الظاهرة الإجرامية عند المرأة – الباب الأول :
الفصل الثاني: تطور إجرام المرأة واختلافه عن إجرام الرجل
إن مقاربة ظاهرة الإجرام النسوي تقتضي منا رصد تطور هذه الظاهرة في الزمان (الفرع الأول) والمكان (الفرع الثاني) وذلك قبل أن نقوم بإجراء مقارنة بين إجرام المرأة وإجرام الرجل (الفرع الثالث).
الفرع الأول: إجرام المرأة بين الماضي والحاضر
إن الحديث عن إجرام المرأة منذ نشأة البشرية يبدو من المواضيع المعقدة، وذلك لندرة المراجع التي تناولتها باستثناء ما جاء به القرآن والسنة عن الأقوام السابقة وباستثناء بعض المدونات القديمة.

وسنتناول إجرام المرأة عبر التاريخ في “مبحث أول” نتحدث فيه عن بعض الجرائم المرتكبة من طرف المرأة في القديم، لنقتصر في مبحث ثاني على إحرام المرأة في المغرب.

المبحث الأول: إجرام المرأة عبر التاريخ
إن الحديث عن بداية إجرام المرأة يقودنا إلى البحث عن بداية الإجرام، ولعل أول وأقدم جريمة قتل وصلت إلى علمنا هي جريمة قتل أحد أبناء سيدنا آدم لأخيه وقد حدثنا عنها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:  واتل عليهم نبا ابني لآدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك ثم يتم سبحانه وتعالى في نفس السورة: فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ( )، وبذلك يؤكد لنا القرآن الكريم بأن أول جريمة ارتكبت في هذه الأرض ارتكبها رجل وليس امرأة، ويستحيل معرفة أول جريمة ارتكبتها المرأة وذلك لانعدام الدلائل على ذلك بينما يمكننا معرفة بعض الجرائم التي ارتكبتها المرأة من خلال بعض القوانين والشرائع القديمة والتي ترجع لقرون قبل الميلاد، ومن بينها ما يسمى بشريعة “أورنمو” وشريعة “بت عشتار” ومدونة “حمو رابي”.

حيث جاء في مدونة “أورنمو” 2111-2003 ق م إحدى المواد التي تعاقب الزوجة التي أغرت بمفاتنها رجلا آخر والذي أدى إلى مضاجعتها، أما مدونة “لبت عشتار” فكانت تبيح الفساد بمفهومه الواسع، وإن كان ينظر إلى الزانية غير المتزوجة نظرة أقل مستوى من المرأة العفيفة.
أما مدونة “حمو رابي” فقد تضمنت ما كان يعرف بالبغاء المقدس حيث كانت البنت تقدم إلى المعبد تقربا للآلهة ( ). وعموما فالممارسات الجنسية في كل تلك المدونات التي تم ذكرها لم تكن تعتبر الزنا –باعتباره مفهوم يشمل كل من جريمة الفساد والخيانة الزوجية بمفهوم القانون المغربي- إخلال بالنظام العام بل اعتداء على حقوق الزوجية متى كانت المرأة متزوجة.
ولقد حدثنا القرآن الكريم على قصص الأقوام السابقة، حيث جاء فيها قصصا عن بعض النساء اللواتي ارتكبت بعض الجرائم ومنها امرأة لوط، وزوجة العزيز.

إن أن امرأة لوط خانت زوجها وأصرت على عناده وقد كان جزاؤها وجزاء قومه ما قاله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إن مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، قال إن فيها لوطا قالوا نحن اعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ( ).
أما عن زوجة العزيز الذي كان وزيرا للملك على خزائن مصر في عهد أحد ملوك الهكسوس- فقد كانت تتردد بإظهار محاسنها ومفاتنها على سيدنا يوسف فانتهزت فرصة وجوده في بيتها يوما، فأوصدت الأبواب وقالت له أقبل علي فقد هيأت لك نفسي فرفض يوسف رغم إصرارها وبعد أن أراد الفرار أمسكت به من الخلف فمزقت قميصه وأنكرت ما فعلته ودخل يوسف السجن حيث لفقت له تهمة محاولة اغتصابها، وقد جاء ذلك في الكتاب العزيز والآية طويلة نذكر منها قوله تعالى: وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك…( ) ( )
وقد جاءت الكتب السماوية الأخرى أيضا محرمة على المرأة بعض الأفعال.
أما في العصر الجاهلي من كثر ما كانت ترتكبه المرأة من جرائم كلها متعلقة بالزنا من شرب للخمر والرقص في الحانات كان العرب يخشون أن تزداد عندهم البنت بل إنهم كانوا يقتلونها أو يدفنونها وهي حية وفي متقبل عمرها وذلك تجنبا للعار والخزي الذي قد تأتى به وقد جاء في ذلك قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) ( ).
وبدخول الإسلام حرم على المرأة أفعالا كثيرة كانت مباحة، إذ أن الزنا وشرب الخمر مثلا لم يكن محرما ومع أن الإسلام في بداية نزول الرسالة لم يحرم ذلك تحريما مطلقا بل كان ذلك تدريجيا حيث كان في البداية يحرم على المرء أن يسمح لابنته أن تزني مع شخص في بيت أبيها وكما أن الخمر كذلك كان يحرم إتيانه في الصلاة فقط، وكـذلك الشأن لمجموعة من الأفعال التي جاء تحريمها تدريجيا لكـن وبنزول الآية: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ( ). أصبح الحلال معروفا والحرام معروفا وأصبح أي إخلال للمرأة بتلك القواعد سببا في معاقبتها وهي في ذلك لا تختلف عن الرجل.
وبعد مرور أربعة عشر قرنا من الزمن تغير الأمر في كثير من الدول، إذ ارتفعت نسبة إجرام المرأة بتناقص حدة القوانين الرادعة وبالتخفيف من حجم العقوبة وهو الحال في الدول العربية و الإسلامية وكذلك الدول الغربية إذ بسبب مجموعة من المبادئ والتي نادى بها الفرنسيون مثل الحرية، هذه الحرية التي انتشر الحديث عنها في وسائل الإعلام الغربية، ثم حدف بعض الجرائم ونقلها من المحظور إلى ما هو اكثر من المندوب، حيث بدأت الشرعنة لدور الدعارة وتقنين ممارسة الفساد.

ففي ألمانيا مثلا ذهب المشرع الألماني إلى السماح بزواج نفس الجنس أي أن المرأة يمكنها أن تتزوج بقرينتها وكذلك الرجل وهو ما شاع في كثير من الدول كالولايات المتحدة الأمريكية حيث أصبح الفساد حقا للمواطنين في تلك الدولة.
و الجرائم مثل الفساد والبغاء( ) أصبح عند بعض الدول من القطاعات التي تشجع على السياحة فمتى كانت الحرية في الممارسة الجنسية كان الأمر استقطابا واستدراجا للسياج وبالتالي إنعاش الاقتصاد الوطني.
أما البغاء فقد أصبح ظاهرة عالمية أي أن هناك منظمات أصبحت متخصصة في البغاء وأصبح الحديث عن البغاء كجريمة منظمة ومثال ذلك جمعية الثالوث الصينية والياكوزا اليابانية والتي أصبح لها فروع في معظم الدول الأوربية والأسيوية( ).
إن التطور الذي عرفه إجرام المرأة تاريخيا يؤكد على أن إجرام المرأة يتغير بتغير تعامل القانون قاعدة وعقوبة مع ذلك الإجرام ومرد ذلك التعامل أيضا إلى التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والدينية والفكرية للمجتمعات لكن هل يشكل المغرب استثناءا عن القاعدة؟

المبحث الثاني: إجرام المرأة في المغرب
للحديث عن تاريخ إجرام المرأة المغربية وهل كانت في السابق مرتكبة إجرام أم لا، نشير أن المرأة المغربية منذ عهد قديم في المغرب لم يكن إجرامها معروفا ومشهورا، وهذا ما دفع البعض إلى اعتبار أن إجرام المرأة لا في الماضي ولا في الحاضر كان يتسم بكونه إجراما متخفيا، ولأن التاريخ لم يسجل في الغالب عن المرأة إلا ما هو ظاهر فالجدير بنا أن نشير أن المغرب منذ تاريخ قديم قد حكمته امرأة وذلك في عام 828هـ ( )، وبعد دخول الإسلام إلى المغرب عرف بعض النسوة بحفظهم للقرآن وامتيازهن في علوم الدين وبدخول المستعمر إلى البلاد كان للمرأة دورها في رد المستعمر فهي من كان يعد الرجل ومنهم بعض النساء من منقطة زمور بالخميسات وبعض النسوة في جبال الريف( ) .
وقد عرفت المرأة قبل ذلك الوقت –الاستعمار- بأنها لم تكن تخرج إلى العمل خارج حدود بيتها، إلا بعد دخول المستعمر وذلك بهدف البحث عن وسائل العيش ونظرا لوجود ووفرة المزارع التي كانت بأيد المستعمرين إلا أن ذلك دفع بالمرأة إلى الاختلاط بغيرها من المغاربة الذكور وكذلك الاختلاط بالأجانب وقد أدى بها ذلك إلى الدخول في المحظور وبدأت بإظهار ما كان متخفيا حيث خلالها بدأت بعض دور حفظ القرآن وبعض الخيريات تستقبل الأبناء الغير الشرعيين والذين كانوا يضعونهم عند أبواب تلك المؤسسات.
ولا شك أن المرأة كما سبق ذكره كانت لا تقدم على بعض أنواع الجرائم مثل جرائم الحريق والاعتداء على العرض والسرقة والجرائم المضرة بالمصلحة العامة والجرائم السياسية بل إن إجرامها كان منحصرا في جرائم مثل الإجهاض وقتل المواليد و الفساد ونادرا الخيانة الزوجية وهي جرائم تتعلق اكثر بأنوثتها.
ورغم أن نسبة إجرام المرأة لا في المغرب ولا في بقية الدول العربية الإسلامية لازال ضئيلا نسبته في كل دولة من دول المغرب العربي مثلا ترتكب المرأة جريمة واحدة مقابل 2745 جريمة مرتكبة ( ) إلا أن هذه النتيجة رغم صحتها ليست حقيقة دائمة وإنما شانها شان كل شيء في الحياة قابلة للتغير إذا تغيرت عناصرها، وهو ما لوحظ في السنوات الأخيرة في معظم الدول تقريبا حيث اقترن وضع المرأة في المجتمع بارتفاع ملحوظ في نسبة ما ترتكبه من جرائم إلى إجمالي ما يقع من جرائم وكذا ارتفاع معدل جرائم النساء بصفة عامة وتغير أنماطها.
فمع أن نسبة الإجرام مقارنة مع الرجل لم تتغير وذلك بسبب ارتفاع نسبة إجرام هذا الأخير أيضا إلا أنه إذا نظرنا إلى جرائم المرأة منفردة فإننا سنجده في تصاعد مستمر وهو ما تعبر عنه الإحصائيات.
ونعرض فيما يلي إحصائيات عن بعض جرائم النساء في مدينة مكناس:
إحصائيات عن بعض الجنايات والجنح من محكمتي الاستئناف والابتدائية سنوات 2001-2002 ( ) وسنة 2004 ( ).

2004
2001-2002 السنة
نوع الجريمة
9 6 القتل
50 42 السرقة
126 13 السكر العلني
190 الفساد و283 التحريض عليه 176 الفساد والتحريض عليه
12 17 الخيانة الزوجية

وانطلاقا من ذلك يتضح الارتفاع الخطير في بعض الجرائم كالسكر العلني والفساد والتحريض عليه، إذ أن السكر العلني ازداد بنسبة ثمان مرات ما بين 2002 و2004 وجرمة الفساد والتحريض على الفساد تضاعفت هي الأخرى إلى مرة ونصف وذلك بمرور سنتين فقط.
ولاشك أن هذا الارتفاع له أسباب ومسبباته، فقلة مصادر العيش وقلة العمل وهشاشة البيئة الاجتماعية والأسرية والدينية والأخلاقية التي تعيش فيها المرأة المجرمة سيحول بها لا محالة إلى البحث عن وسائل للعيش كالفساد الذي قد يدفعها إلى ارتكاب جرائم أخرى معه كالسرقة والسكر إلى غير ذلك.
كما أن تكاثر حانات الخمر وكذا هجرة القرويات للبحث عن عمل في المدينة وسوء تربية الفتاة أدى بها إلى ارتكاب الجريمة وهي لم تبلغ بعد سن الرشد، ويلاحظ الارتفاع وإن كان بسيطا في عدد السجينات الجانحات والبالغين أقل من 20 سنة وذلك ما بين سنتي 2002 و2003، دليل على أن المرأة المغربية لا تعد استثناءا من نساء الدول العربية إذ أن نسبة إجرامها في تزايد مستمر وفيما يلي جدول عن عدد السجينات البالغات أقل من 20 سنة.
جدول عن المعتقلات البالغات من العمر أقل من 20 سنة والمحكومات بصفة نهائية في المغرب ما بين 31/12/2002 و31/12/2003 ( ).
عدد السجينات عدد السجينات
السنة
أنواع الجرائم
31-12-2004 31-12-2002
5 6 الاعتداء على الأشخاص
18 23 الاعتداء على الأموال
27 22 ضد نظام الأسرة والأخلاق العامة
4 4 الإخلال بالأمن العام وبالنظام العام
9 4 جرائم القوانين الخاصة
7 8 جرائم أخرى
70 67 المجموع

يبدو من خلال هذا الجدول أن نسبة إجرام المرأة والمحكوم عليها نهائيا والبالغة أقل من 20 سنة لم يتزايد إلا بنسبة ضئيلة جدا بل إن بعض هذه الجرائم قد انخفض مثل الاعتداء على الأموال الذي انخفض عدده من 23 إلى 18.
بينما الجرائم المرتكبة ضد نظام الأسرة والأخلاق العامة تزايد من 22 إلى 27 سجينة.
وعلى العموم فمجموع السجينات المحكومات نهائيا ارتفع من 67 إلى 70 سجينة.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الإجرام الظاهر والذي تتضمنه إحصائيات المحاكم وإحصائيات السجون وإحصائيات الشرطة والدرك يقل بكثير عن الإجرام الحقيقي أو ما يسمى بالإجرام الخفي إذ أن هذا الأخير هو الذي لا تتضمنه تلك الإحصائيات بمعنى أنه هو الذي لا يبلغ إلى علم الشرطة وهذا هو الذي لا يمكن معرفة عدده أو ضبط نسبته.
ويعود سبب تراكم القضايا في المحاكم الجنائية المغربية حاليا إلى تحرك الشرطة وكذلك إلى ظهور نوع جديد من الشرطة، إذ بسبب تزايد الدوريات الليلية والنهارية تم اكتشاف مجموعة من الجرائم ترتفع أو تقل حسب تزايد نشاط وعمل الشرطة أو تناقصه( ).
وبالتالي فارتفاع نسبة إجرام المرأة في المغرب د لا يعني دائما أن هذه الجرائم هي بالفعل من ارتفع أكثر مما هو ازدياد في نشاط عمل الشرطة.

الفرع الثاني: إجرام المرأة بين المدينة والقرية
يؤثر موقع المكان تأثيرا كبيرا على ظاهرة الإجرام، ولكن هذا التأثير في الغالب غير مباشر، ويرجع إلى العلاقة الوثيقة بين الموقع الجغرافي وبين كثافة السكان ودرجة ثرائهم.
فما مدى تأثير عامل المكان على طبيعة وكمية الجريمة المرتكبة من طرف المرأة؟ وإن كان لهذا العامل تأثير على الظاهرة الإجرامية فما هي العوامل التي تؤدي إلى اختلاف نسب الإجرام من كمان لآخر؟
للإجابة على هذه التساؤلات سنقوم بدراسة مظاهر اختلاف إجرام المرأة بين المدينة والقرية في مبحث أول على أن نخصص مبحثا ثانيا لدراسة مختلف العوامل المؤثرة في ارتفاع نسبة الإجرام في المناطق الحضرية.

المبحث الأول: مظاهر اختلاف إجرام المرأة بين المدينة والقرية

يرى كليفورد شو -مؤسس النظرية الإيكولوجية- أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية لمنطقة جغرافية معينة تمارس تأثيرا كبيرا وحاسما على معدلات الجريمة ( ). ذلك أن المناطق التي تعرف ارتفاعا في كثافتها السكانية وتدهورا في ظروفها الاقتصادية و الاجتماعية تكون نسبة الإجرام فيها جد مرتفعة.
واعتمادا على هذه النظرية برزت الفكرة التي تركز على العلاقة المباشرة بين المدينة و الإجرام. إذ يجمع علماء الإجرام على أن معدل الجريمة يكون أكثر ارتفاعا في المدينة عنه في القرية، وعلى أن بنية الجريمة تختلف من حيث الجانب النوعي ما بين المجال الحضري والمجال القروي( ).
فما مدى الاختلاف الحاصل بين المدينة والقرية من حيث نسبة الإجرام سواء على الصعيد الكمي (المطلب الأول) أو على الصعيد النوعي (المطلب الثاني)؟

المطلب الأول: اختلاف إجرام المرأة بين المدينة والقرية من حيث الكم

تؤكد الإحصاءات التي أجريت في أغلب دول العالم أن هناك اختلافا ملحوظا بين إجرام المدن وإجرام الأرياف، حيث أثبتت أن نسبة الجريمة في المدن الصناعية الكبرى تفوق نسبة الجرائم المرتكبة في المدن المتوسطة وتليها المدن الصغرى( ).
وحسب دراسة أجريت بفرنسا خلال سنة 1993 تبين أن معدل الإجرام في المدن الصغرى التي تقل كثافتها السكانية عن 25000 نسمة لم يتجاوز 61.2 ، أما المدن المتوسطة التي تصل كثافتها السكانية إلى 250.000 نسمة فقد تراوح معدل الإجرام فيها ما بين 75 و85 في حين وصل في المدن الكبرى التي تفوق كثافتها السكانية 250.000 نسمة إلى 117.2 ( ).
وإذا كان هذا حال الإجرام عموما فإن الإجرام النسوي لا يخرج بدوره عن هذه القاعدة. فقد أثبتت كل الدراسات التي أجريت بهذا الصدد أن إجرام الإناث في المدن يوفق بكثير إجرامهن في القرى، ففي ألمانيا مثلا بلغ معدل إجرام النساء في المناطق الحضرية 54.7 لكل 10.000 نسمة، مقابل 32.6 في المناطق الريفية، وذلك ما بين سنة 1896 و1920، وفي هولندا بلغت نسبة جرائم الإناث 12% من العدد الإجمالي للجرائم في المدن في حين لم تزد هذه النسبة عن 4 % في الأرياف ( ).
أما بالنسبة للدراسة التي أجريناها بمنطقة مكناس فقد أثبتت بدورها العلاقة الوثيقة بين الجريمة والبيئة التي يعيش فيها المجرم، فقد تبين من خلال الإحصائيات التي حصلنا عليها( ) أن نسبة الجرائم المرتكبة في المدنية بلغت 81.19 % خلال سنة 2004 مقابل 18.81 % في المناطق المجاورة لها ( )، وذلك حسب التفصيل الوارد بالجدول التالي:
بوفكران عين عرمة الدخيسة مكناس المنطقة
14 14 208 1019 عدد الجرائم
1.12% 1.12% 16.57% 81.19% النسبة المئوية
من خلال الأرقام الواردة بالجدول أعلاه يتضح أن إجرام المرأة بمنطقة مكناس لم يخرج عن المنحى الذي سار عليه علماء الإجرام في تحديد العلاقة المباشرة بين الجريمة ودرجة الحضرية وذلك أنه كلما اتجهنا نحو المدينة كلما ارتفعت نسبة الجريمة. فإذا أخذنا مدينة مكناس سنجد أن عدد الجرائم بها قد بلغ 1019 جريمة في حين لم تسجل بالضواحي إلا 236 جريمة، سجلت منها 208 جريمة في منطقة الدخيسة والباقي موزع بالتساوي ما بين عين عرمة وبوفكران، وهذا ما يزيد تأكيدا للطرح السابق، إذ أن الدخيسة هي أقرب هذه الضواحي للمدينة بل إنها متصلة بها تماما.
إذا كانت هذه الإحصائيات تدل على ارتفاع الإجرام بنسبة كبيرة في المدينة فإن ما ينبغي الإشارة إليه أن هذه الإحصائيات ليست ذات دلالة قاطعة، إذ من المحتمل أن يكون هذا الارتفاع مجرد اختلاف ظاهري سببه تقاعس الأجهزة المختصة بالكشف عن الجريمة وتعقب مرتكبيها أو بسبب عدم الإبلاغ عن الجرائم المرتكبة خاصة في البوادي والقرى التي تعرف تماسكا وترابطا قويا في العلاقات التي ترتكز على رابطة النسب والدم والجوار بين سكانها.

المطلب الثاني: اختلاف إجرام المرأة بين المدينة والقرية من حيث النوع

هناك اتفاق بين معظم الباحثين في علم الإجرام، إن لم نقل كلهم، على أن جرائم الاعتداء على الأشخاص تسود في المناطق القروية، في حين تنتشر جرائم الاعتداء على الموال وجرائم الآداب في المدن( ).
وقد عبر سيزار لمبروزو عن هذا الموقف بقوله أن لكل من البيئة الحضرية والبيئة الريفية نمطا من الجرائم ذا طابع خاص، فجرائم الريف يغلب عليها الطابع البربري وتدفع إليها الرغبة في الانتقام والطمع والشهوة البهيمية، أما في المدينة فإن الإجرام يتميز باللين وتهذيب الشهوات ويقوم على الحيلة والخداع( ).
ولهذا القول أساس كبير من الصحة، فقد أثبتت الدراسة التي أجريت بجمهورية مصر العربية من طرف أعضاء قسم بحوث الجريمة بالمعهد القومي للبحوث الجنائية، أن جرائم العنف المرتكبة ضد الأشخاص وجرائم الانتقام بالإحراق العمد أو إتلاف المزروعات أو تسميم المواشي يزيد ارتكابا في المناطق الريفية في حين ترتفع جرائم السرقة والرشوة والتزوير والاختلاس وجرائم الفساد وهتك العرض في المناطق الحضرية( ). أما الدراسة التي أجريت بالولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال فقد أكدت أن جرائم الاعتداء على الأشخاص وجرائم الاعتداء على الأموال ترتفع في المدن مقابل ارتفاع نسبة ارتكاب الجرائم الجنسية في الأرياف، وهذا ما تم تأكيديه من خلال الدراسة التي أجريت بفرنسا، حيث تبين أن الجرائم الجنسية تقع في المدن الصغرى، والمدن المتوسطة، وكذلك في الريف بنسبة أعلى مما تقع عليه في المدن الكبرى( ).
أما بالنسبة للإجرام النسوي بمنطقة مكناس وضواحيها( )، فقد تبين من خلال الإحصائيات الخاصة بسنة 2004 أن مدينة مكناس تعرف ارتفاعا ملحوظا في الجرائم الماسة بالخلاق التي بلغت نسبتها 99.04 % مقابل 0.96 % بالضواحي وكذا جرائم الاعتداء على الأموال التي بلغت فيها 84.95 % مقابل 15.05% بالقرى المجاورة، وجرائم الاعتداء على الأشخاص التي سجلت نسبة 63.12 % مقابل 36.88% بالضواحي.
criminalité des femmesوبالمقابل يلاحظ ارتفاع نسبة الجرائم الماسة بالأسرة بالقرى، حيث بلغت نسبتها 47.79 % مقابل 52.21 % بمكناس، وذلك كما هو مبين في الجدول الموالي:
مبيان خاص بنسبة الإجرام النسوي بمنطقة مكناس وضواحيها
الشعوذة جرائم الأسرة جرائم الأخلاق جرائم الأموال جرائم الأشخاص أنواع الجرائم
% ع.الجرائم % ع.الجرائم % ع.الجرائم % ع.الجرائم % ع.الجرائم المنطقة
– – 5.79 59 51.03 520 20.51 209 22.67 231 مكناس
2.4 5 24.04 50 0.96 2 16.35 34 56.25 117 الدخيسة
– – – – – – 21.43 3 78.57 11 عين عرمة
– 15 – – 15 – 48 – سبع عيون( )
– 28.57 4 21.43 3 – 50 7 بوفكران
جدول خاص بتوزيع الجرائم بين مكناس والقرى المجاورة لها

مبيان خاص بتوزيع جرائم النساء بمنطقة مكناس

إذا ما أردنا تحليل نوعية الإجرام بكل منطقة على حدة اعتمادا على المعطيات الرقمية للجدول أعلاه، فإننا سنجد أن مدينة مكناس تهيمن بها الجرائم الأخلاقية بنسبة 51.03% التي تعرف ارتفاعا ملحوظا في نسبة جرائم التحريض على الفساد، أما جرائم الأشخاص فقد شكلت فيها نسبة 22.67% وخاصة جرائم الجرح والضرب، في حين لم تسجل جرائم الأموال إلا نسبة 20.51% شكلت منها جرائم عدم توفير مؤونة شيك النسبة الأكبر، وبهذا تكون هذه المدينة قد سجلت انخفاضا في جرائم الأموال مقابل ارتفاع جرائم الأشخاص على عكس ما هو سائد في معظم المدن وخاصة مدينة الدار البيضاء التي تعرف ارتفاعا كبيرا في نسبة الجرائم المرتكبة اتجاه الأموال.
أما الدخيسة فتعرف ارتفاعا كبيرا في نسبة جرائم الاعتداء على الأشخاص وذلك بنسبة 56.25% تليها الجرائم المرتكبة ضد الأسرة بنسبة 24.04% مع انخفاض كبير في نسبة جرائم الأخلاق التي تكاد تكون فيها منعدمة. أما سبع يعون وبوفكران فلا يختلفان بدورهما عن الدخيسة بحيث ترتفع فيما نسبة ارتكاب جرائم الاعتداء على الأشخاص والجرائم الماسة بنظام الأسرة، في حين تنعدم جرائم الأخلاق بسبع عيون. في الوقت الذي شكلت فيه أقل نسبة من بين الجرائم المرتكبة ببوفكران، أما عين عرمة التي سجلت أقل نسب الإجرام بالمنطقة فيكثر بها ارتكاب جرائم الأشخاص وجرائم الأموال، في حين تنعدم فيها جرائم الأخلاق والجرائم الماسة بالأسرة.
إذا كانت هذه هي طبيعة الجرائم بالمنطقة فما هي أسباب اختلاف الأنواع السائدة من منطقة إلى أخرى؟ وهل لهذا علاقة بدرجة التحضر؟ أم أن السبب في ذلك يرجع لتأثير العادات والتقاليد السائدة بالمنقطة؟

المبحث الثاني: العوامل التي تؤدي إلى ارتفاع نسبة الإجرام في الحضر

يقول ابن خلدون في مقدمته أن : “أهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا، والعكوف على شهواتهم منها قد تلونت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر وبعدت عليهم طريق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك… وأهل البدو إن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات، ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير…”( ).
وبذلك يكون أول من أشار إلى العلاقة بين التحضر وارتفاع درجة الانحراف لدى الأفراد، حيث اعتبر أن أهل الحضر أكثر انحرافا من أهل البدو بالنظر لاختلاف ظروف العيش بين القرية والمدينة، وبمعنى آخر يعتبر ابن خلدون أن تقدم الحضارة يصاحبه تضاعف الحاجات والرغبات الإنسانية، والمجهود المبذول في سبيل اتباع هذه الرغبات من المحتمل في كثير من الحالات أن يؤدي إلى سلوك إجرامي أو مرذول.
وتبعا لذلك فقد رصد الباحثون خاصة منهم علماء الاجتماع الجنائي جملة من العوامل يمكن اعتبارها أسبابا مفسرة لتباين سبب الإجرام بين المدينة والقرية، منها أن اختلاف الإجرام في المدن عنه في الريف يعزى إلى كثرة السكان في المدن وتنوعهم مما يؤثر بالضرورة في العلاقات الاجتماعية التي تربط بين الأفراد والجماعات، وهي علاقات تقوم على أساس المواجهة مع أفراد الأسرة والمدرسة، وأهل الحي. وبعبارة أخرى يرجع علماء الاجتماع الجنائي ارتفاع نسبة الإجرام في المدن إلى تفشي عوامل التفكك الاجتماعي في المناطق الحضرية، فأغلب سكان المدن غير مستقرين، وتضعف بينهم الروابط الشخصية الاجتماعية ، كما يضعف تأثير عوامل الضغط الاجتماعي المنبثقة عن الجماعات الأولية التي يتشكل منها مجتمع المدينة كالأسرة والجيران. هذا بينما يزداد في الوقت ذاته تأثير الصراع الحضاري واختلاف الثقافات والمعتقدات وتضارب المثل والقيم بين سكان المدن( ).
كما أن تقدم الحضارة يصحبه زيادة في عدد القوانين لتي تحكم السلوك الإنساني وتنظم علاقات الأفراد فيما بينهم، وهذه الزيادة في عدد القوانين تقابلها زيادة الفرص لمخالفتها وتبعا الزيادة في عدد الجرائم المرتكبة ( ).
هذا وقد أكدت الدراسات الإيكولوجية الحديثة التي أجريت بهدف الكشف عن العلاقة ما بين ظروف البيئة وطريقة سلوك الأفراد في المنقطة الواحدة، أن معدلات الإجرام في بعض مناطق المدينة التي تتميز بكثافة سكانية واضطراب اقتصادي وهبوط في مستوى الدخل وتباين في المستويات الحضارية، وانتشار ظواهر التشرد والتصدع الأسري وسوء المسكن وهي مناطق غالبا ما تكون محيطة بالمراكز الصناعية والمراكز التجارية. وعلى هذا الأساس فإن معدلات الإجرام ترتفع في وسط المدينة ثم تنخفض تدريجيا في الأحياء السكانية بالضواحي( ).
وهذا ما أكدته الدراسة الميدانية التي أجريناها بمنطقة مكناس، حيث ثبت أن إجرام المرأة بهذه المنطقة يرتفع بالمدينة وينخفض تدريجيا كلما اتجهنا نحو الضواحي.
وإذا بحثنا في الأسباب التي أدت إلى هذا الاختلاف سنجد بداية أن المنطقة تتميز بطابعها الفلاحي فأغلب سكانها يمتهنون الفلاحة وهذا له انعكاساته على أنواع الجرائم المقترفة، فإذا كانت المدينة تتميز بجرائم الاعتداء على الأموال وجرائم الاعتداء الأشخاص وجرائم الآداب فإن المناطق القروية المحيطة بها تعرف تزايدا في جرائم الاعتداء على الأشخاص التي يكون الدافع إليها في الغالب النزاعات المتعلقة بالأرض (المنازعات على الحدود، رعي المواشي في حقول الغير…) حيث تتطور هذه النزاعات لتفضي في معظم الحيان إلى جرائم (الضرب والجرح، العنف، التهديد، القتل).
كما أن الاختلاف الحاصل في المستوى الثقافي والاقتصادي والاجتماعي بين المدينة وضواحيها له التأثير الكبير في اختلاف الجرائم بينها لا من حيث الكم ولا من حيث النوع، فإذا كانت ساكنة مكناس تتمتع بمستوى تعليمي مرتفع نسبيا فإن المناطق القروية على خلاف ذلك، تعرف ارتفاعا في نسبة الأمية والتي تتفشى بنسبة عالية بين النساء.
ومن جهة أخـرى نجد أن سكان القـرى يمتهنون الفلاحة بالإضافة إلى الحـرف التقليدية التي تؤمن لهم الغذاء الكافي، وهذا يؤدي إلى حرمان الأسر من تلبية الحاجيات الأساسية لأبنائها، وبالتالي عدم تسليحهم بالخبرات التي توفر لهم أسباب الكسب المناسب، لذلك نجد عدوى البطالة انتقلت من المدن لتشمل حتى البوادي، وهذه الظروف الصعبة والإكراهات تدفع بسكان البوادي للهجرة نحو المدينة بحثا عن العمل والاستقرار، معتقدين أن المدينة ستوفر لهم ظروف العيش أحسن مما هي عليه في البادية، ولكن العكس هو الصحيح، فالهجرة تزيد من تأزم المدن وفقرها حيث يتكدس هؤلاء في أحياء هامشية محرومة من السكن الصحي، والشروط الاجتماعية والتربوية والأخلاقية المناسبة، مما يجعل الأطفال عرضة للانحراف، ففي البادية تكون درجة الضبط الاجتماعي عالية نسبيا وتكون العائلة أكثر تمسكا بالعقائد الدينية والمثل الخلقية، ولكن الحياة في المدن تجعلهم يشعرون بحرية مفاجئة ويتعرض لضغوطات نفسية وعاطفية ويصطدمون بقيم جديدة تعاير القيم التي تربوا عليها.
هذا بالنسبة للمهاجرين من البادية إلى المدينة أما سكان المدينة فهي ليسوا على أحسن حال. فهناك البطالة التي تمخر كيان الأسر، وكذلك انتشار المخدرات خاصة في الأحياء الشعبية (ويسلان، وجه عروس على سبيل المثال) وانعدام التضامن والتكافل الاجتماعي، وانتشار الطبقية مما يخلق اضطرابات اجتماعية وتفاوت طبقي، هذا بالإضافة إلى تدني مستوى العيش وكثرة أفراد الأسرة، وأمام ضآلة درجة الضبط الاجتماعي تتجه الأسرة نحو التسيب نظرا لانحسار السلطة الأبوية.
ولعل كل هذه العوامل هي التي أدت إلى تفشي جرائم الفساد بمدينة مكناس، فالجهل والأمية والفقر والشدة في المعاملة التي تعرفها الأسر المغربية اليوم أدى إلى انحلالها وتصدعها، أضف إلى ذلك التأثر بالغرب وعاداته وتقاليده التي لا تمت بصلة إلى ثقافتنا العربية و الإسلامية فكل هذه الظروف والعوامل ساهمت في ارتفاع جرائم الأخلاق بنسبة كبيرة في أوساط النساء بمدينة مكناس.

الفرع الثالث: إجرام المرأة واختلافه عن إجرام الرجل
قد يبدو أن تحديد نوع الجرائم التي ترتكبها المرأة ومقارنتها بما يرتكبه الرجل عملية سهلة لا تحتاج إلا إلى مراجعة البيانات الإحصائية الخاصة التي ترتكب سنويا لتحديد نوع مرتكبيها أي كونهم ذكورا أو إناثا وما ترجح فيه نسبة الإناث على الذكور أو العكس، لكن الأمر أصعب من ذلك بكثير وأشد تعقيدا على الأقل من وجهة نظر علماء الجريمة الذين لا يتقون في الإحصائيات الجنائية ولا يسلمون بصدقها لا بسبب ما قد يلحقها من تعديل على يد الجهات التي تصدرها وهي غالبا الأجهزة المسؤولة عن الأمن التي تفعل ذلك لسببين: أحدهما طمأنة الناس عن أحوالهم وثانيها الظهور أمام المسؤولين أي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بمظهر الذين قاموا بواجبهم على الوجه الأكمل وأدوا دورهم بالشكل الأمثل ولكن لسبب آخر لا يرجع إلى رجال الأمن وإنما إلى طبيعة بعض الجرائم التي ترتكبها المرأة أو ما يحيط بها من ظروف تحول دون علم رجال الشرطة بها ولا تدرج في إحصاءاتهم الجنائية وتبقى في دائرة الظل، ورغم هذا لا تنتفي عنها تهمة الجريمة، بالإضافة إلى ن هناك عجزا مزمنا في الدراسات التي اهتمت بدراسة ظاهرة الإجرام ككل، حيث لاحظنا إغفال شبه تام لموقع المرأة من هذه الظاهرة والبعض من العلماء الذين اهتموا بدراسة ظاهرة إجرام المرأة أو أشاروا إليها ضمن دراستهم لإجرام الرجل، يلاحظ أن سبب هذه الظاهرة راجع إلى التحرر المباغث الذي تعرضت له المرأة دون أن تكون مستعدة تمام الاستعداد لقبوله والانسجام معه هذا التحرر الذي عرض المرأة إلى مشاكل وصراعات المجتمع الذكوري، وقد أوقع هذا التحرر المرأة العربية عموما والمغربية خصوصا أيضا في فخ الجريمة.
وكان من الطبيعي ونحن نتكلم على إجرام المرأة أن نتساءل عما إذا كان هناك اختلاف بينها وبين إجرام الرجل، ثم عن الأسباب الكامنة وراء هذا الاختلاف.
وبهذا ينقسم هذا الفرع إلى مبحثين كالتالي:

المبحث الأول: مظاهر الاختلاف بين إجرام المرأة وإجرام الرجل

من الحقائق العلمية الثابتة أن إجرام المرأة يختلف عن إجرام الرجل كما ونوعا وجسامة وقد شدت هذه الحقيقة الباحثين الظاهرة الإجرامية بعد أن تم إثباتها بلغة الأرقام من خلال الإحصائيات الجنائية التي رصدت هذه الظاهرة في أزمنة متعاقبة وفي أماكن مختلفة، وإذا كان الباحثون قد سلموا جميعا بهذه الحقيقة فإنهم مع ذلك ذهبوا مذاهب شتى في تفسيرها فلندرس أبعاد هذا الاختلاف.

المطلب الأول: الاختلاف في الكمية

تؤكد الإحصائيات في جميع الدول مهما اختلفت درجة رقيها وتاريخ حضارتها بأن عدد الجرائم التي ترتكبها المرأة يقل كثيرا عن عدد الجرائم التي يرتكبها الرجل، ويقدر البعض استنادا إلى بعض الإحصائيات الجنائية الجرائم التي ترتكبها النساء بما يعادل 1/10 الجرائم التي يرتكبها الرجال وعلى أية حال، فالثابت أن نسبة إجرام المرأة أثقل بكثير من نسبة إجرام الرجل، منظورا إلى العدد الإجمالي للجرائم فقد بلغت نسبة إجرام المرأة في مصر وفقا لإحصاء سنة 1970، 4% من الإجرام الكلي بينما بلغت هذه النسبة في فرنسا سنة 1969 10% وفي ألمانيا أثبتت الإحصائيات في إحدى السنوات أن إجرام المرأة وصل إلى 14% من الإجرام الكلي وهذه النسبة كانت في الولايات المتحدة 8% وفي سويسرا 12%…( ) وفي المغرب فإن الملاحظات حول سير الجلسات في الميدان الجنائي ومدى مشاركة الأنثى تؤكد قلة إجرام النساء ونسبتها الضئيلة بالنسبة لإجرام الرجال و هذا ما أثبتته الإحصائيات الجنائية بكثير من المدن المغربية وفي سنوات مختلفة ومن أمثلة إجرام المرأة بمدينة مكناس سنة 2004 وفق الجدول ( ) الآتي :
عدد المتهمين عدد الجرائم أنواع الجرائم
نساء رجال
10.8% %89.15 2046 جرائم الاعتداء على الأشخاص (الضرب والجرح، العنف، التعذيب، محاول القتل العمد)
10.9% 89.13% 3135 جرائم الاعتداء على الأموال (السرقة الموصوفة، النصب، خيانة الأمانة، إخفاء المسروق، جرائم التزوير، جرائم الشيك، إلحاق خسائر مادية بملك الغير)
30.3% 69.67% 1396 جرائم الماسة بالأخلاق (الفساد، التحريض على الفساد، إعداد منازل للدعارة، السكر العلني)
50% 50% 51 جرائم الاعتداء على ملك الغير (انتهاك حرمة المسكن، الهجوم على المؤسسات التعليمية)
30.6% %69.4 106 جرائم الأسرة (إهمال الأسرة، التخلي عن الأطفال الرضع، الخيانة الزوجية)
5.4% %94.5 726 المخدرات
جدول يبين كمية إجرام كل من الرجل و المرأة، مدينة مكناس 2004.

وهكذا فإنه يمكن التسليم بصفة أولية وجزئية –مدينة مكناس- حقيقة واضحة وثابتة أن إجرام المرأة يمثل نسبة ضئيلة من إجرام الرجل، فبالرغم أن عددهن يزداد في الجرائم الماسة بالأخلاق والسبب في ذلك راجع للفقر والتفكك الأسري وضعف القيم الدينية والأخلاقية ومع انتشار وسائل الإغراء كالفنادق والملاهي الليلية فالمقابل نجد أن مشاركة المرأة في جرائم الاعتداء على الأشخاص وجرام الأموال قليلة مقارنة مع الرجل فالإحصاءات تشير إلى أنه في سنة 2004 فيما يتعلق بجرائم القتل فقد قامت المرأة بجريمة قتل واحدة مقابل 12 جريمة قتل، أما جرائم الضرب والجرح فهناك 977 جريمة قام بها الرجل مقابل 134 جريمة قامت بها المرأة، أما السرقة الموصوفة بالنسبة للرجل 369 جريمة وبالنسبة للمرأة 27 جريمة فقط.
أما بالنسبة لجريمة السكر العلني فقد بلغت لنفس السنة 42 جريمة قامت بها المرأة مقابل 1157 جريمة قام بها الرجل( ).
ومن خلال هذه الإحصائيات نلاحظ بوضوح الاختلاف والفرق الكبير بين عدد الجرائم التي تقوم بها المرأة بالمقارنة مع عدد الجرائم التي يقوم بها الرجل فقد تصل إلى خمسة أضعاف أو اكثر بالنسبة لعدد جرائم المرأة.
وقد حاول بعض العلماء إنكار هذا الاختلاف العددي بين إجرام الرجل و المرأة وذلك باعتباره مجرد اختلاف ظاهري فحسب، فذهب “لومبروز” إلى أن ممارسة المرأة للبغاء يستغرق هذا التفاوت أو يعادله أي أنه إذا أضيف ما تمارسه المرأة من بغاء إلى مجموعة جرائم النساء لاقتربت أو تساوت المرأة في إجرامها مع الرجل( ).
وذهب آخرون إلى أن هذا النقص الظاهري الذي تثبته الإحصائيات في كمية إجرام النساء يرجع لسببين:
*السبب الأول: أن كثير من جرائم النساء يتم في الخفاء بينما لا تتيح للرجل ظروفه أن يخفي ما يرتكب من جرائم ومن أمثلة الجرائم التي تخفيها المرأة جرائم الإجهاض وقتل الأطفال حديثة الولادة، وما ترتكبه الخادمات من سرقات في المنازل التي يقمن بالخدمة فيها.
*السبب الثاني: أن كثيرا من الجرائم التي يرتكبها الرجال يكون سببها المرأة فقد أثبتت الدراسات الإحصائية أن المرأة تكون سببا في 40% من الجرائم التي تقع ضد الأخلاق و 20% من جرائم القتل و 10% من جرائم السرقة( ).
ويمكن الرد على الحجج السابقة:
فمن حيث جرائم البغاء يكفي لدحض هذه الحجة ما أثبتته الإحصاءات من أنه حتى في الدول التي تجعل من البغاء جريمة، فإن ذلك لم يحل دون بقاء ظاهرة قلة نسبة إجرام المرأة بالنسبة لإجرام الرجل.
ومن حيث الجرائم التي ترتكب في الخفاء يجوز المبالغة في تقدير قيمتها إذ هي تعتبر جزءا محدودا من الجرائم فقط، ولذلك فإنه حتى إذا أضيف إلى إجرام الرجل، فإنه لا يقضي على الفرق الكبير بين إجرامها وإجرام الرجل، وفيما يتعلق بكونها السبب في بعض جرائم الرجل فهو قول يتعارض مع المنطق القانوني، فمادامت المرأة لم تقم بفعل يكفيه القانون بأنه جريمة، فلا يجوز الاعتداد به في تحديد إجرام المرأة لأنه يتعارض مع مبدأ المسؤولية الشخصية( ).
وهكذا فينبغي أن نسلم بحقيقة واضحة أثبتتها جميع الإحصاءات في مختلف الدول سواء المتقدمة منها أو المتأخرة وعبر جميع العصور والأزمنة أن المرأة أقل إجراما من الرجل من حيث الكمية.
هذا من حيث كمية إجرام المرأة فماذا عن نوع إجرامها.

المطلب الثاني: الاختلاف في النوع

أثبتت الإحصائيات الجنائية في كثير من الدول حقيقة ثانية فيما يتعلق بأثر الجنس على ارتكاب الجريمة وهي أن المرأة تختلف عن الرجل من حيث إقدامها بنسبة أكبر على نوع معين من الجرائم بينما لا يقدم الرجل على هذا النوع بنفس النسبة وسوف نحاول توضيح ذلك حسب الجدول الآتي( ).
الجناة نوع الجريمة المرتكبة
النساء الرجال
134 977 الضرب والجرح
52 530 العنف
1 12 محاولة القتل العمد
27 369 السرقة الموصوفة
36 348 النصب
15 47 خيانة الأمانة
16 52 جرائم التزوير
43 455 الشيك
24 216 التعذيب
93 80 الفساد
397 96 التحريض على الفساد
15 24 إعداد منازل للدعارة
42 1157 السكر العلني
28 34 انتهاك حرمة المسكن
8 2 الهجوم على المؤسسات التعليمية
1 44 إهمال الأسرة
تتحمل المسؤولية – التخلي عن الأطفال الرضع
33 33 الخيانة الزوجية
34 590 المخدرات
جدول يبين أنواع الجرائم المرتكبة من قبل النساء والرجال مدينة مكناس 2004
من هذه الإحصاءات يظهر جليا عدم ميل المرأة كثيرا إلى جرائم الأموال وجرائم العنف كالضرب والجرح، وعادة ما تأخذ دور المساهم التبعي لا دور المساهم الأصلي في هذه الجرائم كما أثبتت الإحصاءات ضآلة عدد الجنايات التي ترتكبها المـرأة حيث نلاحظ جريمة قتل واحدة مقابل 12 جريمة قام بها الرجل وهي إذا قتلت فهي إما تقتل انتقاما من زوج خائن وظالم أو تقتل وليدها خوفا من العار والفضيحة إذا حملته حملا غير شرعي فالمرأة غالبا ما تقع فريسة لانفعالاتها وعواطفها المندفعة ومزاجها السريع المتقلب وهذه طبيعة معروفة في المرأة.
وبالمقابل نسجل ميلها لارتكابها جرائم الفساد كما لوحظ أن إجرام المرأة يزيد بشكل عام في الجرائم التي لا يرتكبها الرجل عادة، كجريمة الإجهاض وقتل الأطفال حديثي الولادة، فنحن لم نسجل حالات في مدينة مكناس وذلك راجع إلى الطبيعة المتخفية لهذه الجرائم، حسب تصريح أدلى لنا به رئيس المصلحة الولائية للشرطة القضائية لولاية الأمن. ففي فرنسا وفقا لإحصاء سنة 1971 بلغت نسبة جرائم قتل المواليد 25% من الإجرام الكلي لجرائم الاعتداء على الأشخاص التي ارتكبتها النساء وبلغت نسبة جرائم الإجهاض التي ارتكبتها النساء في نفس العام 18 إلى 67 % من الجرائم الكلي لهذه النوع من الجرائم ( ).
وبالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه في بعض الإحصاءات بأن إجرام المرأة يزيد في فترة الحيض والحمل والرضاعة وسن اليأس من ذلك أن إحصاء إنجليزيا أثبتت أن 41 % من إجرام المرأة ترتكب وهن في فترة الحيض كما أثبت إحصاء فرنسي أن 63 % من جرائم سرقة المتاجر قد ارتكبتها نسوة في ظل هذه الظروف( )

المطلب الثالث: من حيث الجسامة
وفيما يخص هذا الجانب أثبتت الإحصاءات بصورة واضحة اتسام إجرام الرجل بالعنف والقسوة والبطش وهو أكثر جسارة من المرأة على ارتكاب جرائم القتل والسرقة بالإكراه وحمل السلاح والابتزاز واقتحام المنازل والسطو على البنوك والمؤسسات، بينما تميل المرأة في إجرامها إلى أسلوب المخاتلة والغدر والخديعة وعدم النزاهة، أما إذا أقدمت على ارتكاب الجرائم الخطيرة فإنها غالبا ما تلجأ أسلوب عدم المواجهة المباشرة كاستعمال السم في القتل كما يكون سلاحها في مثل هذه الجرائم السكين الذي اعتادت على استعماله في شؤون هي أبعد ما تكون عن عالم الجريمة (شؤون الطبخ) فضلا عن مساهمتها كشريكة لا تظهر على مسرح الجريمة والاكتفاء بالتحريض على ارتكابها.
وفيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب ضد الأموال فإنهن يرتكبن جرائم السرقة من المحلات، وجرائم النشل في الأماكن المزدحمة وإخفاء الأشياء المتحصلة من السرقة ( ).
وهكذا فإن معظم السرقات المرتكبة من قبل النسوة هي سرقات غير مصحوبة بالعنف أو السلاح وقد تأكد هذا الاتجاه أيضا في فرنسا من خلال ما نشر فيها من إحصاءات في فترات زمنية متفاوتة( )، وكذلك تتجه إلى ارتكاب جرائم النصب والاحتيال.
وفيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب ضد الأخلاق والآداب فإنهن يرتكبن جرائم الفساد والأعمال الوحشية ضد الصبية الصغار وإفسادهن والمعاملة السيئة للخادمات، ورغم كل الانفعالات والدوافع التي ترمي المرأة في أحضان الجريمة فقد لاحظنا أن إجرامها يقل عن إجرام الرجل. ترى هل هناك أسباب مضادة لهذه الانفعالات والتقلبات النفسية والمزاجية تحمي المرأة من سلوك طريق الجريمة وبالتالي جعل إجرامها أقل كمية من إجرام الرجل؟
هذا ما سنبحثه في المبحث الثاني من هذا الفرع.

المبحث الثاني: أسباب اختلاف إجرام المرأة عن إجرام الرجل

يقال إن الدافع قد يكون واحد لدى الرجل و المرأة وهو الحاجة إلى المال أو الانتقام لكن الفعل يختلف لدى أحدهما عن الآخر، فبينما يلجأ الرجل إلى السرقة للحصول على المال فإن المرأة تلجأ إلى البغاء أي الاتجار في جسدها للحصول على ما تحتاج إليه من مال والسبب في هذا الاختلاف يرجعه البعض إما إلى تدنيها وسموها الخلقي (مطلب أول) ويرجعه البعض الآخر إلى أوضاعها الاجتماعية (مطلب ثاني) والبعض الآخر إلى الاختلاف في التكوين (مطلب ثالث).

المطلب الأول: تدين المرأة وسمها الخلقي

يذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول، أن المرأة أقل من الرجل ارتكابا للجرائم لأنها أكثر منه استجابة لتعاليم الدين ولأنها تتميز عليه بسمو الخلق، فهي تتصف بالإيثار والتضحية وتمتاز بالرقة والعطف والحنان مما يجعلها أبعد من الرحل عن طريق الإجرام.
نقد هذا الرأي:
هذا الرأي لا يستند على أساس علمي فليس هناك أي دليل على تفوق المرأة على الرجل من حيث التدين والخلاق، ويكفي لدحض هذا الرأي فيما يتعلق بالتدين ما تشير إليه الإحصاءات الجنائية من أن المرأة كثيرا ما ترتكب جريمة شهادة الزور وهي جريمة ضد الدين في المقام الأول أما ما يتعلق بالجانب الخلقي فليس هناك دليل على تفوق المرأة من هذه الناحية ويكفي لهدم هذا الرأي نشير أن أغلب جرائم الإجهاض وجرائم قتل المواليد ترتكبها أمهات اعتداء على أبنائهن وهذه الحقيقة من شأنها أن تهدم الأساس الذي قام عليه هذا الرأي.

المطلب الثاني: اختلاف الوضع الاجتماعي

ذهب الرأي الثاني إلى أن وضع المرأة في المجتمع يختلف عن وضع الرجل مما يجعل إجرامها أقل ويستند هذا الرأي إلى حجتين: الأولى أن المرأة في كل مراحل عمرها لا تحمل مسؤولية مباشرة فهي تتمتع غالبا بحماية الرجل سواء كان أبا أو أخا أو زوجا أو ابنا وهذا يجعلها بعيدة عن العوامل الخارجية التي قد تؤثر عليها فتدفعها إلى الإجرام بينما الرجل على العكس من ذلك، هو الذي يحمل المسؤولية ويضطر بحكم هذا الدور الملقى على عاتقه أن يواجه المجتمع فيتعرض للمؤثرات المختلفة التي قد تدفع إلى ارتكاب الجريمة، وفضلا عن ذلك فإن القانون يطالب الرجل أحيانا بأكثر مما يطالب به المرأة وهذا يجعل نطاق مسؤوليته وبالتالي نطاق احتمال تقصيره أكثر اتساعا منه لدى المرأة.
نقد هذا الرأي
هذا الرأي وإن كان يبدو للوهلة الأولى منطقيا إلا أن الواقع لا يؤيده فإذا كان هذا الرأي يرجح قلة إجرام المرأة إلى وجودها في حماية الرجل وإلى قلة المسؤوليات التي يلقيها المجتمع على عاتقها، فإن مقتضى منطق هذا الرأي أن إجرام النساء يزداد حجمه كلما قلت الحماية التي تحيط بالمرأة وكلما زادت الأعباء الملقاة عليها ولكن الإحصاءات تثبت عكس هذا إذ المرأة المتزوجة تتمتع بقدر من الحماية اكبر مما تتمتع به غير المتزوجة ومع ذلك فالإحصاءات الجنائية تؤكد أن إجرام المتزوجات أكثر من إجرام العازبات( ).
كما أن ازدياد أعباء المرأة ومسؤولياتها ليس من المحتم أن يؤدي بها إلى طريق الجريمة خصوصا إذا عرفنا أن هذه المرأة هي امرأة مسلحة بالعلم والمعرفة وعلى ذلك لا يصلح هذا الرأي كتفسير وحيد لقلة إجرام النساء لذلك يجب البحث عن أسباب أخرى قد تكون وراء اختلاف إجرام المرأة عن إجرام الرجل.

المطلب الثالث: الاختلاف في التكوين

ذهب رأي أخير إلى القول بأن قلة إجرام المرأة مرجعه اختلافها عن الرجل من حيث التكوين العضوي والنفسي.
فمن الناحية العضوية تكون المرأة أضعف بنيانا من الرجل وقد قام الباحثون بمقارنة جسم المرأة بجسم الرجل سواء من حيث الطول أو الوزن أو الأعضاء والمختلفة الداخلية والخارجية. وقد قام بعض الباحثين بعملية حسابية دقيقة لتقدير نسبة قوة المرأة البدنية إلى قوة الرجل واستخلص من ذلك أن قوة المرأة تعادل نصف قوة الرجل ولذلك لا تقدم المرأة على الجرائم التي تتطلب قدرا من القوة البدنية فمثلا لا تقدم المرأة في أغلب الأحوال على جرائم العنف كالضرب والجرح وإنما تميل بالمقابل إلى جرائم القذف والسب والتحريض على الفساد والفسق وفي القدر الذي تلجأ فيه إلى ارتكاب جريمة القتل نجدها تلجأ إلى السم كوسيلة لتحقيق مآربها أو إلى تخدير الضحية قبل قتلها.
وأما من الناحية النفسية تمر المرأة بحالات خاصة بها تؤثر على نفسيتها وتعد من العوامل التي تساعد على ارتكاب الجريمة من ذلك حال الحيض والحمل والوضع والرضاعة ففي هذه الحالات كثيرا ما تتعرض المرأة لانفعالات مختلفة وتقلبات في المزاج قد تدفع بها إلى ارتكاب بعض الجرائم ولا سيما جرائم الإجهاض وقتل المواليد( ).

نقد هذا الرأي:
إن هذا الرأي وإن أصاب قدرا من الحقيقة فإنه لم يلق قبولا لدى بعض الباحثين الذين تصدوا له بالنقد من عدة جوانب فمنهم من رفض التسليم بفكرة تفوق الرجل جسديا على المرأة بل إن هذا الاتجاه ذهب إلى حد القول بان من الثابت علميا أن المرأة أقوى من الرجل وحجتهم في ذلك أن المرأة تعمر كثيرا وأن نسبة الوفيات بين الذكور أكثر من الإناث وأن إجهاض النساء في الذكور أكثر منه في الإناث، كما أنها تقاوم الأوبئة والأمراض اكثر من الرجل.
وقال آخرون بأنه إذا سلمنا بان قوة المرأة تعادل نصف قوة الرجل فإن هذا الاختلاف لا يكفي وحجه لتفسير الفارق الكبير بين إجرام كل منهما والذي يبلغ كحد أدنى خمس إجرام الرجل وليس نصفه بحسب ما يجب أن يكون عليه تبعا لتفاوت القدرة البدنية بينهما.
وذهب آخرون في معرض نقدهم لهذا التفسير قائلين بأنه إذا كان السبب في هذا الاختلاف يعود إلى ضعف المرأة بدنيا لوجب أن يقتصر هذا الأثر على جرائم العنف التي تتطلب قوة لا تتوافر لدى المرأة في حين الإحصاءات تدل على أن إجرام المرأة أقل من إجرام الرجل بصفة عامة بما في ذلك الجرائم التي لا تتطلب أي جهد عضلي كالنصب والاحتيال وإساءة الائتمان( ). باستثناء بعض الجرائم التي ترتبط بطبيعة المرأة كالإجهاض والبغاء والتي نلاحظ ارتفاعا نسبيا في إجرامها في هذا الميدان ولكن هذا الارتفاع نلمسه كثيرا فقط في واقعنا المغربي المعاش أو المشاهد، أما الإحصاءات المغربية فتسجل ارتفاعا ضئيلا بالمقارنة مع الواقع في جرائم الإجهاض والبغاء.
كما أن الاختلاف في التكوين البيولوجي بين الذكر والأنثى لا يتضمن تميزا له عليها فالقوة البدينة التي اعتبرت مقياسا للرجولة ليست في الواقع سوى قيمة اجتماعية تنقلها الآباء إلى الأبناء في عملية التنشئة الاجتماعية فيعلمونهم أن القوة البدينة هي أحد مقاييس الرجولة لا فيما بين الذكور بعضهم البعض فحسب بل فيما بينهم وبين الإناث.
ومن هنا نجد أن هذا الرأي لا يستطيع تفسير الفارق الكبير بين إجرام المرأة وإجرام الرجل.
والواقع أن قلة إجرام النساء كما ترجع إلى عوامل تكوينية ونفسية فإنها ترجع أيضا إلى الوضع الاجتماعي للمرأة فمما لا شك فيه أن نسبة النساء اللائي يتحملن المسؤولية وحدهن لظروف غير عادية، أقل بكثير من نسبة الرجال الذين يتحملن المسؤولية بحكم وضعهم الاجتماعي الطبيعي، كذلك فإن نسبة النساء اللائي نزلن إلى ميدان العمل أقل من نسبة من يعملون من الرجال، ولذلك يمكن القول إن تلك العوامل التي ذكرتها النظريات الثلاث تشكل في مجموعها الأسباب التي أدت إلى قلة إجرام المرأة بالنسبة إلى إجرام الرجل، ولا يمكن الأخذ بإحداهما دون الأخرى فلابد من اجتماعها حتى نستطيع تفسير هذا التباين بين إجرام المرأة وإجرام الرجل.
لكن الدكتور احمد علي المجدوب ( ) يقول: “يخطئ من يركن إلى النتيجة التي أسفرت عنها الدراسات العديدة التي أجريت عن إجرام المرأة والتي تقول أنها كانت وستظل أقل إجراما من الرجل في كل العصور والمجتمعات لأن هذه النتيجة رغم صحتها ليست حقيقة دائمة وإنما هي شانها شان كل شيء في الحياة قابلة للتغير إذا تغيرت عناصرها…”
إجرام المرأة ودور المؤسسات السجنية في إعادة تأهيلها