائل على هذه المحاولات لو تركت وشأنها دون ضغط خارجي لكانت جديرة بأن تكون تقدما اقتصاديا لا يضحي معه بالسمات الخاصة للثقافتين العربية والإسلامية، وبأن تؤدي في الوقت نفسه إلى القيام الدولة العربية الواحدة ( ).

ثم يعطي الدكتور «جلال أمين» صورة عن إبعاد النهضة وتوجهاتها واحتمالاتها، كما شهدتها مصر وسوريا والسودان في ظل تجربة محمد علي (1805 – 1840)، ولبنان في ظل تجربة الأمير بشير الثاني (1840 – 1877)، والعراق في ظل تجربة داود الباشا (1817 – 1846) ،وشبه الجزيرة العربية في ظل الوهابية ، وليبيا في ظل السنوسية ويضيف إلى ذلك أن المألوف أن يدرس كل من هذه الحركات السنوسية والوهابية كجزء من التاريخ التجديدي للإسلام والإصلاح الديني ، تميزا لها عن التجارب ذات الطابع السياسي البحث، كتجربة محمد علي في مصر أو الأمير بشر في لبنان، أو داود باشا في العراق، على النجاح العلمي في الحركات الدينية من ناحية وقيام كلا النوعين من ناحية أخرى، من شأنه أن يلفت النظر إلى ما كان عليه المشرق العربي في تلك الفترة من حيوية واستعداد لاشك فيه لنهوض المادي والفكري على السواء، ولكن الضغط الغربي المتواصل، كما أثبتت أطروحة الدكتور «جلال أمين» هدف أساسي إلى نزع هذه الحيوية وإحباط ذلك الاستعداد، ثم تعمد الاستعمار المباشر للمنطقة بإعادة تشكيل البنية الاقتصادية للمستعمرات على أساس التجزئة ليكون اقتصادا واقتصاد كل قطر فيها مشوها وتابعا للنظام الرأسمالي العالمي ، وبعد الاستقلال ، استمر مفعول التبعية في القيام بوظيفة نفسه( )

5 : معارضة الديموقراطية :
الثورة العرابية في ستنمبر 1881يعتبر موقف الغرب من تطبيق الديموقراطية الغربية وأنظمة الحكم الدستورية البرلمانية، التي اعتمدت الليبرالية الغربية أساسا لنظامها السياسي في الوطن العربي يعتبر أكثر مدعاة للتأمل والدهشة، ونتذكر هنا أنه عندما أصبح شريف باشا رئيسا لوزراء مصر نتيجة للثورة العرابية في ستنمبر 1881 فقد تقدم في أوائل يناير عام 1882 لمشروع الدستور إلى مجلس النواب المنتخب في 26 دسبتمر 1881 ولكن إنجلترا وفرنسا عمدت إلى إرسال مذكرة إلى الخديوي لتأكيد دعمها له، وللتعبير عن معارضتها للحكم الدستوري، فمن المعروف أنه بناءا على اتفاقية ” سايكس بيكر”وصكوك انتداب وهما بمنزلة الأسس السياسية والقانونية الدولية لتكريس التجزئة ، فقد امتدت ملامح التجزئة الديموقراطية الغربية، بمؤسساتها وأنظمتها إلى الوطن العربي الذي صار له نصيب منها، لدرجة أو بأخرى في العراق ومصر وفي سوريا ولبنان، ولكن اتضح أن السلطات الأوروبية المحتلة لم تكن مخلصة في نقل النظم والمؤسسات لكل معانيها ونتائجها الخطيرة التحررية والثورية والحضارية، إلى مناطق نفوذها في الوطن العربي، وإن زعمت ذلك ، فلقد كان سلوكها العملي في هذه المناطق يناقض شكلها الحضاري في مواطنها الأصلية( ) .

وهكذا ففي السنوات الخمس الأولى من عمر الديموقراطية في مصر، بين 1924 – 1928. وجهت الحكومة البريطانية أربعة إنذارات لحكومة الدستورية الجديدة في مصر، هذه المحاولات التشريعية للبرلمان المصري في سن قوانين تعطي حرية نسبية أكبر للشعب المصري، وعندما أطيح بالحكومة البرلمانية الشعبية برئاسة مصطفى النحاس، وفرضت مكانها حكومة استبدادية من جانب القصر (وزارة محمد محمود وحرب الأحرار الدستوريين) الموالي للسلطة المحتلة في 27/06/1938 . وجرى حل البرلمان المنتحب . ثم تعطيل الدستور، عندما توالت هذه التطورات ضد الديمقراطية المصرية وهي في مهدها ، لم يجد وزير الخارجية لبريطانيا العظمى ما يقوله أمام البرلمان البريطاني،غير هذه المقولة «الاستبدادية التهديدية» “لن نسمح لأي سلطة سواء هناك دستور أم لم يكن هناك دستور، بأن تهمل التحفظات البريطانية بشأن الاستقلال فمهما كان نوع الحكومة التي يختارها الملك فؤاد وشعبه، فيجب عليهم أن يضعوا في حسبهم هذه التحفظات، ويعطوا بشأنها الترضيات”( ).
كذلك يمكن الإشارة إلى التجربة الليبرالية في العراق، حيث أدت العلاقات الخاصة التي قامت بين بريطانيا وصنعائها المحليين، إلى قيام برلمانات تعارض الإصلاحات وبالضرورة ، وقد وصف كاتب بريطانيا هذا الوضع وصفا دقيقا حيث قال: “ولهذا فقد وجد ملوك العرب ورؤساء، ووزراء أنفسهم دائما في موقف مربك محير هو موقف الوسيط الذي ينقل إلى البريطانيين ما يتعرض له من ضغط شعبي ممثل في المعارضة، وينقل إلى هذه المعارضة إصرار بريطانيا إلى التمسك بسيطرتها وإشرافها” .

ولهذا بلغت هذه المفارقة الصارخة ذروها عام 1941. حيث أعادت بريطانيا الحكم الهاشمي إلى العراق، على حطام الثورة القصيرة التي قام بها رشيد الكيلاني، وفي العام التالي فرضت بريطانيا حكومة مصرية ترضى عنها” حكومة الجلالة ملك بريطانيا العظمى”، يوم قامت الدبابات البريطانية بمحاصرة قصر عابدين في حادثة 4 فبراير 1942 المشهورة، وفرضت على ملك البلاد تكليف حزب الوفد بتشكيل حكومة جديدة في مصر، بل قد طلب السفير البريطاني في مصر آنذاك عدم المساس ببلاده باعتبارها دولة خلفية لمصر، في حملات المعركة الانتخابية ، وقد تعهد له زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس بمنع أي خطب أو منشورات انتخابية فيها مساس بريطانيا,وذلك عند ما علم أن السعديين والدستوريين يرددون أن الوزارة الحالية جاءت على أسنة رماح بريطانيا( ).
وهنا يمكن التذكير بما تقدم بالنسبة للجوانب الإيجابية للتأثير الغربي إذ ساعد على نشر التعليم وساعد بأفكاره على التأسيس للجماهير والقوى والمؤسسات الاجتماعية، بل قد ذهب ياسين حافظ للقول أنه: “مع الاستعمار ولأول مرة في التجربة العربية الحديثة، أمكن للفرد العربي أن يعارض سلطة قائمة دون أن يقتل أو يحاصر إلى أن يستسلم، من جهة، وأن يحظى بضرب من العطف السلبي الصامت من جهة أخرى، من هذا يمكن القول أن التجربة الكولونيالية هي التي أطلقت من دون أن تتعمد ذلك عملية تأسيس المجتمع العربي، الذي لم يعرف التقليد السياسي من قبل ” .

ويتضح من مواقف الغرب من محاولات النيل من النهضة القومية العربية الحديثة في مجالات الوحدة والتنمية والديموقراطية، أن الغرب يعارض التقدم العربي أساسا حتى لو اتخذ العرب من الغرب نموذجا لذلك التقدم، وأن يهتم أساسا بمصالحه الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية المباشرة، أكثر من اهتمامه برسالته الحضارية وقيمته الإنسانية،في الحرية والإخاء والمساواة، هكذا شيئا فشيئا، أخذ يتراء لمجموعة من الجيل اللبرالي العربي الذي تربى في ظ لحكم الأوروبي ، وتعلم في الجامعات الأوروبية ثم عاد إلى بلاده يدعو إلى القيم الأوروبية في السياسة والحضارة ،والحياة كلها( )، أنه كان مخدوعا وأن للغرب وجهتين متناقضتين وأن مؤثرات التي يحملها إلى المستعمرات أغلبها بهرج وقشور، أما تبشيره بثقافته وقيمه إنما هي لزعزعة ثرات المنطقة العربية ولهدم كيانها الحضاري الموحد، أكثر منه نشرا مخلصا شكر الإنساني المتحرر.
كما نشأت أزمة ضميرية دينية شرعية وسياسة عندما ألغيت الخلافة الإسلامية رسميا عام 1924، وانقسم الشرق العربي إلى دويلات “وطنية” حسب المفهوم العصري، إذ قام تعارض وتناقض بين الإنتماء التاريخي والعقيدي الشرعي القديم ” لدار الإسلام” والولاء المفترض للوطن المحلي المحدود، ولم تسمح المخططات الغربية بظهور كيان عربي بديل يعطي حس الانتماء وشعور الوحدة وتحقيق الذات ، تعرضا عن فقدان الهوية الجماعية القديمة، لذلك ارتد العربي عمليا لولائه العائلي العشائري ن أو المذهبي الطائفي والإقليمي المحلي، ولم يتحقق الولاء الوطني ( ).
لهذا كله اضطربت عملية التحديث ومحاولات النهضة الحضارية، في المنطقة العربية، تؤت ثمارا مؤكدة ، وبسبب الارتباك والاختلال أكثر مما خلقته من الحيوية والتفتح، فلا هي أدت إلى ما يشبه النموذج الياباني في النهضة التقنية مع الحفاظ على الشخصية التقليدية ولا إلى ما يقرب النموذج الصيني في الثورة الجذرية الشاملة واعتناق عقيدة جديدة باترة في القدم، ولا إلى مستوى النموذج الهندي في تحقيق حد أدنى من ملامح الدولة المعاصرة الديموقراطية مع محافظاتها على تراثها الروحي ، وطابعها التقليدي، ويلاحظ أن هذه الأمم الشرقية الكبرى الثلاث، انطلقت من مبدأ الوحدة القومية أساسا، تجابه التحديات الكبرى للعصر ومستلزماته من واقع التقسيم والتجزئة، ولم تدخل العرب مقسمة مجزأة، حيث يكاد يستحيل إنجاز تجربة تحديثية راسخة وإذا كان الحرب لعوامل داخلية ذاتية مسؤولية إلى حد كبير عن ذلك ، فإنه يجب عدم إغفال الموقف الغربي من هذه القضية، حيث وقف الغرب لأسباب إستراتيجية مصيرية ضد أي وحدة عربية فاعلة تقليدية ، كانت أم ليبرالية أم يسارية، فهذه قضية محورية تتفرع عنها وسائل التحضير والتحديث والبناء الفكري. وهي تفسر إلى حد لا يجوز إغفاله، هذا الاختلال البنيوي في الاستيعاب الحضاري( )

المطلب الثالث : الاستجابة الغربية :

بخصوص محاولات الاستجابة العربية لهذا التحدي الغربي فيمكن القول أن جذور تمتد إلى الفترة المعاصرة حيث تبدأ بتحولات عربية إسلامية، ذاتية عميقة منذ حوالي 1930 . عندما أخذت تتجمع مؤشرات الأحياء التوفيقي المستجد بين التراث والعصرنة أي بين الأصالة والمعاصرة .
وذلك بعد أن تباعد التيار السلفي والعلماني عامي 1920 – 1930 وكاد يؤديان بانشطارهما إلى تصدع خطير في بنيان المجتمع العربي والأمة وكيانها الحضاري، أضف إلى ذلك أن الأحياء الفكري التوفيقي في الثلاثينات كان بمنزلة التمهيد وحجر الأساس للاتجاهات القومية والاجتماعية الصاعدة في الخمسينات، التي حلت محل الاتجاهات اللبرالية السابقة، ذات النمط الغربي والمستغرب ، ولذلك فالحرب العالمية الثانية، لم تكن هي الخد الفاصل بين عهدين فمنهما تولدت الجذور والبدايات، إنما يلاحظ أن هذه المؤشرات المتواثرة عامي 1932 – 1939 هي التي مثلت الاستجابة العربية الهادفة العميقة للتحدي الغربي، وأعطت تفاعلات الحرب مردودها الخصب والجدري، بتحويل تلك الجذور والبدايات إلى تيارات وديناميت فاعلة, اتخذت فيها الأفكار الجديدة المتنامية في التجربة العربية قبل الحرب، بالقوى الاجتماعية الصاعدة التي أطلقها متغيرات الحرب، فتولدت من كل ذلك تلك الحركات الجديدة التي غيرت وجه الفكر والسياسة والمجتمع في الوطن العربي ( ).
ففي سوريا مثلا قامت انتفاضة شعبية هائلة عام 1946, ضد الاحتلال الفرنسي كانت أشد عنفا من انتفاضة من العام ذاته، وفي ذلك العام وافق رجال الكتلة الوطنية المشابهة لحركة “الوفد” المصري، والمكونة من الزعماء التقليديين دوي الوجه العصري ، على طمس خلافاتهم والاتحاد لمواجهة الفرنسيين، وكانت قمة جهودهم المفاوضات مع حكومة بلوم عام 1946 ، تلاها إبرام معاهدة تم تشكيل حكومة من تلك الكتلة( ) .

ولكن البرلمان الفرنسي بعد التأجيلات لم يصادق على المعاهدة ، فتقوضت بذلك شعبية الكتلة ونفوذها، وقد تكون الحرب هي التي منعت اختلال النظام وقيام انتفاضة وطنية، إلا أنه قبل الحرب كانت الكتلة ، قد غدت عاجزة في تجربتها الحكومية الأولى، فقد انتهت مفاوضات المعاهدة التي أجرتها، لا بانهيار الآمال الوطنية فحسب وإنما انتهت أيضا إلى الإخفاق في منع ضياع لواء الإسكندرية بسبب وجود عدد كبير من الضباط والمستشارين الفرنسيين، وكانت سوريا المستقلة بالنسبة إليهم أمرا شاذا . لا يقبلون به على حين حولت أعمال الشعب وتظاهرات الجماهير، الشارع إلى جحيم لقد كانت سوريا كمثال عن الإنعطافات التي كانت يعانيها كل قطر عربي، مما يدل على أن تحولا عميقا واحدا كان يغرس ويتجدر المنطقة العربية بأكملها لتستعيد وحدتها وتاريخها من بعد أن تجزأت تجريبها التاريخية منذ أواخر العهد العثماني مرورا بالعهد الاستعماري ، وإذ كان العرب قد وجدوا في الصراع الأوروبي بيتن النازية والديموقراطية فرصة لإظهار رغباتهم وامالهم الحبيسة المكبوتة، فإن السبب الحقيقي العميق للتحول ليس هو الصراع الأوروبي البعيد دائما هو إخفاق التسوية التي فرضها الغرب بأشكالها السياسية والثقافية وشبه الحضارية، في تلبية الحاجات، فالتطلعات الاجتماعية والروحية العربية الإسلامية الأصلية، بعد أن فرض عليها الغرب أساليب وطرق جديدة للتغيير، في هذا السياق جاءت الحرب العالمية الثانية ليكون فرصة لا سبب لرفض التسلط الغربي الأوروبي السياسي والحضاري، ذلك الرفض الذي تراكم ونمى منذ العهود الأولى للاحتلال وتفاقم التحدي الكيان العقيدي( ).

المطلب ا لرابع : مباحثات الوحدة العربية …..نشأة الجامعة
إن الإطار التاريخي العام الذي نشأت فيه داخله جامعة الدول العربية، هو الإطار نفسه، في خطوطه العامة، الذي تعمل في داخله حتى الآن الجامعة وغيرها من مؤسسات النظام العربي: أمة عربية واحدة، تكابلت عليها قوى السيطرة والاستغلال الغربية، وفرضت عليها التجزئة ( ).
مما ترتب عليها خلل واختلال عميق على مستويات الكيان والمعتقد،5 فضلا على تشوه التطور الطبيعي للهياكل الاجتماعية ، الاقتصادية للوطن العربي من ناحية، واستمرار السياسات الغربية، لتعميق حدة الأزمة وتنمية التخلف والتبعية والتجزئة، من ناحية ثانية، ساعدها على ذلك بروز فئات وطبقات وقوى اجتماعية محلية تحد مصلحتها ومستقبلها في الارتباط مع القوى الغربية من ناحية ثالثة، وفي مواجهة ذلك، هناك المقاومة الشعبية العريضة وحركات وفئات أخرى تعمل من أجل تغيير الوضع القائم، وفي مقدمة أهدافها عودة الأمر الطبيعي إلى أمة مزقها أعداءها ضد طبيعتها ومن مصلحتها من ناحية رابعة.

اليس مما يدعو إلى التأمل أن الصحف العربية كانت تشير إلى الاتصالات التي مهدت إلى لإنشاء “جامعة الدول العربية “باسم مباحثات الوحدة العربية، كذلك فإن المباحثات التي دعا إليها رئيس وزراء مصر عددا من رؤساء الحكومة العربية 1943، كانت تدور حول كيفية قيام وحدة عربية أو اتحاد بين الدول العربية كما قام رئيس وزراء العراق بزيارات إلى لبنان وسوريا وفلسطين وشرق الأردن في العام نفسه « لمباحثات شؤون الوحدة العربية».
ولهذا ينبغي أن تكف عن القول أن إنشاء جامعة الدول العربية، أن ما جاء حاضرا نتيجة مؤامرة بريطانية إسنادا إلى تصريح أيدن الشهير في 24 فبراير 1943 الذي جاء فيه أن الحكومة البريطانية تتميز يعين العطف إلى كل حركة بين العرب، ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية، والثقافية، والسياسية.
لأن تلك الحكومة نفسها كانت قد صرحت أيضا عبر وعد “بلفور”، بأنها تنظر بعين العطف لإنشاء وطن قومي لليهود ذلك التصريح بمنزلة مؤامرة مهدت لإنشاء «إسرائيل»، وكما ستبين الأحداث والتطورات اللاحقة بخاصة بعد التردي العربي الرهيب الذي أعقب الانتصار العربي في الحرب أكتوبر 1973
وتسارعت خطواته وأخطاؤه منذ ذلك الحين ، فإن إنشاء الجامعة يعتبر خطوة على طريق الوحدة العربية، وتبقى الآن رمزا كبيرا على حقيقتها وإمكانيتها ، وليست عقبة في طريقها، وهنا تأتي في مناقشة الجدال بين أزمة النصوص وأزمة النفوس وقبل الانتقال إلى هذه المناقشة تنبغي الإشارة إلى أن الدور الأجنبي كان موجودا وفاعلا في عملية إنشاء الجامعة من دون شك ولكنه كان دور احتواء لا دور مبادرة وكان دورا تقريبيا لا دور إنشائيا( ).

إن الجامعة مربوطة في جذورها ومبرر وجودها بفكرة الوحدة العربية فهمها العرب يوم وجدت :على أنها محطة من محطات السير نحو الوحدة وفهمتها الدول
الكبرى بخاصة بريطانيا، على أنها شكل من أشكال التعامل مع النزعة الوحدة في الأمة العربية، وسواء أصطبغ عمل الجامعة بالتوجه الوحدوي، كما وصل أحيانا أم بالجهد في لجمه كما حصل في أحيانا أخرى، فإن فكرة الوحدة موجودة دائما، فعلا أو ضمنا في شكلها، وكيانها، كذلك يلاحظ أن ميثاق الجامعة قد نص على أنها نشأت استجابة للرأي العام العربي في جميع الأقطار العربية، وهي حقيقة لا يمكن تجاوزها أو غمها حقها، لم يكن الرأي العام العربي في الفترة السابقة، لظهور الجامعة دائما، بل عبر عن نفسه تعبيرا صريحا في المؤتمرات والثورات والحركات والأحزاب التي تكون بعضها بألوان قطرية أو كانت و لا شك عربية المـنبع والاتجاه ويجب أن نعطي انتشارا هذا الوعي القومي حقه عند البحث عن العوامل التي أدت إلى نشوء الجامعة وذلك بالنسبة إلى التحركات الوطنية، وإلى التحركات الأجنبية خصوصا البريطانية .( )

ولقد كان في مقدمة هموم هذه الدولة احتواء هذا الوعي القومي والحيلولة دون تعريض مصالحها للخطر، وليس معنى ذلك أن نشأة الجامعة، كما يحسبها ميثاقها، كانت تمثل انتصارا قوميا شاملا، ولكن يمكن القول أيضا إن الجامعة بعد نشأتها في ظروف الجدل الاجتماعي والسياسي،وأيضا محاولات إذابة القومية العربية في إطار إسلامي أوسع، عند ذلك، أصبح الفكر القومي وتحويل الجامعة إلى أداة قومية مطروحا من الستينات وهذه هي الأزمة المعاصرة والمستمرة .
أصبحت جزءا من الحركة القومية العربية، أو المشكلة أن هذا الطموح القومي قد جاء بعد الحركات الشعبية الوطنية والقومية التي تمثلت في حزب البعث، وفي حركة القوميين العرب ، وفي الحركة الناصرية المواجهة لتحديات الاستعمار والصهيونية، وأيضا محاولات إذابة القومية العربية في إطار إسلامي أوسع، عند ذلك أصبح الفكر القومي وتحويل الجامعة إلى أداة قومية مطروحا منذ الستينات وهذه هي الأزمة المعاصرة والمستمرة ، لأن الميثاق ، ولأن صياغات العمل ونمط العلاقات كل ذلك قد تم في إطار جامعة أنشأت في ظروف معينة ، ويثير ذلك قضية الاستهزاء، بتحقيق الحد الأدنى في بعض المراحل إذ لا يمكن لأي عمل سياسي أو تنظيمي دون أن يبدأ دون حد أدنى.
ضرورة إصلاح جامعة الدول العربية



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *