أنواع الوقف – المبحث الثالث:
يتنوع الوقف باعتبار الموقوف عليه في وقف خيري ووقف ذري.

أولا: الوقف الخيري:
هو ما جعل على جهة من جهات الخير والشر وخصص ريعه للصرف عليها، فإذا وقف أرضا أو مشروعا لينفق من غلته على مسجد أو مستشفى أو معهد علمي أو مدارس تعليم الشريعة، والمراكز الإسلامية، والثكنات للمرابطين في الثغور، أو كفالة الفقراء والمساكين، وطلبة العلم النافع ومعلميهم، أو يتامى المسلمين أو كذلك دعم الدعوى الإسلامية وغير ذلك من وجوه البر العامة والخاصة، اعتبر الوقف لهذه الجهات وقفا خيريا( ).

ثانيا: الوقف الذري أو الأهلي: ( )
وهو ما جعل استحقاق الريع فيه للواقف نفسه أو لغيره من الأشخاص المعينين بالذات أو بالوصف، سواء كانوا من الأقارب أو من غيرهم، وذلك بأن يقول: وقفت أرضي على نفسي مدة حياتي ثم على أولادي بعد وفاتي، ومن وقف على أولاده، دخل في ذلك أولاد أولاده وما تناسلوا وكذلك أولاد البنات، وفي ذلك خلاف ومما يؤيد القول بدخول أولاد البنات ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن أبي موسى الأشعري، قال: “قال رسول الله : ابن أخت القوم منهم” حكى ذلك الشوكاني في نيل الأوطار ( ).
يتضح لنا من خلال مفهوم الوقف الخيري والذري أن مدار التفرقة بينهما هو الجهة التي يتم الوقف عليها، فإن كانت جهة الوقف عامة كان الوقف خيريا، وإن كانت جهة الوقف خاصة بأهله أو أقاربه كان الوقف أهليا أو ذريا.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن تقسيم الوقف بهذا الشكل وتسميته بالأهلي والخيري لم يكن موجودا في العصور الأولى للإسلام، وإنما كانت الأوقاف تعرف بالصدقات الطوعية، ولذلك كان يقال هذه صدقة فلان حتى إن الحديث الذي ورد فيه مشروعية الوقف كان يشير إلى أنه صدقة من الصدقات، فقد جاء فيه أن أبا بكر الصديق تصدق بداره على ولده وتصدق عمر على كذا وكذا وغير ذلك من روايات الصدقة التي أخرجها أصحاب السنن، مما يثبت أن العصور الأولى لم تشهد هذا التفريق بين وقف ووقف آخر، وإنما كان الغرض من هذه التصرفات إصابة أوجه الخير والبر، اعتبارها نوعا من أنواع الصدقات التي ندب إليها الإسلام.
الوقف الخيريوهنا لابد من أن نتساءل هل الوقف في صدر الإسلام لم يكن موجودا منه إلا ما أطلق عليه الفقهاء الوقف الخيري و أن ما يسمى بالوقف الأهلي لم يكن مشروعا أول الأمر؟

الحقيقة أن جماعة من الفقهاء المحدثين ذهبوا إلى أن الوقف الأهلي لم يكن موجودا في العصور الإسلامية الأولى، وكانوا بذلك يحاولون تأييد رغبة بعض ولاة الأمور في إلغاء هذا النوع من الوقف، ولكن نظرة فاحصة إلى الآثار الواردة في مشروعية هذه المؤسسة تثبت لنا أن الوقف بنوعيه كان موجودا من الأيام الأولى للتشريع، و هذا ما يتأكد بالفعل من وقف عمر الذي يعتبر أساسا لما جاء بعده من أوقاف الذي توزع بين جهات الخير والبر وبين ذوي القربى( ).

هذا باختصار عن أنواع الوقف، أما فيما يخص المبحث الرابع فإننا سنتطرق إلى أهم التصرفات التي تجري على الوقف.
الوقف ودوره في تنمية المجتمع
الفصل الأول: مفهوم الوقف وأحكامه: أركانه… وشروطه